من الزنزانة إلى سرير الكتابة… ناصر ابن مزيونة يستعيد 33 عاماً من الأسر بالكلمات
نيسان ـ نشر في 2026-09-25 الساعة 14:16
نيسان ـ في مسرح بلدية رام الله، لم يكن ناصر أبو سرور جالساً بين الحضور، ولم يصعد إلى المنصة ليوقع كتابه أو يلتقي قراءه وجهاً لوجه.
ظهر من القاهرة عبر شاشة، بعدما حالت سنوات الأسر والإبعاد دون عودته إلى فلسطين. كان كتابه «على سرير الكتابة» حاضراً نيابة عنه في الأمسية، التي لم تكن مجرد احتفاء بصدور عمل أدبي جديد، بل استعادة لسيرة كاتب أمضى نحو ثلاثة وثلاثين عاماً في الأسر، ثم خرج منه إلى القاهرة، حاملاً معه ذاكرة لم تنته لحظة فتح باب الزنزانة، وإنما بدأت تأخذ شكلاً آخر على الورق.
الكتاب، الصادر حديثاً عن دار الآداب للنشر والتوزيع في نحو 304 صفحات، يقف في قلب هذه التجربة. وعنوانه «على سرير الكتابة» يستدعي في ظاهره صورة سرير الشفاء، لكنه يستبدل العلاج بالكتابة، وكأن الكاتب يضع ذاكرته وتجربته وآلامه على سرير آخر، ويحاول أن يعالجها بالكلمات.
لا يقدم أبو سرور نصاً تقليدياً عن السجن، ولا يكتفي بسرد الوقائع التي عاشها خلف القضبان، بل ينتقل بين السرد والشعر والاسترجاع والتأمل والمصارحات، مستعيداً المخيم والطفولة والأشخاص والحب والفقد والانتظار والزمن، في محاولة لفهم ما تركته سنوات الأسر في داخله.
وفي كلمته خلال حفل الإشهار، تحدث أبو سرور من القاهرة عن صعوبة وصول الفلسطينيين إلى رام الله في ظل الحواجز والظروف الأمنية، ووجه التحية إلى الذين وصلوا إلى المكان رغم المخاطر التي ترافق التنقل، متوقفاً عند واقع الحركة في الضفة الغربية وما يواجهه الفلسطيني من حواجز وجنود ومستوطنين. ثم انتقل إلى قضية الأسرى، مؤكداً أن قضيتهم تحتاج إلى مزيد من الفاعلية والعمل من أجل تحريرهم، ومتمنياً أن يأتي الفرج قريباً.
وفي حديثه عن الكتاب، قال إنه موجود في سطوره وهوامشه ومتنه، لكنه في الوقت نفسه «جزء من كل»، داعياً القارئ ألا يبحث عنه وحده بين الصفحات، وإنما أن يبحث عن نفسه أيضاً، عن جملة تشبهه أو ذاكرة تلامس تجربته أو وجع يجد فيه شيئاً من وجعه.
ولد ناصر أبو سرور في مخيم عايدة بمحافظة بيت لحم في السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1969، وفي عام 1993 اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي، ليصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد. دخل أبو سرور السجن شاباً، لكنه أمضى فيه أكثر من ثلاثة عقود، وحاول أن يبني داخل الأسر حياة أخرى موازية من خلال التعليم والقراءة والكتابة. واصل دراسته داخل الأسر، وحصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية، ثم درجة الماجستير في التخصص نفسه من جامعة القدس، وتمسك خلال ذلك بفكرة الدراسة في جامعة فلسطينية، رافضاً إكمال تعليمه عبر جامعة «تل أبيب» المفتوحة.
ومن هذه المساحة بدأت تجربته الأدبية تتبلور. ففي عام 2021 صدر له ديوان «عن السجن وأشياء أخرى»، ثم صدرت روايته «حكاية جدار» عام 2022، وهي رواية تحركت بين تجربة الأسر والذاكرة والحب والفقد والحرية. وترجمت الرواية إلى عدد من اللغات، من بينها الفرنسية، وحصلت على جائزة الأدب العربي في فرنسا، لتتسع تجربة أبو سرور الأدبية خارج إطار أدب السجون بالمعنى التقليدي.
وفي «حكاية جدار» حضرت أيضاً واحدة من أكثر التفاصيل الإنسانية خصوصية في حياة أبو سرور، وهي قصة علاقته بالمحامية والناشطة الحقوقية نادية دقة، التي بدأت في ظروف الأسر ومن خلف الزجاج العازل، حيث كانت المسافة مفروضة بينهما، لكنها لم تمنع العلاقة من الاستمرار رغم سنوات الاعتقال، قبل أن تكتمل لاحقاً بالزواج. وهكذا لم تبق الكتابة عند أبو سرور محصورة في تجربة السجن، بل أصبحت مساحة تتقاطع فيها الذاكرة مع الحب والفقد والعلاقات الإنسانية.
لكن الإفراج عن أبو سرور لم يكن أمراً اعتاد أن ينتظره بثقة، فقد كان اسمه قد ظهر في أكثر من محطة مرتبطة بصفقات تبادل سابقة، ثم استُبعد من قوائم الإفراج، الأمر الذي جعله، حسب ما وصف تجربته، يطور ما يشبه «آلية دفاعية» تمنعه من تصديق الحرية قبل أن يراها بالفعل، إلى أن جاءت اللحظة التي فتح فيها باب السجن. لكن تلك اللحظة لم تكن نهاية الحكاية كما تخيلها، فبعد نحو 33 عاماً خلف القضبان، خرج أبو سرور، لكن خروجه لم يكن عودة إلى البيت، إذ أُبعد إلى القاهرة ضمن صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته في المنفى.
ولم تكن السنوات الثلاث والثلاثون طويلة على ناصر وحده، فوالدته مزيونة أبو سرور عاشت الانتظار معه، وحملت سنوات غيابه وانتظرت اليوم الذي يعود فيه ابنها إلى البيت، لكنها رحلت قبل أن تراه حراً بفترة قصيرة، بعد أكثر من ثلاثة عقود قضتها وهي تنتظر عودته. حين خرج ناصر أخيراً، كان أحد أكثر الأشخاص الذين انتظروا هذه اللحظة قد غاب عنها، لتصبح حكاية الأم التي انتظرت ابنها طوال تلك السنوات جزءاً من حكاية الأسر نفسها.
وكانت مزيونة قد اختصرت قسوة هذا الانتظار في عبارة بقيت عالقة في ذاكرة عائلتها، حين قالت مازحة عن طول غياب ابنها: «لو إبليس شاورني، بقوله استنى شوية بس ليطلع هالولد». خلف العبارة الطريفة تختبئ سنوات ثقيلة من الانتظار، وتكشف كيف يمكن لسنوات الأسر أن تمتد آثارها إلى ما وراء الأسير، لتصبح سنوات من الانتظار لعائلة كاملة، ولأم ظلت ترى الحرية حلماً مؤجلاً حتى غابت قبل أن يصل.
الزمن الآخر
وفي حديث مع «القدس العربي»، يقرأ الأسير المحرر والكاتب عيسى قراقع تجربة أبو سرور من زاوية أوسع، ويرى أن استمرار الأسرى الفلسطينيين في إنتاج الأدب والثقافة والفكر رغم ظروف الاعتقال القاسية يعني أن السجن لم يستطع مصادرة أرواحهم وعقولهم، فالأسير الذي يقرأ ويكتب وينتج فكراً وأدباً يصنع لنفسه مساحة للحياة، ويخلق زمناً آخر في مواجهة زمن السجن.
ويرى قراقع أن تجربة أبو سرور تدخل في هذا السياق، لكنها تتجاوز مجرد الشهادة على الأسر، فالكاتب يستعيد تجربته الشخصية، ويستعيد مساراً أوسع من تجربة الأسر الفلسطيني.
ومن موقع آخر، جاءت شهادة الأسير المحرر والكاتب محمد البيروتي، الذي تحدث في حديث لـ»القدس العربي» عن قراءته للكتاب، وتوقف عند عنوانه قبل تفاصيله. ويرى البيروتي أن اختيار «على سرير الكتابة» يحمل دلالة أساسية في فهم العمل، فبدلاً من «سرير الشفاء» الذي يرتبط عادة باستعادة الجسد عافيته، يضع أبو سرور الكتابة في موقع العلاج، وكأن استعادة الذاكرة وتحويلها إلى نص يصبحان طريقاً للتعامل مع آثار سنوات الأسر.
ويلفت البيروتي الانتباه إلى أن أبو سرور لا يتحرك في الكتاب ضمن خط أدبي واحد، بل ينتقل بين السرد والشعر والاسترجاع والتأمل والمصارحات، وهو ما يمنح العمل تنوعاً في الشكل والمزاج، ويجعل القارئ أمام تجربة لا تستعيد الماضي بهدف البقاء فيه، بل تنظر إليه من موقع إنساني يحمل مساحة من التطلع إلى المستقبل. وفي ما قرأه من الكتاب، وجد البيروتي تجربة لا تقدم الكاتب بوصفه أسيراً للشفقة، وإنما إنساناً يحاول أن يستعيد حياته بالكلمات، وأن يمنح تجربة السنوات الطويلة معنى يتجاوز الألم المباشر.
وتلتقي قراءة قراقع والبيروتي عند قدرة الأسير على إنتاج معنى جديد لحياته رغم الأسر، لكنها تقترب من التجربة من زاويتين مختلفتين، فقراقع يضعها في سياق إنتاج الأسرى للثقافة والفكر ومواجهة الزمن الذي يفرضه السجن، بينما يركز البيروتي على البنية الأدبية للكتاب وعلى دلالة العنوان وتنوع الأشكال داخله.
المخيم والطفولة
ومن هنا، فإن وضع «على سرير الكتابة» تحت عنوان أدب السجون وحده لا يكفي لفهم الكتاب، فهو ينطلق من الأسر، لكنه لا يتوقف عنده.
هناك المخيم والطفولة، والدراسة والكتب، والحب والفقد، والأم والانتظار، والحرية والمنفى، وكلها تفاصيل تتحرك داخل النص إلى جانب السجن.
ولعل المشهد الذي اختصر هذه المفارقة كلها كان في مسرح بلدية رام الله نفسه: ناصر أبو سرور في القاهرة، وكتابه في رام الله، جسده بعيد، لكن صوته حاضر. خرج من السجن، لكنه لم يعد إلى بيته، ومع ذلك عاد شيء منه إلى فلسطين في تلك الأمسية، عبر كتاب وضع فيه جزءاً من سنواته، وعبر كلمات قرأها آخرون، وعبر شاشة جعلت المسافة أقل اتساعاً.
«على سرير الكتابة» ليس مجرد عنوان لكتاب، وإنما مساحة وضع فيها أبو سرور ما تبقى من ذاكرته وما لم يستطع الزمن محوه. كتب عن السجن، لكنه كتب أيضاً عن الحياة التي حاول السجن أن يؤجلها، وعن الأشخاص الذين ظلوا معه في الذاكرة، وعن الأم التي انتظرته ولم تر حريته، وعن وطن بقي بعيداً بعد أن انتهى الأسر. ثلاثة وثلاثون عاماً خلف الجدار لم تنته لحظة فتح باب الزنزانة، لكنها أخذت شكلاً آخر على الورق، وفي رام الله كان الغائب حاضراً بكتابه، وكانت الكلمة قد وجدت طريقها من الزنزانة إلى القارئ.
ظهر من القاهرة عبر شاشة، بعدما حالت سنوات الأسر والإبعاد دون عودته إلى فلسطين. كان كتابه «على سرير الكتابة» حاضراً نيابة عنه في الأمسية، التي لم تكن مجرد احتفاء بصدور عمل أدبي جديد، بل استعادة لسيرة كاتب أمضى نحو ثلاثة وثلاثين عاماً في الأسر، ثم خرج منه إلى القاهرة، حاملاً معه ذاكرة لم تنته لحظة فتح باب الزنزانة، وإنما بدأت تأخذ شكلاً آخر على الورق.
الكتاب، الصادر حديثاً عن دار الآداب للنشر والتوزيع في نحو 304 صفحات، يقف في قلب هذه التجربة. وعنوانه «على سرير الكتابة» يستدعي في ظاهره صورة سرير الشفاء، لكنه يستبدل العلاج بالكتابة، وكأن الكاتب يضع ذاكرته وتجربته وآلامه على سرير آخر، ويحاول أن يعالجها بالكلمات.
لا يقدم أبو سرور نصاً تقليدياً عن السجن، ولا يكتفي بسرد الوقائع التي عاشها خلف القضبان، بل ينتقل بين السرد والشعر والاسترجاع والتأمل والمصارحات، مستعيداً المخيم والطفولة والأشخاص والحب والفقد والانتظار والزمن، في محاولة لفهم ما تركته سنوات الأسر في داخله.
وفي كلمته خلال حفل الإشهار، تحدث أبو سرور من القاهرة عن صعوبة وصول الفلسطينيين إلى رام الله في ظل الحواجز والظروف الأمنية، ووجه التحية إلى الذين وصلوا إلى المكان رغم المخاطر التي ترافق التنقل، متوقفاً عند واقع الحركة في الضفة الغربية وما يواجهه الفلسطيني من حواجز وجنود ومستوطنين. ثم انتقل إلى قضية الأسرى، مؤكداً أن قضيتهم تحتاج إلى مزيد من الفاعلية والعمل من أجل تحريرهم، ومتمنياً أن يأتي الفرج قريباً.
وفي حديثه عن الكتاب، قال إنه موجود في سطوره وهوامشه ومتنه، لكنه في الوقت نفسه «جزء من كل»، داعياً القارئ ألا يبحث عنه وحده بين الصفحات، وإنما أن يبحث عن نفسه أيضاً، عن جملة تشبهه أو ذاكرة تلامس تجربته أو وجع يجد فيه شيئاً من وجعه.
ولد ناصر أبو سرور في مخيم عايدة بمحافظة بيت لحم في السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1969، وفي عام 1993 اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي، ليصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد. دخل أبو سرور السجن شاباً، لكنه أمضى فيه أكثر من ثلاثة عقود، وحاول أن يبني داخل الأسر حياة أخرى موازية من خلال التعليم والقراءة والكتابة. واصل دراسته داخل الأسر، وحصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية، ثم درجة الماجستير في التخصص نفسه من جامعة القدس، وتمسك خلال ذلك بفكرة الدراسة في جامعة فلسطينية، رافضاً إكمال تعليمه عبر جامعة «تل أبيب» المفتوحة.
ومن هذه المساحة بدأت تجربته الأدبية تتبلور. ففي عام 2021 صدر له ديوان «عن السجن وأشياء أخرى»، ثم صدرت روايته «حكاية جدار» عام 2022، وهي رواية تحركت بين تجربة الأسر والذاكرة والحب والفقد والحرية. وترجمت الرواية إلى عدد من اللغات، من بينها الفرنسية، وحصلت على جائزة الأدب العربي في فرنسا، لتتسع تجربة أبو سرور الأدبية خارج إطار أدب السجون بالمعنى التقليدي.
وفي «حكاية جدار» حضرت أيضاً واحدة من أكثر التفاصيل الإنسانية خصوصية في حياة أبو سرور، وهي قصة علاقته بالمحامية والناشطة الحقوقية نادية دقة، التي بدأت في ظروف الأسر ومن خلف الزجاج العازل، حيث كانت المسافة مفروضة بينهما، لكنها لم تمنع العلاقة من الاستمرار رغم سنوات الاعتقال، قبل أن تكتمل لاحقاً بالزواج. وهكذا لم تبق الكتابة عند أبو سرور محصورة في تجربة السجن، بل أصبحت مساحة تتقاطع فيها الذاكرة مع الحب والفقد والعلاقات الإنسانية.
لكن الإفراج عن أبو سرور لم يكن أمراً اعتاد أن ينتظره بثقة، فقد كان اسمه قد ظهر في أكثر من محطة مرتبطة بصفقات تبادل سابقة، ثم استُبعد من قوائم الإفراج، الأمر الذي جعله، حسب ما وصف تجربته، يطور ما يشبه «آلية دفاعية» تمنعه من تصديق الحرية قبل أن يراها بالفعل، إلى أن جاءت اللحظة التي فتح فيها باب السجن. لكن تلك اللحظة لم تكن نهاية الحكاية كما تخيلها، فبعد نحو 33 عاماً خلف القضبان، خرج أبو سرور، لكن خروجه لم يكن عودة إلى البيت، إذ أُبعد إلى القاهرة ضمن صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته في المنفى.
ولم تكن السنوات الثلاث والثلاثون طويلة على ناصر وحده، فوالدته مزيونة أبو سرور عاشت الانتظار معه، وحملت سنوات غيابه وانتظرت اليوم الذي يعود فيه ابنها إلى البيت، لكنها رحلت قبل أن تراه حراً بفترة قصيرة، بعد أكثر من ثلاثة عقود قضتها وهي تنتظر عودته. حين خرج ناصر أخيراً، كان أحد أكثر الأشخاص الذين انتظروا هذه اللحظة قد غاب عنها، لتصبح حكاية الأم التي انتظرت ابنها طوال تلك السنوات جزءاً من حكاية الأسر نفسها.
وكانت مزيونة قد اختصرت قسوة هذا الانتظار في عبارة بقيت عالقة في ذاكرة عائلتها، حين قالت مازحة عن طول غياب ابنها: «لو إبليس شاورني، بقوله استنى شوية بس ليطلع هالولد». خلف العبارة الطريفة تختبئ سنوات ثقيلة من الانتظار، وتكشف كيف يمكن لسنوات الأسر أن تمتد آثارها إلى ما وراء الأسير، لتصبح سنوات من الانتظار لعائلة كاملة، ولأم ظلت ترى الحرية حلماً مؤجلاً حتى غابت قبل أن يصل.
الزمن الآخر
وفي حديث مع «القدس العربي»، يقرأ الأسير المحرر والكاتب عيسى قراقع تجربة أبو سرور من زاوية أوسع، ويرى أن استمرار الأسرى الفلسطينيين في إنتاج الأدب والثقافة والفكر رغم ظروف الاعتقال القاسية يعني أن السجن لم يستطع مصادرة أرواحهم وعقولهم، فالأسير الذي يقرأ ويكتب وينتج فكراً وأدباً يصنع لنفسه مساحة للحياة، ويخلق زمناً آخر في مواجهة زمن السجن.
ويرى قراقع أن تجربة أبو سرور تدخل في هذا السياق، لكنها تتجاوز مجرد الشهادة على الأسر، فالكاتب يستعيد تجربته الشخصية، ويستعيد مساراً أوسع من تجربة الأسر الفلسطيني.
ومن موقع آخر، جاءت شهادة الأسير المحرر والكاتب محمد البيروتي، الذي تحدث في حديث لـ»القدس العربي» عن قراءته للكتاب، وتوقف عند عنوانه قبل تفاصيله. ويرى البيروتي أن اختيار «على سرير الكتابة» يحمل دلالة أساسية في فهم العمل، فبدلاً من «سرير الشفاء» الذي يرتبط عادة باستعادة الجسد عافيته، يضع أبو سرور الكتابة في موقع العلاج، وكأن استعادة الذاكرة وتحويلها إلى نص يصبحان طريقاً للتعامل مع آثار سنوات الأسر.
ويلفت البيروتي الانتباه إلى أن أبو سرور لا يتحرك في الكتاب ضمن خط أدبي واحد، بل ينتقل بين السرد والشعر والاسترجاع والتأمل والمصارحات، وهو ما يمنح العمل تنوعاً في الشكل والمزاج، ويجعل القارئ أمام تجربة لا تستعيد الماضي بهدف البقاء فيه، بل تنظر إليه من موقع إنساني يحمل مساحة من التطلع إلى المستقبل. وفي ما قرأه من الكتاب، وجد البيروتي تجربة لا تقدم الكاتب بوصفه أسيراً للشفقة، وإنما إنساناً يحاول أن يستعيد حياته بالكلمات، وأن يمنح تجربة السنوات الطويلة معنى يتجاوز الألم المباشر.
وتلتقي قراءة قراقع والبيروتي عند قدرة الأسير على إنتاج معنى جديد لحياته رغم الأسر، لكنها تقترب من التجربة من زاويتين مختلفتين، فقراقع يضعها في سياق إنتاج الأسرى للثقافة والفكر ومواجهة الزمن الذي يفرضه السجن، بينما يركز البيروتي على البنية الأدبية للكتاب وعلى دلالة العنوان وتنوع الأشكال داخله.
المخيم والطفولة
ومن هنا، فإن وضع «على سرير الكتابة» تحت عنوان أدب السجون وحده لا يكفي لفهم الكتاب، فهو ينطلق من الأسر، لكنه لا يتوقف عنده.
هناك المخيم والطفولة، والدراسة والكتب، والحب والفقد، والأم والانتظار، والحرية والمنفى، وكلها تفاصيل تتحرك داخل النص إلى جانب السجن.
ولعل المشهد الذي اختصر هذه المفارقة كلها كان في مسرح بلدية رام الله نفسه: ناصر أبو سرور في القاهرة، وكتابه في رام الله، جسده بعيد، لكن صوته حاضر. خرج من السجن، لكنه لم يعد إلى بيته، ومع ذلك عاد شيء منه إلى فلسطين في تلك الأمسية، عبر كتاب وضع فيه جزءاً من سنواته، وعبر كلمات قرأها آخرون، وعبر شاشة جعلت المسافة أقل اتساعاً.
«على سرير الكتابة» ليس مجرد عنوان لكتاب، وإنما مساحة وضع فيها أبو سرور ما تبقى من ذاكرته وما لم يستطع الزمن محوه. كتب عن السجن، لكنه كتب أيضاً عن الحياة التي حاول السجن أن يؤجلها، وعن الأشخاص الذين ظلوا معه في الذاكرة، وعن الأم التي انتظرته ولم تر حريته، وعن وطن بقي بعيداً بعد أن انتهى الأسر. ثلاثة وثلاثون عاماً خلف الجدار لم تنته لحظة فتح باب الزنزانة، لكنها أخذت شكلاً آخر على الورق، وفي رام الله كان الغائب حاضراً بكتابه، وكانت الكلمة قد وجدت طريقها من الزنزانة إلى القارئ.


