أسئلة بريئة حول العقل الاقتصادي للدولة الأردنية
نيسان ـ نشر في 2026-09-29 الساعة 15:34
نيسان ـ ياسر قبيلات
لدينا في الأردن حزمة من الوزارات ذات الاختصاصات المتقاطعة ومتداخلة المسؤوليات في الاقتصاد والمال والتنمية، إلى درجة تستحق أن نتوقف عندها، لا لنسأل عن عدد الوزارات، وإنما عن شيء أبسط وأهم: من يفكر في الاقتصاد الأردني كله؟
1. لدينا وزارة للتخطيط والتعاون الدولي..
2. ووزارة للاستثمار..
3. ووزارة للصناعة والتجارة والتموين..
4. ووزارة للعمل..
5. ووزارة للمالية..
6. ووزارة للاقتصاد الرقمي والريادة..
7. ووزارة للتنمية الاجتماعية..
8. ووزارة للنقل..
وفوق ذلك كله لدينا نائب لرئيس الوزراء ووزير دولة للشؤون الاقتصادية.
وهذه ليست مجرد أسماء متجاورة على قائمة الحكومة، بل جهات لكل واحدة منها يد، بصورة أو بأخرى، في الاقتصاد والتنمية والاستثمار والإنتاج والعمل والتجارة والخدمات، أي أنها جميعاً موجودة داخل السؤال نفسه: إلى أين نريد أن يذهب الاقتصاد الأردني؟
وزارة التخطيط تساهم في إعداد الرؤى والخطط والبرامج التنموية..
وزارة الاستثمار مسؤولة عن تحفيز الاستثمار وتوجيهه..
وزارة الصناعة والتجارة معنية بالنشاط الاقتصادي والإنتاج والأسواق..
وزارة العمل معنية بسوق العمل..
وزارة المالية معنية بالسياسة المالية..
وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة بجزء متزايد من اقتصاد المستقبل،
والنقل بالبنية التي تتحرك فوقها التجارة والإنتاج.
وكل هذا مفهوم. لا، بل أكذب: ليس مفهوماً بالمرة..!
لأنيي أرى هنا في زحمة الوزارات وأسمائها واختصاصتها المتداخلة فوضى عارمة؛ وهذه الفوضى عليها رشة بهارات اسمها: «وزير الدولة للشؤون الاقتصادية»..!
المشكلة، أن ليس لدي شسء أقوله وزير الدولة للشؤون الاقتصادية، الذي يشغل موقع نائب رئيس الوزراء. وهذا بحد ذاته أمر مقلق جداً، فمن هو بمكانه يشغل الدنيا والناس. ولكن في حالته «لا حس ولا خبر»، ولا نعرف هل هذا لأن الاقتصاد تبادل الأدوار مع الأحزاب فأصبح عملاً سرياً، أم أن هذا المنصب، «وزير الدولة للشؤون الاقتصادية»، هو مجرد لقب فخري..!
وهذا ليس مفهوماً بالمرة..!
ليس لأن وجود هذه الوزارات الكثيرة، متداخلة الاختصاصات، التي لا تحتملها حتى دول عظمى، خطأ بالضرورة، وإنما لأن توزيع الملفات يمكن أن يتحول، من دون أن نشعر، إلى توزيع لوظيفة التفكير نفسها، تشتيت للقيادة والقرار والمؤسسات، ودخول في باب الترضيات التي تدخل من باب منح الألقاب وخلق المؤسسات الوهمية.
وفي المبتدأ والخبر، الاقتصاد ليس مجموعة أدراج: درج للاستثمار، وآخر للصناعة، وثالث للعمل، ورابع للتخطيط، وخامس للاقتصاد الرقمي، ومكتب لوزير دولة..
الاقتصاد قرار استراتيجي وطني، ومنظومة واحدة، وإذا شتتنا عناصر هذه المنظومة على مؤسسات متعددة، نكون قد فقدنا الرؤية والإرادة الوطنية، فقدنا القرار العاقل والرشيد والموحد. نكون فقدنا العقل المركزي الذي يجمعها، وبهذا نكون هايبر ماركت لديه عشرة «كاشّير»..!
وأنا هنا لا أحاول أن أبني سؤالاً إدارياً: هل ندمج وزارتين أو نفصل بينهما؟ بل أحاول أن أوجه سؤالاً أكبر بكثير: أين يوجد مركز التفكير الاقتصادي للدولة الأردنية؟
أنا حائر..!
إذا كانت وزارة تخطط، وأخرى تجذب الاستثمار، وثالثة تفكر في الصناعة والتجارة، ورابعة تدير سوق العمل، وخامسة في الاقتصاد الرقمي، وسادسة في المالية، فمن يفكر في الاقتصاد الأردني نفسه؟ من يجمع هذه الأجزاء في تصور واحد ودائم لما نريد أن يصبح عليه الأردن بعد عشرين سنة؟
التنسيق بين الوزارات لا يحل هذه المشكلة بالضرورة. تستطيع عشر وزارات أن تجتمع كل أسبوع، وأن تتبادل البيانات، وأن تشكل اللجان، وأن تتفق على عشرات الإجراءات، ويبقى السؤال بلا إجابة: ما المشروع الاقتصادي الذي تخدمه هذه الإجراءات جميعاً؟
ولكي نجيب، ربما نحتاج إلى التخلص قليلاً من اللغة البيروقراطية والعودة إلى الاقتصاد في صورته البسيطة. فاقتصاد أي دولة يبدأ بما تنتجه، وبما تملكه من موارد، وبالبشر الذين يعملون فيه ويحصلون على دخول، وبما تتاجر به مع الآخرين، وبما تستطيع تقديمه من خدمات. ومن هذه الدورة تتولد الدخول والأرباح والضرائب، وتفتح البيوت، وتمول الدولة مدارسها ومستشفياتها وطرقها وأمنها ومؤسساتها.
هذه هي الآلة الاقتصادية.
الإنتاج في قلبها. والموارد الطبيعية أحد مدخلاتها. والعمل يحول النشاط الاقتصادي إلى دخل للمجتمع. والتجارة تصل الإنتاج بالأسواق. والخدمات تستطيع أن تكون هي نفسها منتجاً يباع في الداخل والخارج. ثم نحتاج إلى النقل والطاقة والتعليم والتمويل والتكنولوجيا لكي تعمل هذه الآلة بكفاءة.
وبعد أن نعرف هذه الأشياء يأتي الاستثمار.
وهنا أعتقد أننا نقلب التسلسل أحياناً. نتحدث عن جذب الاستثمار وكأنه بداية السياسة الاقتصادية، بينما الاستثمار، مهما بلغت أهميته، ليس اقتصاداً مستقلاً. إنه رأس مال يدخل كمساهمة ربحية إلى اقتصاد لكي يبني شيئاً قررت الدولة مسبقاً أنها تريد بناءه.
ولذلك فإن السؤال الأول ليس: كيف نجذب الاستثمار؟ بل أن السؤال الأول هو: ماذا نستطيع أن ننتج لكي نلبي حاجات الداخل، وكي يكون لنا حضور وشراكات في الخارج، تجعل من الاستثمار الخارجي أقل فداحة؟
المشكلة الأساسية هي أن لدينا وزيراً في كل جزء من الاقتصاد. ولكن أين الاقتصاد نفسه..؟
أما الكارثة التي تصيب المرء بمغص معوي، فهي: لدينا حكومة من ثلاثين عضواً، لكن نحو 18 موقعاً وحقيبة وزارية تقع، بدرجات متفاوتة، داخل الآلة الاقتصادية: التخطيط، والمالية، والاستثمار، والصناعة والتجارة، والعمل، والاقتصاد الرقمي، والطاقة، والزراعة، والسياحة، وغير ذلك. أي أن مشكلتنا ليست نقص الجهات المعنية بالاقتصاد، بل كثرتها وتوزع وظائفه بينها.
ولا تنسوا، لدينا أيضاً لجنة للتحديث الاقتصادي والتنمية. ولذلك يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كان كل هذه الجهات وهؤلاء يعملون في الاقتصاد، فمن يفكر في الاقتصاد الأردني كله، ومن يجمع أجزاءه في رؤية وطنية واحدة؟
وبالأصل: لماذا نحن متضايقون اقتصادياً على مستوى الدولة والمجتمع والمواطنين!؟
لدينا في الأردن حزمة من الوزارات ذات الاختصاصات المتقاطعة ومتداخلة المسؤوليات في الاقتصاد والمال والتنمية، إلى درجة تستحق أن نتوقف عندها، لا لنسأل عن عدد الوزارات، وإنما عن شيء أبسط وأهم: من يفكر في الاقتصاد الأردني كله؟
1. لدينا وزارة للتخطيط والتعاون الدولي..
2. ووزارة للاستثمار..
3. ووزارة للصناعة والتجارة والتموين..
4. ووزارة للعمل..
5. ووزارة للمالية..
6. ووزارة للاقتصاد الرقمي والريادة..
7. ووزارة للتنمية الاجتماعية..
8. ووزارة للنقل..
وفوق ذلك كله لدينا نائب لرئيس الوزراء ووزير دولة للشؤون الاقتصادية.
وهذه ليست مجرد أسماء متجاورة على قائمة الحكومة، بل جهات لكل واحدة منها يد، بصورة أو بأخرى، في الاقتصاد والتنمية والاستثمار والإنتاج والعمل والتجارة والخدمات، أي أنها جميعاً موجودة داخل السؤال نفسه: إلى أين نريد أن يذهب الاقتصاد الأردني؟
وزارة التخطيط تساهم في إعداد الرؤى والخطط والبرامج التنموية..
وزارة الاستثمار مسؤولة عن تحفيز الاستثمار وتوجيهه..
وزارة الصناعة والتجارة معنية بالنشاط الاقتصادي والإنتاج والأسواق..
وزارة العمل معنية بسوق العمل..
وزارة المالية معنية بالسياسة المالية..
وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة بجزء متزايد من اقتصاد المستقبل،
والنقل بالبنية التي تتحرك فوقها التجارة والإنتاج.
وكل هذا مفهوم. لا، بل أكذب: ليس مفهوماً بالمرة..!
لأنيي أرى هنا في زحمة الوزارات وأسمائها واختصاصتها المتداخلة فوضى عارمة؛ وهذه الفوضى عليها رشة بهارات اسمها: «وزير الدولة للشؤون الاقتصادية»..!
المشكلة، أن ليس لدي شسء أقوله وزير الدولة للشؤون الاقتصادية، الذي يشغل موقع نائب رئيس الوزراء. وهذا بحد ذاته أمر مقلق جداً، فمن هو بمكانه يشغل الدنيا والناس. ولكن في حالته «لا حس ولا خبر»، ولا نعرف هل هذا لأن الاقتصاد تبادل الأدوار مع الأحزاب فأصبح عملاً سرياً، أم أن هذا المنصب، «وزير الدولة للشؤون الاقتصادية»، هو مجرد لقب فخري..!
وهذا ليس مفهوماً بالمرة..!
ليس لأن وجود هذه الوزارات الكثيرة، متداخلة الاختصاصات، التي لا تحتملها حتى دول عظمى، خطأ بالضرورة، وإنما لأن توزيع الملفات يمكن أن يتحول، من دون أن نشعر، إلى توزيع لوظيفة التفكير نفسها، تشتيت للقيادة والقرار والمؤسسات، ودخول في باب الترضيات التي تدخل من باب منح الألقاب وخلق المؤسسات الوهمية.
وفي المبتدأ والخبر، الاقتصاد ليس مجموعة أدراج: درج للاستثمار، وآخر للصناعة، وثالث للعمل، ورابع للتخطيط، وخامس للاقتصاد الرقمي، ومكتب لوزير دولة..
الاقتصاد قرار استراتيجي وطني، ومنظومة واحدة، وإذا شتتنا عناصر هذه المنظومة على مؤسسات متعددة، نكون قد فقدنا الرؤية والإرادة الوطنية، فقدنا القرار العاقل والرشيد والموحد. نكون فقدنا العقل المركزي الذي يجمعها، وبهذا نكون هايبر ماركت لديه عشرة «كاشّير»..!
وأنا هنا لا أحاول أن أبني سؤالاً إدارياً: هل ندمج وزارتين أو نفصل بينهما؟ بل أحاول أن أوجه سؤالاً أكبر بكثير: أين يوجد مركز التفكير الاقتصادي للدولة الأردنية؟
أنا حائر..!
إذا كانت وزارة تخطط، وأخرى تجذب الاستثمار، وثالثة تفكر في الصناعة والتجارة، ورابعة تدير سوق العمل، وخامسة في الاقتصاد الرقمي، وسادسة في المالية، فمن يفكر في الاقتصاد الأردني نفسه؟ من يجمع هذه الأجزاء في تصور واحد ودائم لما نريد أن يصبح عليه الأردن بعد عشرين سنة؟
التنسيق بين الوزارات لا يحل هذه المشكلة بالضرورة. تستطيع عشر وزارات أن تجتمع كل أسبوع، وأن تتبادل البيانات، وأن تشكل اللجان، وأن تتفق على عشرات الإجراءات، ويبقى السؤال بلا إجابة: ما المشروع الاقتصادي الذي تخدمه هذه الإجراءات جميعاً؟
ولكي نجيب، ربما نحتاج إلى التخلص قليلاً من اللغة البيروقراطية والعودة إلى الاقتصاد في صورته البسيطة. فاقتصاد أي دولة يبدأ بما تنتجه، وبما تملكه من موارد، وبالبشر الذين يعملون فيه ويحصلون على دخول، وبما تتاجر به مع الآخرين، وبما تستطيع تقديمه من خدمات. ومن هذه الدورة تتولد الدخول والأرباح والضرائب، وتفتح البيوت، وتمول الدولة مدارسها ومستشفياتها وطرقها وأمنها ومؤسساتها.
هذه هي الآلة الاقتصادية.
الإنتاج في قلبها. والموارد الطبيعية أحد مدخلاتها. والعمل يحول النشاط الاقتصادي إلى دخل للمجتمع. والتجارة تصل الإنتاج بالأسواق. والخدمات تستطيع أن تكون هي نفسها منتجاً يباع في الداخل والخارج. ثم نحتاج إلى النقل والطاقة والتعليم والتمويل والتكنولوجيا لكي تعمل هذه الآلة بكفاءة.
وبعد أن نعرف هذه الأشياء يأتي الاستثمار.
وهنا أعتقد أننا نقلب التسلسل أحياناً. نتحدث عن جذب الاستثمار وكأنه بداية السياسة الاقتصادية، بينما الاستثمار، مهما بلغت أهميته، ليس اقتصاداً مستقلاً. إنه رأس مال يدخل كمساهمة ربحية إلى اقتصاد لكي يبني شيئاً قررت الدولة مسبقاً أنها تريد بناءه.
ولذلك فإن السؤال الأول ليس: كيف نجذب الاستثمار؟ بل أن السؤال الأول هو: ماذا نستطيع أن ننتج لكي نلبي حاجات الداخل، وكي يكون لنا حضور وشراكات في الخارج، تجعل من الاستثمار الخارجي أقل فداحة؟
المشكلة الأساسية هي أن لدينا وزيراً في كل جزء من الاقتصاد. ولكن أين الاقتصاد نفسه..؟
أما الكارثة التي تصيب المرء بمغص معوي، فهي: لدينا حكومة من ثلاثين عضواً، لكن نحو 18 موقعاً وحقيبة وزارية تقع، بدرجات متفاوتة، داخل الآلة الاقتصادية: التخطيط، والمالية، والاستثمار، والصناعة والتجارة، والعمل، والاقتصاد الرقمي، والطاقة، والزراعة، والسياحة، وغير ذلك. أي أن مشكلتنا ليست نقص الجهات المعنية بالاقتصاد، بل كثرتها وتوزع وظائفه بينها.
ولا تنسوا، لدينا أيضاً لجنة للتحديث الاقتصادي والتنمية. ولذلك يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كان كل هذه الجهات وهؤلاء يعملون في الاقتصاد، فمن يفكر في الاقتصاد الأردني كله، ومن يجمع أجزاءه في رؤية وطنية واحدة؟
وبالأصل: لماذا نحن متضايقون اقتصادياً على مستوى الدولة والمجتمع والمواطنين!؟
نيسان ـ نشر في 2026-09-29 الساعة 15:34
رأي: ياسر قبيلات


