اتصل بنا
 

القاعة الفارغة

نيسان ـ نشر في 2026-09-27 الساعة 09:34

نيسان ـ المستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضًا - الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.
كان مشهدًا أيقونيًا جميلا لن يُمحى من ذاكرة التاريخ؛ فعندما اعتلى مجرم الحرب نتن ياهو منصة الأمم المتحدة لإلقاء كلمته، كانت القاعة التي امتلأت قبل صعوده قد أصبحت شبه خالية. تعالت صيحات الاستهجان والسخرية، في مقابل تصفيق وصفير من مؤيديه ومن هم على شاكلته، فيما حاول رئيس الجلسة إعادة النظام والسيطرة على الموقف.
للوهلة الأولى، بدا المشهد وكأن العالم بأسره يغادر القاعة.
تحمل هذه اللقطة دلالة دبلوماسية واضحة؛ فحتى الحكومات التي لا تجرؤ على توجيه انتقادات مباشرة للكيان، أو التي تحاول تخفيف حدة انتقاداتها، أو تلك التي ما زالت تحافظ على علاقاتها معه ولم تقطعها، سمحت لممثليها بالانضمام إلى المنسحبين، في مشهد يعبر عن تراجع القبول الدولي بشرعيته.
وكشف هذا الانسحاب عن حجم العزلة الدبلوماسية التي يواجهها الكيان، وعن تراجع الحصانة التي كان يحظى بها من الغرب، إضافة إلى اتساع دائرة المعارضة له في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي الذي تتصدره الولايات المتحدة.
في عام 2025، انسحبت دول عديدة أثناء توجه مجرم الحرب نتن ياهو إلى المنصة لإلقاء كلمته، إلا أن عدد الوفود التي غادرت القاعة هذا العام كان أكبر، وهو دليل على تزايد العزلة الدبلوماسية للكيان واتساع نطاق الرفض الدولي لسياساته. كما يعكس، رفض معظم الدول الاستماع إلى خطاب صادر عن شخصية تواجه اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في الوقت الذي تتحدث فيه عن السلام والأخلاق.
ولم تقتصر التداعيات التي واجهها مجرم الحرب نتن ياهو داخل قاعة الأمم المتحدة، بل امتدت إلى ما بعدها؛ إذ أعلن مكتبه، قبل الزيارة، عن برنامج حافل من اللقاءات على هامشها، شمل اجتماعات مع تسعة قادة، إضافة إلى زيارة إلى ولاية تكساس ولقاء مع إيلون ماسك. إلا أن هذه اللقاءات لم تُعقد، ولم يلتقِ نتن ياهو بأي مسؤول أمريكي، كما أُلغيت زيارته المقررة للقاء ماسك، ليغادر بعد مكوثه ثماني ساعات فقط ويعود من حيث أتى.
ويُنظر إلى ذلك باعتباره سابقة نادرة، إذ جاءت زيارة لمسؤول صهيوني إلى الولايات المتحدة من دون عقد لقاءات رسمية معلنة، وهو ضربة دبلوماسية وإهانة سياسية له.
كانت هذه من المرات النادرة التي اجتمعت فيها دول العالم، على اختلاف أيديولوجياتها وتباين مصالحها وتشعب علاقاتها مع الولايات المتحدة، على موقف واحد؛ إذ توحدت في رفض ممارسات الكيان وسياساته ونزع الشرعية عنه.
ما جرى، بطبيعة الحال، لن يؤدي إلى تحرير فلسطين، إلا أن الوحدة الرمزية التي ظهرت في هذا الموقف لا يمكن التقليل من أهميتها؛ فقد تسهم في الدفع نحو إجراءات قانونية أكثر صرامة بحق الكيان وقادته، وتشجع حكومات أخرى على اتخاذ خطوات مثل الاعتراف بفلسطين أو فرض قيود على تصدير الأسلحة، إضافة إلى زيادة العزلة الدبلوماسية للكيان.
وقد تؤدي هذه التطورات إلى ارتفاع كلفة السياسات التي ينتهجها الكيان، بما قد يدفع إلى مراجعة بعض مواقفه وسياساته.
وكما يقال في المثل الدارج: «أول الرقص حنجلة»، فالبدايات الصغيرة قد تقود إلى نهايات كبيرة.

نيسان ـ نشر في 2026-09-27 الساعة 09:34


رأي: اسماعيل الشريف

الكلمات الأكثر بحثاً