اتصل بنا
 

الصفحة التي قد تغيّر حياة إنسان

نيسان ـ نشر في 2026-09-29 الساعة 20:36

نيسان ـ قد يفتح طفل كتابًا اليوم ولا يعرف أنه سيحمله معه عشرين سنة.
قد ينسى عنوانه، وينسى اسم مؤلفه، وربما ينسى تفاصيل القصة كلها، لكن شيئًا واحدًا قد يبقى: فكرة جعلته يرى العالم بطريقة مختلفة.
هذه هي المفارقة الجميلة في القراءة؛ نحن لا نعرف لحظة تأثيرها.
الكتاب لا يخبرنا متى سيغيّرنا.
قد يحدث ذلك في الصفحة الأولى، وقد يحدث بعد سنوات.
وفي التاسع والعشرين من أيلول، حين يحتفي الأردن بيومه الوطني للقراءة، فإن أجمل ما يمكن أن نفكر فيه ليس عدد الكتب التي ستُقرأ اليوم، وإنما عدد الحيوات التي قد تلمسها القراءة من حيث لا ندري، وقد حددت الدولة هذا اليوم لتشجيع القراءة وتعزيزها وتحويلها إلى عادة يومية.
فما الذي يمكن أن تفعله صفحة واحدة؟
قد تمنح طالبًا كلمة لم يكن يعرفها، فيكتشف أنه يحب الكتابة.
وقد تجعله قصة يقرأها يشعر أنه ليس وحده.
وقد تأخذه سيرة إنسان ناجح إلى الاعتقاد بأن الفشل ليس نهاية.
وقد تجعله رواية يتعاطف مع شخص لم يكن يفهمه من قبل.
لهذا يصعب اختزال القراءة في «الفائدة».
بعض فوائدها يمكن قياسها، لكن بعضها يعيش في مناطق لا تصل إليها الأرقام.
هناك أثر في اللغة، وأثر في الخيال، وأثر في الشخصية، وأثر في القدرة على الإصغاء، وأثر في الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه والآخرين.
وهنا تصبح مسؤولية المعلم مختلفة.
المعلم الذي يوصي طالبًا بكتاب لا يعطيه معلومة إضافية فقط؛ قد يمنحه فرصة لاكتشاف جانب من شخصيته.
والأمر نفسه ينطبق على أم تقول لابنتها: «أظن أن هذه القصة ستعجبك».
وعلى أب يترك كتابًا قرب ابنه دون أن يأمره بقراءته.
وعلى صديق يهدي صديقه كتابًا لأنه تذكر سؤالًا كان يبحث عن إجابته.
القراءة تنتقل أحيانًا بالحب أكثر مما تنتقل بالتعليمات.
ولهذا فإن المبادرات الوطنية مهمة، لكنها تحتاج إلى أن تتحول إلى سلوك يومي، وقد شهد الأردن هذا العام استمرار مبادرات القراءة التفاعلية، ومنها ماراثون القراءة الذي تنظمه مؤسسة عبد الحميد شومان، والذي انطلق منذ عام 2020 وتوسع عبر السنوات.
لكن أجمل ماراثون قد يكون ذلك الذي يجري داخل الإنسان نفسه: من صفحة إلى صفحة، ومن سؤال إلى سؤال، ومن فكرة إلى أخرى.
ليس المطلوب أن يصبح كل طفل ناقدًا أدبيًا، ولا أن يقرأ مئات الكتب، المطلوب أن يجد طريقه إلى الكتاب.
فالطفل الذي يقرأ قليلًا لكنه يحب ما يقرأ قد يكون أقرب إلى الاستمرار من طفل يقرأ كثيرًا لأنه مجبر.
ولهذا علينا أن نخفف قليلًا من هوس الأرقام.
كم كتابًا؟
كم صفحة؟
كم دقيقة؟
ونضيف أسئلة أخرى:
ماذا أعجبك؟
ماذا أزعجك؟
ما الذي غيّر رأيك؟
ما السؤال الذي بقي معك؟
هناك، تبدأ القراءة في التحول من نشاط إلى تجربة.
وفي اليوم الوطني للقراءة، ربما لا نحتاج إلى وعد كبير.
يكفي أن نضع كتابًا مناسبًا في يد إنسان مناسب، ثم نترك للصفحات أن تقوم ببقية المهمة.
فقد لا نعرف اليوم ما الذي ستفعله تلك الصفحة.
لكن ربما، بعد سنوات، نكتشف أن حياة كاملة بدأت منها.

نيسان ـ نشر في 2026-09-29 الساعة 20:36


رأي: عمر الدريني

الكلمات الأكثر بحثاً