وداعًا للخبرة
نيسان ـ نشر في 2026-09-24 الساعة 12:59
نيسان ـ مع الذكاء الاصطناعي، نحن نستدعي الشيطان - إيلون ماسك.
تقول النكتة الشهيرة إن مصنعًا كان يمتلك آلة ضخمة توقفت عن العمل، فاستدعى أصحاب المصنع كبار المهندسين والخبراء، وحاولوا إصلاحها لأيام طويلة، لكنهم لم يتمكنوا من معرفة سبب العطل.
وفي أحد الأيام، جاء رجل مسن وقال لهم: «أستطيع إصلاحها».
اقترب الرجل من الآلة، ووضع أذنه على أجزاء مختلفة منها، ثم أخرج قطعة طبشور ورسم دائرة على موضع محدد، وقال: «اضربوا هنا».
وما إن ضُرب المكان حتى عادت الآلة إلى العمل.
بعد ذلك، أرسل الرجل فاتورة بمبلغ كبير جدًا. فاعترض أصحاب المصنع قائلين: «كيف تطلب هذا المبلغ وأنت لم تفعل سوى أنك وضعت أذنك على الآلة؟»
فأرسل لهم فاتورة مفصلة جاء فيها:
* وضع الأذن على الآلة: دينار واحد.
* معرفة المكان الصحيح لوضع الأذن: 99,999 دينارًا.
وهذا ما يسمى بالخبرة!
قام الدكتور دارون عجم أوغلو، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2024، إلى جانب عدد من العلماء الآخرين، بنشر ورقة بحثية في بداية هذا العام بعنوان: «الذكاء الاصطناعي، والإدراك البشري، والانهيار المعرفي».
تشرح هذه الورقة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضعف الآلية التي تُعاد من خلالها إنتاج الخبرة المهنية، وكيف أنه قد يقوّض، على المدى البعيد، الحوافز لاكتساب المعرفة؛ أي إنه قد يؤدي، بمعنى آخر، إلى تآكل الخبرة نفسها.
لم يعد أحدٌ مضطرًا في هذه الأيام إلى الوصول إلى الإجابات الصحيحة بنفسه من خلال البحث والدراسة والتحليل وتراكم المعرفة وسؤال أصحاب الاختصاص؛ فكل ما عليه هو أن يسأل الذكاء الاصطناعي، وسيحصل على الإجابة فورًا. وهذا، في الأساس، هو الهدف الذي صُمّم الذكاء الاصطناعي من أجله.
لكن الأخطر من ذلك أن ما يحدث لا يقتصر على المستوى الفردي فحسب، بل يمتد إلى المستوى الجماعي أيضًا. فعندما كان المتخصصون يحلّون المشكلات بأنفسهم، لم يكونوا يقدّمون حلولًا فقط، بل كانوا يساهمون في الوقت ذاته في إثراء مخزون المعرفة المشترك المتراكم، الذي كان ينمو ويتطور باستمرار.
أما مع الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، فقد نصل إلى مرحلة لا تُكتسب فيها معرفة جديدة بالقدر الكافي؛ لأن عملية إنتاج المعرفة وتراكم الخبرة البشرية قد تتراجع تدريجيًا.
ويضرب الدكتور أوغلو ورفاقه مثالًا على هذه الفكرة المقلقة من خلال موقع Stack Overflow فقبل عصر الذكاء الاصطناعي، كان هذا الموقع يُعدّ أحد أهم مصادر المعرفة؛ إذ كان المطورون من مختلف أنحاء العالم يتوجهون إليه لطرح المشكلات البرمجية المعقدة وتقديم حلولها، وكان ملايين المبرمجين يعتمدون عليه لاكتساب المعرفة وتطبيق الحلول المقترحة، ثم تتراكم خبراتهم تدريجيًا حتى يصبحوا هم أنفسهم خبراء في المجال.
لكن بعد أن حلّ الذكاء الاصطناعي محل جزء كبير من هذه العملية المعرفية، بدأ الموقع يواجه صعوبات في الاستمرار؛ إذ تراجع عدد الزوار والمساهمين، وأصبح عدد أقل من الأشخاص يطرحون الأسئلة أو يقدمون الإجابات. ولا يقتصر هذا الأمر على Stack Overflow، بل يشمل مئات المواقع والمنصات المشابهة في مجالات مختلفة، حيث أُغلق بعضها أو أصبح مهددًا بالإغلاق.
وفي النهاية، ووفقًا لما تخلص إليه الورقة، يدخل النظام في مرحلة يطلق عليها مؤلفوها اسم «انهيار المعرفة».
وتشبّه الورقة انهيار المعرفة المتراكمة بأحداث تاريخية أخرى شهدت انهيار أنظمة معرفية كاملة. فعلى سبيل المثال، عندما انهارت الإمبراطورية الرومانية، التي كانت متقدمة في مجالات التنظيم والإدارة والهندسة، دخلت أوروبا مرحلة عُرفت بالعصور المظلمة؛ حيث تراجعت العديد من المعارف والتقنيات، وتدهورت أنظمة متقدمة كانت قائمة آنذاك، مثل شبكات المياه والصرف الصحي والجسور وأنظمة التدفئة، وترافق ذلك مع تراجع ثقافي وفكري واسع.
قد يشكك البعض في هذه النظرية، ويقول إن عصرنا الحالي يختلف عن العصور القديمة، إلا أن الانهيار لا يحدث بصورة مفاجئة؛ بل يحتاج إلى عقود طويلة حتى نصل إلى مرحلة القصور الذاتي، حيث تتباطأ عملية إنتاج المعرفة تدريجيًا، ثم تتوقف في النهاية.
كلما قرأتُ أكثر عن الذكاء الاصطناعي، ازددتُ اقتناعًا بأنه، من جهة، يفتح لنا أبوابًا واسعة للمعرفة ويمنحنا قدرات غير مسبوقة، لكنه من جهة أخرى يسلبنا بعض الجوانب التي تجعل منا بشرًا؛ كالسعي إلى المعرفة، وبناء الخبرة، والتفكير المستقل. ولهذا أزداد يقينًا بأن الأيام القادمة لا تبشر بالخير.
تقول النكتة الشهيرة إن مصنعًا كان يمتلك آلة ضخمة توقفت عن العمل، فاستدعى أصحاب المصنع كبار المهندسين والخبراء، وحاولوا إصلاحها لأيام طويلة، لكنهم لم يتمكنوا من معرفة سبب العطل.
وفي أحد الأيام، جاء رجل مسن وقال لهم: «أستطيع إصلاحها».
اقترب الرجل من الآلة، ووضع أذنه على أجزاء مختلفة منها، ثم أخرج قطعة طبشور ورسم دائرة على موضع محدد، وقال: «اضربوا هنا».
وما إن ضُرب المكان حتى عادت الآلة إلى العمل.
بعد ذلك، أرسل الرجل فاتورة بمبلغ كبير جدًا. فاعترض أصحاب المصنع قائلين: «كيف تطلب هذا المبلغ وأنت لم تفعل سوى أنك وضعت أذنك على الآلة؟»
فأرسل لهم فاتورة مفصلة جاء فيها:
* وضع الأذن على الآلة: دينار واحد.
* معرفة المكان الصحيح لوضع الأذن: 99,999 دينارًا.
وهذا ما يسمى بالخبرة!
قام الدكتور دارون عجم أوغلو، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2024، إلى جانب عدد من العلماء الآخرين، بنشر ورقة بحثية في بداية هذا العام بعنوان: «الذكاء الاصطناعي، والإدراك البشري، والانهيار المعرفي».
تشرح هذه الورقة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضعف الآلية التي تُعاد من خلالها إنتاج الخبرة المهنية، وكيف أنه قد يقوّض، على المدى البعيد، الحوافز لاكتساب المعرفة؛ أي إنه قد يؤدي، بمعنى آخر، إلى تآكل الخبرة نفسها.
لم يعد أحدٌ مضطرًا في هذه الأيام إلى الوصول إلى الإجابات الصحيحة بنفسه من خلال البحث والدراسة والتحليل وتراكم المعرفة وسؤال أصحاب الاختصاص؛ فكل ما عليه هو أن يسأل الذكاء الاصطناعي، وسيحصل على الإجابة فورًا. وهذا، في الأساس، هو الهدف الذي صُمّم الذكاء الاصطناعي من أجله.
لكن الأخطر من ذلك أن ما يحدث لا يقتصر على المستوى الفردي فحسب، بل يمتد إلى المستوى الجماعي أيضًا. فعندما كان المتخصصون يحلّون المشكلات بأنفسهم، لم يكونوا يقدّمون حلولًا فقط، بل كانوا يساهمون في الوقت ذاته في إثراء مخزون المعرفة المشترك المتراكم، الذي كان ينمو ويتطور باستمرار.
أما مع الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، فقد نصل إلى مرحلة لا تُكتسب فيها معرفة جديدة بالقدر الكافي؛ لأن عملية إنتاج المعرفة وتراكم الخبرة البشرية قد تتراجع تدريجيًا.
ويضرب الدكتور أوغلو ورفاقه مثالًا على هذه الفكرة المقلقة من خلال موقع Stack Overflow فقبل عصر الذكاء الاصطناعي، كان هذا الموقع يُعدّ أحد أهم مصادر المعرفة؛ إذ كان المطورون من مختلف أنحاء العالم يتوجهون إليه لطرح المشكلات البرمجية المعقدة وتقديم حلولها، وكان ملايين المبرمجين يعتمدون عليه لاكتساب المعرفة وتطبيق الحلول المقترحة، ثم تتراكم خبراتهم تدريجيًا حتى يصبحوا هم أنفسهم خبراء في المجال.
لكن بعد أن حلّ الذكاء الاصطناعي محل جزء كبير من هذه العملية المعرفية، بدأ الموقع يواجه صعوبات في الاستمرار؛ إذ تراجع عدد الزوار والمساهمين، وأصبح عدد أقل من الأشخاص يطرحون الأسئلة أو يقدمون الإجابات. ولا يقتصر هذا الأمر على Stack Overflow، بل يشمل مئات المواقع والمنصات المشابهة في مجالات مختلفة، حيث أُغلق بعضها أو أصبح مهددًا بالإغلاق.
وفي النهاية، ووفقًا لما تخلص إليه الورقة، يدخل النظام في مرحلة يطلق عليها مؤلفوها اسم «انهيار المعرفة».
وتشبّه الورقة انهيار المعرفة المتراكمة بأحداث تاريخية أخرى شهدت انهيار أنظمة معرفية كاملة. فعلى سبيل المثال، عندما انهارت الإمبراطورية الرومانية، التي كانت متقدمة في مجالات التنظيم والإدارة والهندسة، دخلت أوروبا مرحلة عُرفت بالعصور المظلمة؛ حيث تراجعت العديد من المعارف والتقنيات، وتدهورت أنظمة متقدمة كانت قائمة آنذاك، مثل شبكات المياه والصرف الصحي والجسور وأنظمة التدفئة، وترافق ذلك مع تراجع ثقافي وفكري واسع.
قد يشكك البعض في هذه النظرية، ويقول إن عصرنا الحالي يختلف عن العصور القديمة، إلا أن الانهيار لا يحدث بصورة مفاجئة؛ بل يحتاج إلى عقود طويلة حتى نصل إلى مرحلة القصور الذاتي، حيث تتباطأ عملية إنتاج المعرفة تدريجيًا، ثم تتوقف في النهاية.
كلما قرأتُ أكثر عن الذكاء الاصطناعي، ازددتُ اقتناعًا بأنه، من جهة، يفتح لنا أبوابًا واسعة للمعرفة ويمنحنا قدرات غير مسبوقة، لكنه من جهة أخرى يسلبنا بعض الجوانب التي تجعل منا بشرًا؛ كالسعي إلى المعرفة، وبناء الخبرة، والتفكير المستقل. ولهذا أزداد يقينًا بأن الأيام القادمة لا تبشر بالخير.


