اتصل بنا
 

'هيكيكوموري'.. العالم من وراء الباب

رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي

نيسان ـ نشر في 2026-09-27 الساعة 09:33

نيسان ـ لربما أن أخطر الأبواب تلك التي نتوقف عن الرغبة في فتحها. يبدأ الأمر بهدوء لا يثير الريبة: مساء متعب، كنبة طرية مريحة، زيارة نؤجلها، مشي نعد أنفسنا به غدا، ثم تتكاثر الأحداث وتكر الأيام حتى يصبح الخارج أبعد قليلا، والحذاء أثقل، والدرج أعلى، والناس أكثر كلفة. لا أحد يسمع صوت الانسحاب وهو يحدث، لأن الحياة لا تغادرنا دفعة واحدة؛ هي فقط تتراجع شبرا شبرا، فيما نظن أننا نستريح.
للراحة حيلة شديدة النعومة والمراوغة؛ تدخل حياتنا باعتبارها مكافأة، ولهذا لا ننتبه إلى اللحظة التي تنقلب فيها من استراحة بين جهدين إلى طريقة كاملة في العيش. والدماغ يتعلم هذه الحيلة بسرعة. فهو يزن المكافأة في كفة والجهد المطلوب في أخرى، وكلما دربناه على الطريق الأسهل صار أكثر شحا في دفع كلفة الحركة. عندها تبدو الزيارة عبئا، والمشي مشروعا، والعمل المؤجل جبلا صغيرا ينتظرنا كل صباح. والأغرب أن الدماغ لا يتركنا عراة أمام كسلنا؛ يصنع لنا أعذارا مهذبة، حتى يبدو تأجيل الحياة قرارا حكيما.
ثم جاء العصر الرقمي ليحيطنا بالوسائد الوثيرة. الطعام يصل، والسوق يسكن الهاتف، والأصدقاء يتحولون إلى صور وارقام، والدهشة نفسها تنساب تحت إصبع واحد. صار ممكنا أن نقضي يوما مزدحما جدا من دون أن يحدث لنا شيء حقيقي؛ نرى العالم كله ولا نلمس منه حجرا، ونتحدث إلى عشرات البشر من دون أن نجلس قبالة وجه واحد. تمتلئ أدمغتنا بالإثارة فيما تتعلم أجسادنا السكون.
في اليابان يكلون على هذا الانسحاب اسم «هيكيكوموري». فثمة من أغلقوا غرفهم على أنفسهم سنوات حتى صار الخارج قارة بعيدة مخيفة. وليست الحكاية أن كل عاشق للكنبة ذاهب إلى تلك الغرفة المغلقة، ولكن يبدو أن الطرق البعيدة تظهر غالبا حين نشرع خطوات صغيرة، وبعضها يبدأ حين نقرر ألا نخطو أصلا.
الجسد لا يناقش كثيرا. العضلة التي نهملها تضعف، والقدرة التي لا نستخدمها تضيق وتتلاشى، والعالم الذي لا نزوره يصبح في خيالنا أكثر خشونة مما هو عليه. وهنا تسخر منا الراحة: نلجأ إليها هربا من تعب، فإذا بالإفراط فيها يحيلنا إلى جسد يتعب أسرع مما نتخيل، ونفس ترى الباب أبعد مما هو.
لا نحتاج إلى ثورة على الكنبة المسكينة والفرشة الوثيرة. يكفي أن نخونها قليلا كل يوم؛ نمشي، نصعد، نزور، نطرق بابا، ونضع الهاتف في جيبنا ونخرج. فالراحة التي تستحق اسمها هي التي تعيدنا إلى الحياة، لا تلك التي تجعلنا نكتفي بمراقبتها من ثقب الباب.

نيسان ـ نشر في 2026-09-27 الساعة 09:33


رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي

الكلمات الأكثر بحثاً