اتصل بنا
 

خطابات في الأمم المتحدة لقادة العالم، ملك الأردن ونتنياهو يعكس نيران الشرق الأوسط التي لم تخمد بعد

نيسان ـ نشر في 2026-09-26 الساعة 15:47

نيسان ـ انعقدت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي في دورتها الحادية والثمانين تحت شعار: «استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق نتائج للجميع». وكالعادة، اجتمع قادة العالم في نيويورك لمناقشة ملفات وقضايا تجاوزت هذه المرة الموضوعات التقليدية، فيما اتسمت الخطابات بحدة غير مسبوقة، وشهدت قاعة الجمعية العامة انسحابات ومواقف دبلوماسية عكست حجم التوترات الدولية والإقليمية.
وقد بدت اجتماعات هذه الدورة وكأنها تُعقد على صفيح ساخن، في ظل عدد من الوقائع المثيرة للجدل، من بينها انسحاب الوفد الإسرائيلي من القاعة أثناء كلمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التي خصص جانباً كبيراً منها للحديث عن الحرب في غزة وضرورة إنهاء معاناة الفلسطينيين.
كما شهدت الاجتماعات مواقف أخرى متوترة، من بينها انسحاب وفود من القاعة خلال كلمات عدد من القادة، في وقت تصاعدت فيه الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل وسياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال الحرب المستمرة في غزة.
وفي السياق ذاته، لم يتمكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ووفده من دخول الأراضي الأمريكية، واضطر إلى مخاطبة المجتمع الدولي عبر تقنية الاتصال المرئي، في مشهد أضاف بُعداً آخر إلى النقاشات السياسية والدبلوماسية التي شهدتها الدورة الحالية.
وفي المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أن الحرب في غزة قد انتهت، متحدثاً عن ضخ مليارات الدولارات لإعادة إعمار القطاع. إلا أن تصريحات عدد من القادة الأوروبيين والعرب بدت أكثر حدة في تناولها للحرب في غزة، وانتقدت استمرار المعاناة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون.
فقد تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن محنة الفلسطينيين بعبارات شديدة اللهجة، منتقداً ما وصفه بالسلام المزعوم، فيما أعلنت بريطانيا موقفاً أكثر صراحة تجاه القضية الفلسطينية، مؤكدة أنها لن تصمت أمام الانتهاكات، ومشددة على أهمية حل الدولتين باعتباره أحد المسارات المطروحة لتحقيق السلام.
وفي هذا السياق، جاء خطاب العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بن الحسين مختلفاً في صياغته وحدّة رسائله، ولا سيما فيما يتعلق بأمن الأردن ومصالحه الوطنية. وخلاصة ما طرحه جلالته أن أي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو لأمنه المائي يمثل تهديداً للأمن القومي للمملكة، مؤكداً أن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.
كما أشار إلى أن القرارات المتعلقة بإسرائيل لا ينبغي أن تبقى حبراً على ورق، وأن المجتمع الدولي يمتلك أدوات للتحرك، من بينها العقوبات وتجميد الأصول وفرض الحظر والعزل الدبلوماسي.
واللافت في هذه الدورة، التي اتسمت بحدة الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل، أن عدداً من القادة والدول اتخذوا مواقف متقاربة في خطابهم تجاه الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل ستبقى هذه المواقف مجرد تصريحات إعلامية ودبلوماسية، أم أنها ستتحول إلى خطوات سياسية عملية تسهم في معالجة الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وإنهاء الحرب في غزة، والدفع باتجاه حل القضية الفلسطينية، التي يرى كثيرون أن تحقيق السلام المستدام في الشرق الأوسط يظل مرتبطاً بها؟
وفي هذا الإطار، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطابه، متسائلاً عن مصداقية المجتمع الدولي إذا استمر في التراخي إزاء الحرب في قطاع غزة، منتقداً الحديث عن سلام مزعوم في ظل استمرار المعاناة الإنسانية وعدم ضمان وصول المساعدات إلى المدنيين.
وفي المقابل، أكد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي بينما تستمر المعاناة، مشدداً على أهمية حل الدولتين باعتباره أحد المسارات المطروحة لتحقيق السلام، ومعبراً عن موقف بلاده الرافض لاستمرار الاحتلال.
وفي المقابل، انسحب الوفد الإسرائيلي من جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء إلقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلمته، التي وصف فيها الحرب الإسرائيلية على غزة بعبارات شديدة اللهجة، معتبراً ما يجري في القطاع مأساة إنسانية تتطلب تحركاً دولياً.
كما كان الحضور السوري حاضراً في أعمال الجمعية العامة، حيث ألقى الرئيس السوري أحمد الشرع كلمته، مؤكداً أن الجولان سيبقى أرضاً سورية، وأن قرارات الضم باطلة. وفي المقابل، يبقى الموقف الإسرائيلي واضحاً في رفض هذا الطرح، إذ تعتبر إسرائيل الجولان جزءاً من أراضيها، في حين أن دمشق لا تعترف بالسيادة الإسرائيلية عليه.
ويأتي ذلك في ظل استمرار الملفات الأمنية بين إسرائيل وسوريا، ولا سيما في الجنوب السوري، في وقت تتواصل فيه الاتصالات والترتيبات الأمنية بين الجانبين وسط خلافات عميقة بشأن مستقبل المنطقة.
وبعد هذه الخطابات الحادة من دول عربية وأوروبية تجاه إسرائيل، ومع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى سياسات الحكومة الإسرائيلية، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مستبقاً خطابه بمقطع استخدم فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي للسخرية من عدد من القادة الذين انتقدوا سياساته، مصوراً بعضهم في هيئة ببغاوات.
وحمل خطاب نتنياهو العديد من الرسائل إلى الدول العربية والمجتمع الدولي، مع التركيز على ما حدث خلال العام الماضي من انسحابات وفود من قاعة الجمعية العامة أثناء خطابه، واصفاً تلك المواقف بالجبن.
كما أعاد نتنياهو التأكيد على موقفه السابق بشأن البرنامج النووي الإيراني، محذراً من أن امتلاك إيران سلاحاً نووياً، بحسب ما يرى، لا يمثل تهديداً لإسرائيل وحدها وإنما للعالم بأسره. ودافع عن العمليات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية باعتبارها، من وجهة نظره، إجراءات دفاعية لحماية إسرائيل ودول أخرى من هذا الخطر، مشيراً إلى أن بعض الدول، وفقاً لروايته، وجهت لإسرائيل رسائل شكر سراً على ما قامت به ضد البرنامج النووي الإيراني.
واتهم نتنياهو بعض الدول الأوروبية، ومن بينها بريطانيا وفرنسا، بازدواجية المعايير، مستحضراً ماضيهما الاستعماري، كما تحدث مطولاً عن هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، التي أطلقت عليها حركة حماس اسم «طوفان الأقصى»، وما وصفه بالانتهاكات التي ارتكبتها الحركة بحق الإسرائيليين والمدنيين.
وهكذا، عكست كلمات نتنياهو عمق الخلاف بين إسرائيل وعدد من الدول التي انتقدت سياساتها، كما عكست في الوقت ذاته استمرار الروايات المتعارضة حول الحرب وأسبابها ومسؤولية الأطراف عنها.
وفي المحصلة، لا يزال الصراع مستمراً، ولم تنجح الجهود السياسية والدبلوماسية حتى الآن في الوصول إلى تسوية نهائية للحرب في غزة. وفي الوقت ذاته، تتفاقم الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية، بينما تبقى منطقة الشرق الأوسط بأكملها أمام مجموعة من الملفات المفتوحة والمتشابكة.
ففي الجنوب السوري، تظل الحدود بين إسرائيل وسوريا والاتفاقات الأمنية بين الطرفين من الملفات الحساسة، وسط اتهامات متبادلة ومخاوف إسرائيلية من نشاط جماعات مسلحة في الجنوب السوري.
وفي لبنان، تستمر معضلة سلاح حزب الله والنقاش حول حصر السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني، بينما يواجه العراق بدوره إشكالية انتشار سلاح الفصائل المسلحة والميليشيات المرتبطة بإيران، وما يرافق ذلك من نقاش حول حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة.
أما إيران، فلا تزال في قلب التوتر الإقليمي، في ظل المواجهة بينها وبين إسرائيل والولايات المتحدة، والخلاف حول برنامجها النووي، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بمستقبل النظام السياسي في طهران.
وفي اليمن، يستمر الصراع مع جماعة الحوثي، في وقت تتداخل فيه تداعيات الحرب اليمنية مع أمن الملاحة في البحر الأحمر وأمن دول المنطقة، بينما تظل المملكة العربية السعودية ودول الخليج عرضة لتداعيات أي تصعيد إقليمي واسع.
إلى جانب ذلك، تظل المخاوف قائمة بشأن أمن الممرات والمضائق البحرية، وانعكاسات الصراعات الإقليمية على الاقتصاد العالمي، فضلاً عن استمرار الحرب الروسية ـ الأوكرانية وتداعياتها الدولية.
كل هذه الملفات والتوترات المتشابكة تعكس حقيقة أن الشرق الأوسط لا يزال يعيش مرحلة شديدة الحساسية، وأن الخلافات التي ظهرت بوضوح في خطابات قادة العالم خلال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة ليست سوى انعكاس للصراعات العميقة التي تعيشها المنطقة.
فبين خطاب الملك عبدالله الثاني الذي ركز على أمن الأردن ومصالحه الوطنية، وخطاب بنيامين نتنياهو الذي دافع عن سياسات إسرائيل وحذر من الخطر الإيراني، مروراً بالمواقف العربية والأوروبية المنتقدة للحرب في غزة، بدا واضحاً أن نيران الشرق الأوسط لم تخمد بعد، وأن تداعياتها لا تقتصر على المنطقة وحدها، بل تمتد آثارها السياسية والأمنية والاقتصادية إلى العالم بأسره.

نيسان ـ نشر في 2026-09-26 الساعة 15:47

الكلمات الأكثر بحثاً