لا أعرف
رمزي الغزوي
رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي
نيسان ـ نشر في 2026-09-23 الساعة 10:07
نيسان ـ الجهل كان في زمن مضى يعيش مستورا، أما اليوم فصار على رؤوس الأشهاد. تفتح هاتفك لدقائق، فتجد العالم واقفا أمامك بسؤال: ما رأيك؟ من المخطئ؟ هل تؤيد؟ هل يعجبك؟ حتى الطقس غدا مادة للرأي والتعليق. وكأن الحياة أعطت كل واحد منا ميكروفونا صغيرا، وألزمته أن يتحدث كلما تحرك شيء على سطح كوكبنا أو في فضاءاته.
المشكلة أن الرأي بات أسرع من المعرفة. نقرأ عنوانا فنحاكم قضية، ونشاهد مقطعا فنحكم على إنسان، ونسمع رواية من طرف واحد فنوزع البراءات والإدانات. يكفي أن نعرف قليلاً حتى نتوهم أننا عرفنا الحكاية كلها؛ فالفضاء العام يحب الإجابات السريعة، ويرتاب من المتردد، ويكاد يعاقب من يقول: دعوني أفهم أولا.
وهنا نفتقد كلمة صغيرة عظيمة المقام: لا أعرف. ليست حفرة في المعرفة، هي نافذة عليها. من يقولها يترك عقله مفتوحا كمظلة، أما صاحب الإجابة الجاهزة لكل شيء فيغلق النافذة قبل أن يرى ما وراءها. وكثير من أخطائنا الفكرية يولد من العجلة التي تدفعنا إلى ملء كل فراغ بإجابة.
الثقافة الحقيقية لا تجعل الإنسان يتحدث في كل شيء؛ الأصل أن تجعل حدود جهله أوضح أمامه. الطبيب ليس مطالبا بأن يكون اقتصاديا، والشاعر ليس خبيرا في نظرية الكم وفيزياء الضوء، والصحفي لا يصبح عالما لأنه قرأ مقالا عن مرض. وحتى المثقف الحقيقي، كلما اتسعت مكتبته الداخلية، اتسعت أمامه خرائط المجهول. المعرفة الحقة لا تنفخ الأنا؛ تهذبها.
وقد زادت وسائل التواصل هذا الالتباس. كل حادثة تريد موقفا فوريا، وكل صورة تطلب حكما، وكل إنسان صار قابلا للتشريح على قارعة الشاشة. لا وقت للقراءة، ولا فسحة للتردد، ولا صبر على اكتمال الحكاية. الجملة الحادة أسرع انتشارا، والحكم القاطع أشد إغراء، وقد يتحدث المرء لأنه مطالب بالكلام، لا لأنه يملك ما يستحق أن يقال.
والأدهى أننا صرنا نمنح آراءنا سلطة على حياة الآخرين. نعرف شيئا عابرا عن علاقة شخص، أو اختياره، أو عثرته، فنشعر أن هذه المعرفة تمنحنا مفتاح غرف لم يدعنا أصحابها إليها. يتحول الرأي إلى فضول متأنق، والتعليق إلى عادة، والصمت إلى تنازل عن حق لم يمنحه لنا أحد.
لذلك يجدر بنا أن نسأل: هل أعرف بما يكفي؟ وهل ما أعرفه يستحق أن أقوله؟ فقد تكون الإجابة: لا أعرف بعد، أو هذا لا يعنيني. فليست كل قضية تستحق معركتنا، ولا كل حياة تخصنا، ولا كل صمت فراغا ينبغي ملؤه.
ولعل أجمل ما يصل إليه العقل بعد رحلة مع القراءة والتجربة أن يتخلى عن شهوة امتلاك جواب لكل شيء. بعض الأسئلة تحتاج إلى علم، وبعضها إلى زمن، وبعضها إلى أهل الاختصاص، وبعضها لا يحتاج منا شيئا. عندها تصبح «لا أعرف» علامة عقل، و»دعني أبحث» تواضعا، و»لا شأن لي» عفة.
العقل الكبير يعرف أين تنتهي معرفته، ويقف هناك بأدب، ولا يخجل أن يتعلم.
المشكلة أن الرأي بات أسرع من المعرفة. نقرأ عنوانا فنحاكم قضية، ونشاهد مقطعا فنحكم على إنسان، ونسمع رواية من طرف واحد فنوزع البراءات والإدانات. يكفي أن نعرف قليلاً حتى نتوهم أننا عرفنا الحكاية كلها؛ فالفضاء العام يحب الإجابات السريعة، ويرتاب من المتردد، ويكاد يعاقب من يقول: دعوني أفهم أولا.
وهنا نفتقد كلمة صغيرة عظيمة المقام: لا أعرف. ليست حفرة في المعرفة، هي نافذة عليها. من يقولها يترك عقله مفتوحا كمظلة، أما صاحب الإجابة الجاهزة لكل شيء فيغلق النافذة قبل أن يرى ما وراءها. وكثير من أخطائنا الفكرية يولد من العجلة التي تدفعنا إلى ملء كل فراغ بإجابة.
الثقافة الحقيقية لا تجعل الإنسان يتحدث في كل شيء؛ الأصل أن تجعل حدود جهله أوضح أمامه. الطبيب ليس مطالبا بأن يكون اقتصاديا، والشاعر ليس خبيرا في نظرية الكم وفيزياء الضوء، والصحفي لا يصبح عالما لأنه قرأ مقالا عن مرض. وحتى المثقف الحقيقي، كلما اتسعت مكتبته الداخلية، اتسعت أمامه خرائط المجهول. المعرفة الحقة لا تنفخ الأنا؛ تهذبها.
وقد زادت وسائل التواصل هذا الالتباس. كل حادثة تريد موقفا فوريا، وكل صورة تطلب حكما، وكل إنسان صار قابلا للتشريح على قارعة الشاشة. لا وقت للقراءة، ولا فسحة للتردد، ولا صبر على اكتمال الحكاية. الجملة الحادة أسرع انتشارا، والحكم القاطع أشد إغراء، وقد يتحدث المرء لأنه مطالب بالكلام، لا لأنه يملك ما يستحق أن يقال.
والأدهى أننا صرنا نمنح آراءنا سلطة على حياة الآخرين. نعرف شيئا عابرا عن علاقة شخص، أو اختياره، أو عثرته، فنشعر أن هذه المعرفة تمنحنا مفتاح غرف لم يدعنا أصحابها إليها. يتحول الرأي إلى فضول متأنق، والتعليق إلى عادة، والصمت إلى تنازل عن حق لم يمنحه لنا أحد.
لذلك يجدر بنا أن نسأل: هل أعرف بما يكفي؟ وهل ما أعرفه يستحق أن أقوله؟ فقد تكون الإجابة: لا أعرف بعد، أو هذا لا يعنيني. فليست كل قضية تستحق معركتنا، ولا كل حياة تخصنا، ولا كل صمت فراغا ينبغي ملؤه.
ولعل أجمل ما يصل إليه العقل بعد رحلة مع القراءة والتجربة أن يتخلى عن شهوة امتلاك جواب لكل شيء. بعض الأسئلة تحتاج إلى علم، وبعضها إلى زمن، وبعضها إلى أهل الاختصاص، وبعضها لا يحتاج منا شيئا. عندها تصبح «لا أعرف» علامة عقل، و»دعني أبحث» تواضعا، و»لا شأن لي» عفة.
العقل الكبير يعرف أين تنتهي معرفته، ويقف هناك بأدب، ولا يخجل أن يتعلم.
نيسان ـ نشر في 2026-09-23 الساعة 10:07
رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي


