اتصل بنا
 

حين نعرف ما ينبغي فعله ولا نفعله

كاتب وصحافي أردني

نيسان ـ نشر في 2026-09-27 الساعة 08:49

نيسان ـ المشكلة ليست أننا لا نعرف ما ينبغي فعله، وإنما أننا في كثير من الأحيان نعرفه جيداً، ولكننا نبحث عن أسباب تمنعنا من فعله.
البعض بل الكثير ما زال بينه وبين الفهم سوء تفاهم، فلا الثقافة بالنسبة له ضرورة، ولا المعرفة قيمة في ذاتها، ولا التعليم طريقاً لبناء الإنسان، بل مجرد وسيلة للحصول على شهادة يمكن أن تفتح باباً إلى وظيفة أو موقع أو علاقة نافذة.
أما الشهادة، في نظر آخرين، فلم تعد دليلاً كافياً على الكفاءة، بل أصبحت في بعض البيئات جزءاً من سباق اجتماعي للحصول على موقع أفضل، خصوصاً حين تتقدم الواسطة والمحسوبية على معايير الاستحقاق.
هذه ليست ظاهرة جديدة، لكنها تغيرت في شكلها وأدواتها. فالواسطة التي كانت تتم عبر اتصال هاتفي أو رسالة من شخص نافذ، أصبحت اليوم أكثر تعقيداً؛ قد تمر عبر شبكة من العلاقات الاجتماعية والمهنية، أو عبر النفوذ غير المباشر، أو عبر القدرة على الوصول إلى صاحب القرار. وفي بعض البيئات، لا يزال امتلاك هذه الشبكة مصدراً للقوة والتباهي، بينما ينظر إلى من يعتمد على كفاءته وحدها وكأنه اختار الطريق الأصعب.
المشكلة لا تكمن في العلاقات الاجتماعية بحد ذاتها، فكل مجتمع يقوم على التواصل والتعاون، وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول العلاقة إلى بديل عن القانون، وتصبح معرفة الشخص أهم من معرفة العمل، ويصبح القرب من صاحب القرار أكثر فاعلية من الخبرة والإنجاز.
وحين يحدث ذلك، لا يعود الخلل محصوراً في وظيفة أو ترقية. إنه يتحول تدريجياً إلى ثقافة عامة تعيد إنتاج نفسها. يصل شخص إلى موقع لأنه يمتلك علاقة، ثم يستخدم الموقع لبناء علاقات جديدة، فتتسع الدائرة، ويصبح الاستحقاق الاستثناء، بينما تتحول المحاباة إلى ممارسة مألوفة.
الأخطر أن هذه الثقافة لا تضر فقط بمن حُرم من فرصة يستحقها، بل تضر أيضاً بالمؤسسة التي تختار الشخص الخطأ للمكان الخطأ. فالمؤسسة التي لا تضع الكفاءة في مقدمة معاييرها تدفع ثمناً مضاعفاً: تخسر الكفاءات التي تشعر أن جهودها لا تجد طريقاً إلى التقدير، وتتحمل في الوقت نفسه نتائج القرارات التي يتخذها غير المؤهلين.
واللافت أن كثيراً من المسؤولين يدركون أن هذه الاختلالات تحتاج إلى معالجة، ويتحدثون عن الإصلاح وتكافؤ الفرص وتطوير الإدارة. لكن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير المصطلحات أو إطلاق المبادرات وحدها، بل من تغيير طريقة اختيار الأشخاص، ومنح الفرص، وتقييم الأداء، ومحاسبة المقصرين.
الحوار المجتمعي مطلوب، لكن الحوار الذي يجري بين النخب وحدها، ثم يعيد إنتاج الأفكار والقواعد القديمة بصياغات جديدة، لن يغير الكثير. المطلوب أن يكون الحوار مفتوحاً على المجتمع، وعلى الشباب، وعلى المعلمين والطلاب والموظفين وأصحاب الخبرة، وعلى كل من يشعر أن الكفاءة يجب أن تكون طريقاً طبيعياً إلى الفرصة.
لقد أنتج سوء الفهم هذا منظومة من العلاقات تعاني أمراضاً كثيرة: تجاهل الكفاءات، مقاومة الأفكار الجديدة، الخوف من الاختلاف، وتفضيل الشخص المضمون اجتماعياً على صاحب الفكرة الجريئة. وفي مثل هذه البيئة، لا يحتاج أصحاب الأفكار الجديدة إلى أن يفشلوا حتى يتم إقصاؤهم؛ يكفي أحياناً أن يطرحوا سؤالاً مختلفاً.
أما الجامعات، فليست بعيدة عن المشكلة. الجامعة لا تصنع المعرفة فقط، بل تصنع جزءاً مهماً من الثقافة التي يدخل بها الإنسان إلى سوق العمل والحياة العامة. وإذا كان الطالب يتعلم أن النجاح مرتبط بالعلاقات أكثر من الجهد، فمن الصعب أن نطالبه بعد التخرج بأن يؤمن تماماً بمبدأ تكافؤ الفرص.
والمدرسة هي البداية. هناك ينبغي أن يتعلم الطالب معنى الحوار والاختلاف واحترام المعلم واحترام الآخر. لكن عندما يتحول الاعتداء على المعلم أو إهانته أو التقليل من مكانته إلى وسيلة لإثبات الذات أمام الزملاء، فإن المشكلة تتجاوز سلوك طالب بعينه؛ إنها مؤشر على خلل أعمق في مفهوم السلطة والاحترام والمسؤولية.لسنا بحاجة إلى أفكار جديدة بقدر حاجتنا إلى أن نفعل ما نعرف أنه الصواب. أن يصبح الاستحقاق معيارا، والكفاءة طريقا إلى التقدم، والمحاسبة قاعدة لا تستثني أحدا، وأن تتراجع الواسطة والمحسوبية أمام حق الإنسان في أن يقدر بقدرته وعمله، لا باسمه وعلاقاته. فالمشكلة ليست دائما في أننا لا نعرف ما ينبغي فعله، بل في أننا نعرفه، ثم نختار ألا نفعله.

نيسان ـ نشر في 2026-09-27 الساعة 08:49


رأي: محمد المحيسن كاتب وصحافي أردني

الكلمات الأكثر بحثاً