اتصل بنا
 

كونفدرالية التوسع الإسرائيلية

باحث استراتيجي

نيسان ـ نشر في 2026-09-26 الساعة 10:48

نيسان ـ أثار رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” اليميني المعارض أفيغدور ليبرمان، الأربعاء، موجة من الانتقادات داخل أوساط اليمين الإسرائيلي، عقب دعوته إلى “كونفدرالية إسرائيلية أردنية” لإدارة منطقتي “أ” و”ب” بالضفة الغربية، علماً أنه دعا إلى إبقاء المنطقة “ج” تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، مؤكداً معارضته لتولي الكيان الإسرائيلي إدارة مدن فلسطينية في الضفة الغربية، مثل الخليل وجنين وطولكرم، وضرورة نقلها للسيطرة الأمنية الأردنية. فما يريده ليبرمان: الأرض في مقابل التخلص من السكان.
الانتقادات الموجهة لليبرمان من الائتلاف الحاكم لا معنى لها، فالحل الذي تقدم به ليبرمان لا يختلف عن الحلول المقدمة من نتنياهو وائتلافه الحاكم، كونه يفضي تلقائياً إلى تهجير الفلسطينيين من أراضيهم عبر إحكام السيطرة على الضفة الغربية ونقل مسؤولية السكان إلى الأردن، غير أن هناك ميزة تفضيلية لكونفدرالية ليبرمان عما يطرحه نتنياهو وبن غفير، كونها تضمن تمدد النفوذ الصهيوني الأمني والاقتصادي شرقاً نحو الأردن، وبدعم وغطاء غربي أمريكي أوروبي محدود الكلفة سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
مشروع ليبرمان لا يقل خطورة عن مشروع نتنياهو وبن غفير، إذ يهيئ الظروف لتوسع صهيوني ناعم شرق النهر، مترافق مع تطهير عرقي أقل عنفاً بقليل من التطهير العرقي في قطاع غزة في آنٍ واحد، على نحو يوفر له المشروعية السياسية لدى القوى الغربية، كونه نتاجاً لاتفاق يأتي بعد فوز متوقع لائتلافه المعارض في انتخابات الكنيست المقبلة، يقوده الجنرال إيزنكوت، وإلى جانبه كل من يائير لابيد ونفتالي بينيت.
إنها وصفة توسع وتمدد أشد خطورة من طروحات نتنياهو، كونها تتوافق مع التوجهات المتبناة في القارة الأوروبية، والأخطر أنها عابرة للإدارات الأمريكية، بعد أن جرت محاولات لتسويقها تحت مسميات أكثر لطفاً وخداعاً بالحديث عن كونفدرالية أردنية فلسطينية، كغطاء للكونفدرالية الإسرائيلية ومشاريعها التوسعية شرقاً وشمالاً وجنوباً في عموم دول الجوار، تحت عناوين سياسية أمنية تارة، واقتصادية استثمارية تارة أخرى.
ما في جعبة نتنياهو وبن غفير لا يختلف عما هو في جعبة إيزنكوت وليبرمان، غير أن الأخطر أن الخيارات تحظى بدعم وغطاء أوروبي وأمريكي، سواء كانت كونفدرالية ثنائية الأبعاد أو ثلاثية الأبعاد، بحجة كونها مشاريع تطبيعية للتعايش، وتأتي نتاجاً لخيارات ديمقراطية إسرائيلية ومشاريع اقتصادية، على دول المنطقة القبول بها أو دفع كلفة فرضها بالقوة القاهرة، وهو ما تدفعه سوريا اليوم برفضها المناطق العازلة، وما يدفعه لبنان برفضه التنازل عن سيادته جنوباً.
المشاريع الإسرائيلية شر مطلق، ولن توقفها الحوارات والمبادرات الدبلوماسية وعمليات التكيف المدعومة من أوروبا وأمريكا والمؤسسات المالية كصندوق النقد والبنك الدولي وغيرها، وإنما الاستعداد الدائم للمواجهة، والاعتماد على الذات، والبحث والعمل الدائم على البدائل الاقتصادية والاستثمارية والتمويلية والعسكرية والاستراتيجية.
ذلك أن الوعود الغربية، كما أشار الملك عبد الله الثاني في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم تأتِ إلا للتمهيد للقبول بالأمر الواقع عبر احتواء تداعياته، إذ قال في خطابه يوم أمس الثلاثاء: «كل انتهاك إسرائيلي جديد يعامل على أنه أمر مؤقت، مما يصرف الانتباه عن الواقع الذي يتم فرضه تدريجياً على الأرض، حتى أصبح المؤقت دائماً، وأصبح الدائم نهجاً»، وذلك بعد أن قال: «لطالما وقفت أمام هذه الجمعية العامة وحذرت من مخاطر ترك الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي دون حل، لكن المجتمع الدولي اختار احتواء الصراع، بدلاً من التصدي لحله».
ما يريده الاحتلال الإسرائيلي فرض حلول تعكس المسار العام الذي يتبناه الائتلاف الإسرائيلي الحاكم ومعارضوه في آنٍ واحد، وهو مسار، من حيث الجوهر، ينسجم مع التوجهات الغربية الأمريكية الأوروبية التي عادة ما تسارع للتكيف مع الطروحات الإسرائيلية، مستثمرة بما تملكه من نفوذ وتأثير اقتصادي وسياسي وعسكري في المنطقة العربية وغرب آسيا وشرق المتوسط، لتمرير الرؤى الإسرائيلية الشاذة وتسويقها والدعوة للتكيف معها، بدلاً من رفضها ومواجهتها بإجراءات رادعة.
لم ينتظر الملك عبد الله الثاني أن ينقل الاحتلال الإسرائيلي المعركة إلى أراضيه، كما فعل في لبنان وسوريا، إذ نبه في خطابه للدول الأعضاء في الأمم المتحدة وجمعيتها العامة إلى المخاطر المتخلقة من السياسات الإسرائيلية في الشمال، التي لا تختلف عن المخاطر القادمة من غرب النهر، بإعلانه صراحة وبوضوح أن الأردن سيتصدى لأي محاولة لتهجير الفلسطينيين، وأنه سيواجه أي تهديد لأراضيه وحقوقه المائية في الشمال، ويقصد بذلك تحركات جيش الاحتلال الإسرائيلي جنوب سوريا ودعمه للعصابات الإجرامية التابعة لها المستقرة في محافظة السويداء.
إلى الآن، لم تقدم القوى الغربية والولايات المتحدة حلولاً لهذه التحديات، فآخر ما تبحث عنه هو كبح جماح التوحش الإسرائيلي، الذي بات يخدم استراتيجيتها في المنطقة بعد تراجع مكانتها وقوة خطابها وتأثيرها المادي والمعنوي، ليكتفي وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بتصريح باهت وغامض قال فيه لوسائل الإعلام والصحافة الأمريكية مساء اليوم الأربعاء: «أن تحول الضفة الغربية إلى أزمة هو آخر ما تحتاج إليه إسرائيل والمنطقة»، دون أن يوضح خارطة الطريق التي تمنع التوتر في الضفة الغربية أو تلجم التوحش الإسرائيلي فاخر ما تسعى له اميركا وادارتها اليوم هو وقف التوحش الاسرائيلي الذي تحول الى سلاح اميركي فتاك للابتزاز وتحقيق ما تعجز عنه بالدبلوماسية.
ختاماً… أمريكا لا تملك حلولاً، بل باتت واحدة من أكثر الدول قدرة على صناعة الأزمات وتصديرها إلى أرجاء العالم الواسع، وهي معضلة بحد ذاتها، كون الولايات المتحدة الأمريكية باتت تملك قدرة هائلة على إعادة تدوير أزمات الكيان الإسرائيلي وتحويلها إلى أزمات إقليمية تطالب دول المنطقة باستيرادها وتحمل كلفها السياسية والأمنية والاقتصادية.

نيسان ـ نشر في 2026-09-26 الساعة 10:48


رأي: حازم عيّاد باحث استراتيجي

الكلمات الأكثر بحثاً