اتصل بنا
 

المواطن لا يريد حياةً فاخرة... يريد حياةً محتملة

نيسان ـ نشر في 2026-09-23 الساعة 16:37

نيسان ـ في نهاية كل شهر، يجلس كثير من الأردنيين أمام ورقة غير مكتوبة، يحاولون ترتيب الحياة بالأرقام: هذا للبيت، وهذا للكهرباء والماء، وهذا للمواصلات، وهذا للمدرسة، وهذا للعلاج، وما تبقى نتركه لما قد يحدث. والمشكلة أن «ما قد يحدث» في حياة الأسرة ليس احتمالًا نادرًا؛ قد يكون عطلًا مفاجئًا في السيارة، أو وصفة دواء، أو حاجة مدرسية، أو فاتورة لم تكن في الحساب.
هنا تحديدًا تبدأ الحكاية الحقيقية للمواطن؛ لا عند رقم التضخم وحده، ولا عند سعر سلعة بعينها، وإنما عند تلك المساحة الصغيرة التي تبقى له من دخله بعد أن تنتهي الضروريات.
المواطن الأردني لا يبحث بالضرورة عن حياة فاخرة، ولا يطلب أن تختفي كل صعوبات المعيشة. ما يريده أبسط من ذلك بكثير: حياة يمكنه أن يخطط لها دون أن يخشى أن يهدم طارئ صغير كل حساباته.
فالأسرة التي تخصص جزءًا من دخلها للطعام، وجزءًا للسكن، وجزءًا للنقل، وجزءًا للتعليم والعلاج، لا تتعامل مع ارتفاع كل بند بصورة منفردة. الزيادة التي تبدو محدودة في مكان ما، حين تجتمع مع زيادات أخرى، تصبح عبئًا واحدًا يضغط على الأسرة من كل الجهات. وعندما تضيق الميزانية، لا تختفي الحاجات؛ الذي يختفي هو هامش الاختيار.
وهذه ربما هي الصورة الأقل ظهورًا في الحديث عن كلفة المعيشة.
فالأسرة لا تقول دائمًا إنها عاجزة عن شراء كل شيء؛ لكنها تبدأ باختيار ما يمكن تأجيله. إصلاح يؤجل، زيارة طبيب تؤجل، شراء قطعة أثاث يؤجل، رحلة عائلية تلغى، حاجة لأحد الأبناء تنتظر، وربما تتحول بعض الرغبات البسيطة التي كانت جزءًا طبيعيًا من الحياة إلى رفاهية لا يسمح بها آخر الشهر.
وبين هذه التفاصيل تتشكل ضغوط لا تُقاس بالفواتير وحدها. فرب الأسرة يريد أن يوفر لأبنائه ما يستطيع، والأم تحاول أن تجعل ميزانية المنزل تكفي حتى الأيام الأخيرة، والشاب يحاول أن يجد عملًا يتيح له بناء حياته بدل أن يبقى أسير المصروف اليومي، وكبار السن يريدون أن يطمئنوا إلى أن العلاج لن يصبح عبئًا على أبنائهم.
لهذا، فإن الحديث عن احتياجات المواطن يجب ألا يختزل في الأسعار فقط. المواطن يحتاج كذلك إلى خدمات عامة أكثر سهولة، ومؤسسات تحترم وقته، ومعاملات واضحة، ونقل يساعده على الوصول إلى عمله، وفرص اقتصادية تفتح أمام الشباب أبوابًا حقيقية، وحماية اجتماعية تصل إلى من يحتاجها، وقوانين وإجراءات تجعل الحياة أقل تعقيدًا.
وفي المقابل، لا تكتمل المعادلة من طرف واحد. فالمواطن شريك في حماية المال العام، واحترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، وأداء العمل بأمانة، ورفض الواسطة والغش وكل ممارسة تزيد كلفة الحياة على الآخرين.
لكن السؤال الأعمق يبقى: هل يستطيع الإنسان أن يعيش، أم أنه يقضي معظم وقته في محاولة اللحاق بمصاريف الحياة؟
إن بناء حياة كريمة لا يعني أن تصبح كل الأشياء رخيصة، ولا أن تختفي المفاجآت من أيام الناس؛ فهذا غير ممكن. لكنه يعني أن يمتلك المواطن مساحة أمان تسمح له بأن يخطط، وأن يدخر ولو قليلًا، وأن يعالج نفسه دون خوف، وأن يعلّم أبناءه دون أن يشعر أن كل خطوة إلى الأمام تحتاج إلى تضحية من مكان آخر.
فالمواطن لا يريد أن تكون الحياة بلا ثمن.
هو يريد فقط أن يكون ثمن الحياة متناسبًا مع قدرته على عيشها بكرامة.
وعندما تتسع هذه المساحة، لا يتحسن دخل الأسرة فقط؛ بل يتحسن شعورها بالأمان، وثقتها بالمستقبل، وإحساسها بأن الغد ليس فاتورة جديدة تنتظرها عند الباب.

نيسان ـ نشر في 2026-09-23 الساعة 16:37


رأي: عمر الدريني

الكلمات الأكثر بحثاً