المسافة الأخيرة إلى الكتاب
رمزي الغزوي
رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي
نيسان ـ نشر في 2026-09-29 الساعة 10:15
نيسان ـ أول أمس، في معرض عمّان الدولي للكتاب، وقفت أمام رفوف تمتد كأنها لا تريد أن تنتهي، وخطر لي سؤال كان يشغلني في طفولتي:
ماذا لو استطعت أن أبتلع كل تلك الكتب دفعة واحدة؟ لا أقرأها كتابا كتابا، ولا أقضي عمرا في تقليب صفحاتها، وإنما تدخل كلها إلى رأسي مرة واحدة؛ رواياتها وفلسفتها وعلومها وحكاياتها وأسئلتها. ضحكت من الفكرة ومضيت، لكن السؤال تضخم في روحي من جديد: ماذا لو جاء يوم لا نحتاج فيه إلى أن نقرأ كي نعرف؟
قد لا يكون ذلك بعيدا كما يبدو. ربما يأتي يوم نفكر فيه بالمتنبي فتنهض قصائده في مكان ما داخل الرأس، أو يخطر لنا سؤال عن مجرة أندروميدا فتتدفق المعرفة إليها من مستودع لا نراه. يومها لن تكون المكتبة في جيبنا كما هي الآن، وإنما ستكون في تلافيفنا، تستقر قرب الخلية العصبية، في منطقة يصعب معها أن نعرف أين ينتهي الإنسان، وأين تبدأ الآلة.
كان الأديب بورخيس قد تخيل في مكتبة بابل كمكتبة لا تنتهي، تضم كل ما يمكن للحروف أن تقوله وترويه. بدت الفكرة حلما غريبا ميتافيزيقيا فاتنا، لكن التكنولوجيا التي كثيرا ما تلحق بأحلام الأدباء من طرق لم يتوقعوها بدأت تقضم المسافة القديمة بين الدماغ والآلة. فواجهات الدماغ والحاسوب تستطيع اليوم التقاط إشارات عصبية وتحويل بعضها إلى أوامر رقمية، وما يزال الطريق طويلا، لكن السؤال غدا مشروعا: ماذا لو امتد هذا الخيط يوما إلى مستودعات المعرفة نفسها؟
سنكون عندها أمام شيء قريب من «السايبورغ»؛ إنسان تتداخل في جسده التقنية والوظائف العضوية، فلا تعود الآلة أداة يحملها، وإنما جزءا من طريقته في التواصل والتذكر والوصول إلى العالم. وربما تصبح المكتبة شريحة صغيرة في الدماغ، نستدعي منها النصوص، كما نستدعي اليوم اسما من الذاكرة الآن.
والغريب أن تاريخ القراءة كله يمكن أن يروى بوصفه تاريخا لاختصار المسافة: من النقش على الحجر والرقم في الطين إلى اللوح إلى المخطوط، ومن الكتاب إلى المكتبة العامة، ومن الطباعة إلى الحاسوب، ثم الإنترنت والهاتف. في كل مرة كانت المعرفة تقترب منا خطوة، وربما تكون الخطوة المقبلة هي إلغاء المسافة كلها.
لكن تلك المسافة لم تكن عبئا فقط. ففيها حدثت القراءة كما عرفناها وأحببناها؛ نفتح الكتاب، نتوقف، نسرح، نختلف معه، نسيء فهم جملة ثم نعود إليها، ننسى صفحات وتبقى فينا عبارة واحدة سنوات. وبين العين والصفحة كان ينشأ ذلك الاحتكاك الخفي الذي يحول الكلام إلى تجربة، والمعلومة إلى معنى. فإذا أصبحت المعرفة تصل إلى الدماغ بسرعة الفكرة، فماذا سيبقى من تلك الرحلة؟ قد نمتلك كتب العالم كلها في رؤوسنا، ثم نكتشف أن امتلاك الكتاب شيء، وأن مروره فينا شيء آخر تماما.
ولذلك قد لا تختفي المكتبات. ربما تتحول إلى محميات للبطء، نذهب إليها لنستعيد حقنا في الضياع بين الرفوف، وفي مصادفة كتاب لم نبحث عنه، وقراءة صفحة مرتين، ومنح الفكرة وقتها كي تتخمر فينا. فالثقافة لم تصنعها وفرة المعلومات وحدها؛ صنعتها أيضا المسافة التي أجبرتنا على السعي والشك والتوقف والعودة.
يومها قد يتحقق سؤالي المجنون، وأستطيع، بطريقة ما، أن أبتلع المكتبة كلها. لكنني أخشى أن نكتشف متأخرين أن الكتب لم تكن تحتاج إلى طريق لتصل إلى رؤوسنا فقط؛ نحن أيضا نحتاج إلى ذلك الطريق لنصل إليها، ونتغير قليلا ونحن نمشي.
ماذا لو استطعت أن أبتلع كل تلك الكتب دفعة واحدة؟ لا أقرأها كتابا كتابا، ولا أقضي عمرا في تقليب صفحاتها، وإنما تدخل كلها إلى رأسي مرة واحدة؛ رواياتها وفلسفتها وعلومها وحكاياتها وأسئلتها. ضحكت من الفكرة ومضيت، لكن السؤال تضخم في روحي من جديد: ماذا لو جاء يوم لا نحتاج فيه إلى أن نقرأ كي نعرف؟
قد لا يكون ذلك بعيدا كما يبدو. ربما يأتي يوم نفكر فيه بالمتنبي فتنهض قصائده في مكان ما داخل الرأس، أو يخطر لنا سؤال عن مجرة أندروميدا فتتدفق المعرفة إليها من مستودع لا نراه. يومها لن تكون المكتبة في جيبنا كما هي الآن، وإنما ستكون في تلافيفنا، تستقر قرب الخلية العصبية، في منطقة يصعب معها أن نعرف أين ينتهي الإنسان، وأين تبدأ الآلة.
كان الأديب بورخيس قد تخيل في مكتبة بابل كمكتبة لا تنتهي، تضم كل ما يمكن للحروف أن تقوله وترويه. بدت الفكرة حلما غريبا ميتافيزيقيا فاتنا، لكن التكنولوجيا التي كثيرا ما تلحق بأحلام الأدباء من طرق لم يتوقعوها بدأت تقضم المسافة القديمة بين الدماغ والآلة. فواجهات الدماغ والحاسوب تستطيع اليوم التقاط إشارات عصبية وتحويل بعضها إلى أوامر رقمية، وما يزال الطريق طويلا، لكن السؤال غدا مشروعا: ماذا لو امتد هذا الخيط يوما إلى مستودعات المعرفة نفسها؟
سنكون عندها أمام شيء قريب من «السايبورغ»؛ إنسان تتداخل في جسده التقنية والوظائف العضوية، فلا تعود الآلة أداة يحملها، وإنما جزءا من طريقته في التواصل والتذكر والوصول إلى العالم. وربما تصبح المكتبة شريحة صغيرة في الدماغ، نستدعي منها النصوص، كما نستدعي اليوم اسما من الذاكرة الآن.
والغريب أن تاريخ القراءة كله يمكن أن يروى بوصفه تاريخا لاختصار المسافة: من النقش على الحجر والرقم في الطين إلى اللوح إلى المخطوط، ومن الكتاب إلى المكتبة العامة، ومن الطباعة إلى الحاسوب، ثم الإنترنت والهاتف. في كل مرة كانت المعرفة تقترب منا خطوة، وربما تكون الخطوة المقبلة هي إلغاء المسافة كلها.
لكن تلك المسافة لم تكن عبئا فقط. ففيها حدثت القراءة كما عرفناها وأحببناها؛ نفتح الكتاب، نتوقف، نسرح، نختلف معه، نسيء فهم جملة ثم نعود إليها، ننسى صفحات وتبقى فينا عبارة واحدة سنوات. وبين العين والصفحة كان ينشأ ذلك الاحتكاك الخفي الذي يحول الكلام إلى تجربة، والمعلومة إلى معنى. فإذا أصبحت المعرفة تصل إلى الدماغ بسرعة الفكرة، فماذا سيبقى من تلك الرحلة؟ قد نمتلك كتب العالم كلها في رؤوسنا، ثم نكتشف أن امتلاك الكتاب شيء، وأن مروره فينا شيء آخر تماما.
ولذلك قد لا تختفي المكتبات. ربما تتحول إلى محميات للبطء، نذهب إليها لنستعيد حقنا في الضياع بين الرفوف، وفي مصادفة كتاب لم نبحث عنه، وقراءة صفحة مرتين، ومنح الفكرة وقتها كي تتخمر فينا. فالثقافة لم تصنعها وفرة المعلومات وحدها؛ صنعتها أيضا المسافة التي أجبرتنا على السعي والشك والتوقف والعودة.
يومها قد يتحقق سؤالي المجنون، وأستطيع، بطريقة ما، أن أبتلع المكتبة كلها. لكنني أخشى أن نكتشف متأخرين أن الكتب لم تكن تحتاج إلى طريق لتصل إلى رؤوسنا فقط؛ نحن أيضا نحتاج إلى ذلك الطريق لنصل إليها، ونتغير قليلا ونحن نمشي.
نيسان ـ نشر في 2026-09-29 الساعة 10:15
رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي


