فلسطين في الأمم المتحدة… بين رهانات الاعتراف وموازين القوة
لطفي العبيدي
كاتب تونسي
نيسان ـ نشر في 2026-10-02 الساعة 03:59
نيسان ـ لم تعد غزة مجرّد ملف فلسطيني على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا التي تكشف التناقضات العميقة في النظام الدولي، بين شرعية تعترف بها أغلبية دول العالم، وموازين قوة تستطيع في كثير من الأحيان تعطيل هذه الشرعية، أو تأجيل ترجمتها على الأرض.
ومع افتتاح الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة في نيويورك، تعود فلسطين إلى واجهة النقاش الدولي في لحظة شديدة الحساسية، لا بسبب استمرار المأساة الإنسانية في غزة وحدها، وإنّما لأنّ القضية الفلسطينية باتت مرتبطة بصورة النظام الدولي نفسه، وبمستقبل القانون الدولي، وبقدرة الأمم المتحدة على تحويل قراراتها ومواقفها إلى وقائع سياسية.
المفارقة الأبرز في هذه الدورة، أنّ فلسطين حاضرة بقوة في النقاش، بينما يغيب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عن قاعة الأمم المتحدة للعام الثاني على التوالي، بعد رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة الدخول. وقد صوتت الجمعية العامة بأغلبية 152 دولة مقابل ثلاث دول وامتناع أربع، للسماح له بإلقاء كلمته عبر الفيديو. هذه الواقعة تختصر الكثير من المشهد الدولي الراهن. ففلسطين تمتلك اعترافا دوليا واسعا، ولها صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، لكن حضورها السياسي يظل محكوما بموازين القوة التي تتحكّم في النظام الدولي. وفي الوقت نفسه، فإنّ منع رئيس السلطة الفلسطينية من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة لم يمنع القضية الفلسطينية من احتلال مساحة واسعة في أعمال الجمعية العامة، بل جعل غيابه نفسه جزءا من النقاش.
الفلسطينيون لا يحتاجون إلى اعترافات جديدة فقط، وإنما إلى حماية الأرض، ووقف تغيير واقعها، وإعادة إعمار غزة، وفتح مسار سياسي واضح يقود إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة
وفي غزة، لا تزال الوقائع أكثر قسوة من البيانات السياسية، فالأمم المتحدة تقول إنّ الوضع الإنساني ما زال بالغ الخطورة، وإن الضربات والأضرار التي تلحق بالمناطق السكنية مستمرة، فيما تعاني عمليات الإغاثة من نقص المعدات والوقود وقطع الغيار والتمويل. وتواجه 91% من الأسر التي جرى تقييمها في غزة مستويات متوسطة إلى مرتفعة من انعدام الأمن المائي، بينما يستعد مئات الآلاف لموسم الأمطار في مواقع نزوح مكتظة. والأخطر أن آثار الحرب لم تعد مرتبطة بالدمار المباشر وحده. فالبنية المدنية للقطاع أصبحت جزءا من الأزمة، المياه والصرف الصحي والمساكن والمدارس والمرافق الصحية، وكل ما يجعل الحياة ممكنة. وفي 16 سبتمبر انهار مبنى سكني متضرّر في مدينة غزة، ما أدّى، وفق السلطات المحلية، التي نقلت عنها الأمم المتحدة، إلى مقتل 21 شخصا بينهم 12 طفلا. أما في الضفة الغربية، فإنّ المشهد يكشف أن القضية لا تتعلّق بغزة وحدها. فقد وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين بين يناير وأغسطس 2026، بمعدل بلغ 6.7 هجمات يوميا، وهو ما يضيف إلى أزمة النزوح وتقييد الحركة وتآكل إمكانية الحفاظ على تواصل جغرافي فلسطيني. وهنا تتحوّل القضية الفلسطينية من حرب في قطاع محاصر إلى صراع على الجغرافيا والسيادة ومستقبل الدولة. فبينما تتحدّث دول كثيرة عن حل الدولتين، تستمر الوقائع الميدانية في الضفة الغربية في إعادة تشكيل الأرض بصورة تجعل أي تسوية سياسية أكثر تعقيدا. ولهذا فإنّ الرهان في الجمعية العامة لا يتعلّق بعدد الخطب التي ستلقى، ولا بعدد الدول التي ستعلن تضامنها مع الفلسطينيين، وإنما بمدى قدرة هذا التأييد الدولي على الانتقال من مستوى الاعتراف السياسي إلى مستوى الفعل. فالفلسطينيون لا يحتاجون إلى اعترافات جديدة فقط، وإنما إلى حماية الأرض، ووقف تغيير واقعها، وإعادة إعمار غزة، وفتح مسار سياسي واضح يقود إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
في المقابل، تتحرّك إسرائيل داخل معادلة مختلفة، عنوانها الحفاظ على التفوق العسكري وإدارة التداعيات السياسية والدبلوماسية للحرب. وفي الضفة الغربية، يمثل التوسع الاستيطاني أحد أبرز مظاهر الصراع على مستقبل الجغرافيا الفلسطينية. وقد أضيف أخيرا عطاء لبناء 2167 وحدة استيطانية، ضمن مخطط E1، ليصل إجمالي الوحدات المطروحة في المخطط إلى 3401 وحدة، وفق ما نقلته رويترز عن منظمة إسرائيلية معنية بمراقبة الاستيطان. أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها في قلب المعادلة. فهي الحليف الأبرز لإسرائيل، وفي الوقت نفسه الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، وقد أثار قرار منع عباس من دخول أراضيها انتقادات دولية، بينها دعوة أوروبية لواشنطن إلى إعادة النظر في القرار. وبين واشنطن وتل أبيب من جهة، والدول العربية والإسلامية والأوروبية ودول أخرى من جهة ثانية، تتغير مواقف كثيرة، ليس فقط بفعل الحسابات الدبلوماسية، وإنما أيضا تحت ضغط الرأي العام العالمي وتداعيات الحرب على صورة النظام الدولي. وقد ظهر ذلك بوضوح في النقاشات الحالية داخل الجمعية العامة، حيث ارتبطت غزة مرة أخرى بمسألة إصلاح الأمم المتحدة، وحدود مجلس الأمن، ومستقبل القانون الدولي. ولم يكن خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام الجمعية العامة بعيدا عن هذا السياق، إذ دعا إلى إصلاح مجلس الأمن وتوسيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبرا أن بنية النظام الدولي الحالية تضع قرارات أكثر من 190 دولة أمام إرادة خمس دول دائمة العضوية في مجلس الأمن.
لكن المشكلة لا تكمن في نقص القرارات أو البيانات، المشكلة في الفجوة المتزايدة بين الشرعية والقوة. فالأمم المتحدة تستطيع أن تمنح القضية الفلسطينية منصة دولية، وتستطيع أغلبية الدول أن تصوّت لصالح الحقوق الفلسطينية، لكن تحويل ذلك إلى واقع سياسي يحتاج إلى موازين قوة مختلفة، أو إلى إرادة دولية قادرة على استخدام أدوات الضغط المتاحة. وهنا تحديدا أصبحت غزة أكثر من قضية إنسانية، لقد تحوّلت إلى اختبار لمصداقية النظام الدولي نفسه. فإذا كان القانون الدولي يطبق بصورة مختلفة باختلاف موقع الدولة وقوّة حلفائها، فإنّ الأزمة لا تعود فلسطينية فقط، بل تصبح أزمة في مفهوم العدالة الدولية، ولهذا فإنّ المشهد داخل الجمعية العامة يحمل مفارقة يصعب تجاهلها: فلسطين حاضرة في قاعة العالم أكثر من أي وقت مضى، والاعتراف بها يتّسع، وصورتها السياسية تتغيّر في قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي، لكن الأرض نفسها ما زالت تتعرّض لتحوّلات عميقة، وغزة ما زالت تدفع الثمن الإنساني، والقدرة على تحويل المواقف الدولية إلى إجراءات فعلية تظل محدودة.
في المحصّلة، لقد تغيّر شيء مهمّ في صورة فلسطين خلال السنوات الأخيرة، لكن السؤال الأصعب لم يعد هل يعرف العالم ما يجري في غزة، فالعالم يعرف، ولا هل تتّسع دائرة التعاطف معها، فهي تتّسع. وإنما السؤال الحقيقي في تقديري هو: هل تستطيع هذه المعرفة وهذا الاعتراف وهذا الغضب الدولي أن تتحوّل إلى قوة سياسية تُوقف تغيير الواقع، أم تبقى فلسطين مرة أخرى أكبر من قدرة النظام الدولي على حمايتها؟
كاتب تونسي
ومع افتتاح الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة في نيويورك، تعود فلسطين إلى واجهة النقاش الدولي في لحظة شديدة الحساسية، لا بسبب استمرار المأساة الإنسانية في غزة وحدها، وإنّما لأنّ القضية الفلسطينية باتت مرتبطة بصورة النظام الدولي نفسه، وبمستقبل القانون الدولي، وبقدرة الأمم المتحدة على تحويل قراراتها ومواقفها إلى وقائع سياسية.
المفارقة الأبرز في هذه الدورة، أنّ فلسطين حاضرة بقوة في النقاش، بينما يغيب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عن قاعة الأمم المتحدة للعام الثاني على التوالي، بعد رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة الدخول. وقد صوتت الجمعية العامة بأغلبية 152 دولة مقابل ثلاث دول وامتناع أربع، للسماح له بإلقاء كلمته عبر الفيديو. هذه الواقعة تختصر الكثير من المشهد الدولي الراهن. ففلسطين تمتلك اعترافا دوليا واسعا، ولها صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، لكن حضورها السياسي يظل محكوما بموازين القوة التي تتحكّم في النظام الدولي. وفي الوقت نفسه، فإنّ منع رئيس السلطة الفلسطينية من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة لم يمنع القضية الفلسطينية من احتلال مساحة واسعة في أعمال الجمعية العامة، بل جعل غيابه نفسه جزءا من النقاش.
الفلسطينيون لا يحتاجون إلى اعترافات جديدة فقط، وإنما إلى حماية الأرض، ووقف تغيير واقعها، وإعادة إعمار غزة، وفتح مسار سياسي واضح يقود إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة
وفي غزة، لا تزال الوقائع أكثر قسوة من البيانات السياسية، فالأمم المتحدة تقول إنّ الوضع الإنساني ما زال بالغ الخطورة، وإن الضربات والأضرار التي تلحق بالمناطق السكنية مستمرة، فيما تعاني عمليات الإغاثة من نقص المعدات والوقود وقطع الغيار والتمويل. وتواجه 91% من الأسر التي جرى تقييمها في غزة مستويات متوسطة إلى مرتفعة من انعدام الأمن المائي، بينما يستعد مئات الآلاف لموسم الأمطار في مواقع نزوح مكتظة. والأخطر أن آثار الحرب لم تعد مرتبطة بالدمار المباشر وحده. فالبنية المدنية للقطاع أصبحت جزءا من الأزمة، المياه والصرف الصحي والمساكن والمدارس والمرافق الصحية، وكل ما يجعل الحياة ممكنة. وفي 16 سبتمبر انهار مبنى سكني متضرّر في مدينة غزة، ما أدّى، وفق السلطات المحلية، التي نقلت عنها الأمم المتحدة، إلى مقتل 21 شخصا بينهم 12 طفلا. أما في الضفة الغربية، فإنّ المشهد يكشف أن القضية لا تتعلّق بغزة وحدها. فقد وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين بين يناير وأغسطس 2026، بمعدل بلغ 6.7 هجمات يوميا، وهو ما يضيف إلى أزمة النزوح وتقييد الحركة وتآكل إمكانية الحفاظ على تواصل جغرافي فلسطيني. وهنا تتحوّل القضية الفلسطينية من حرب في قطاع محاصر إلى صراع على الجغرافيا والسيادة ومستقبل الدولة. فبينما تتحدّث دول كثيرة عن حل الدولتين، تستمر الوقائع الميدانية في الضفة الغربية في إعادة تشكيل الأرض بصورة تجعل أي تسوية سياسية أكثر تعقيدا. ولهذا فإنّ الرهان في الجمعية العامة لا يتعلّق بعدد الخطب التي ستلقى، ولا بعدد الدول التي ستعلن تضامنها مع الفلسطينيين، وإنما بمدى قدرة هذا التأييد الدولي على الانتقال من مستوى الاعتراف السياسي إلى مستوى الفعل. فالفلسطينيون لا يحتاجون إلى اعترافات جديدة فقط، وإنما إلى حماية الأرض، ووقف تغيير واقعها، وإعادة إعمار غزة، وفتح مسار سياسي واضح يقود إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
في المقابل، تتحرّك إسرائيل داخل معادلة مختلفة، عنوانها الحفاظ على التفوق العسكري وإدارة التداعيات السياسية والدبلوماسية للحرب. وفي الضفة الغربية، يمثل التوسع الاستيطاني أحد أبرز مظاهر الصراع على مستقبل الجغرافيا الفلسطينية. وقد أضيف أخيرا عطاء لبناء 2167 وحدة استيطانية، ضمن مخطط E1، ليصل إجمالي الوحدات المطروحة في المخطط إلى 3401 وحدة، وفق ما نقلته رويترز عن منظمة إسرائيلية معنية بمراقبة الاستيطان. أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها في قلب المعادلة. فهي الحليف الأبرز لإسرائيل، وفي الوقت نفسه الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، وقد أثار قرار منع عباس من دخول أراضيها انتقادات دولية، بينها دعوة أوروبية لواشنطن إلى إعادة النظر في القرار. وبين واشنطن وتل أبيب من جهة، والدول العربية والإسلامية والأوروبية ودول أخرى من جهة ثانية، تتغير مواقف كثيرة، ليس فقط بفعل الحسابات الدبلوماسية، وإنما أيضا تحت ضغط الرأي العام العالمي وتداعيات الحرب على صورة النظام الدولي. وقد ظهر ذلك بوضوح في النقاشات الحالية داخل الجمعية العامة، حيث ارتبطت غزة مرة أخرى بمسألة إصلاح الأمم المتحدة، وحدود مجلس الأمن، ومستقبل القانون الدولي. ولم يكن خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام الجمعية العامة بعيدا عن هذا السياق، إذ دعا إلى إصلاح مجلس الأمن وتوسيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبرا أن بنية النظام الدولي الحالية تضع قرارات أكثر من 190 دولة أمام إرادة خمس دول دائمة العضوية في مجلس الأمن.
لكن المشكلة لا تكمن في نقص القرارات أو البيانات، المشكلة في الفجوة المتزايدة بين الشرعية والقوة. فالأمم المتحدة تستطيع أن تمنح القضية الفلسطينية منصة دولية، وتستطيع أغلبية الدول أن تصوّت لصالح الحقوق الفلسطينية، لكن تحويل ذلك إلى واقع سياسي يحتاج إلى موازين قوة مختلفة، أو إلى إرادة دولية قادرة على استخدام أدوات الضغط المتاحة. وهنا تحديدا أصبحت غزة أكثر من قضية إنسانية، لقد تحوّلت إلى اختبار لمصداقية النظام الدولي نفسه. فإذا كان القانون الدولي يطبق بصورة مختلفة باختلاف موقع الدولة وقوّة حلفائها، فإنّ الأزمة لا تعود فلسطينية فقط، بل تصبح أزمة في مفهوم العدالة الدولية، ولهذا فإنّ المشهد داخل الجمعية العامة يحمل مفارقة يصعب تجاهلها: فلسطين حاضرة في قاعة العالم أكثر من أي وقت مضى، والاعتراف بها يتّسع، وصورتها السياسية تتغيّر في قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي، لكن الأرض نفسها ما زالت تتعرّض لتحوّلات عميقة، وغزة ما زالت تدفع الثمن الإنساني، والقدرة على تحويل المواقف الدولية إلى إجراءات فعلية تظل محدودة.
في المحصّلة، لقد تغيّر شيء مهمّ في صورة فلسطين خلال السنوات الأخيرة، لكن السؤال الأصعب لم يعد هل يعرف العالم ما يجري في غزة، فالعالم يعرف، ولا هل تتّسع دائرة التعاطف معها، فهي تتّسع. وإنما السؤال الحقيقي في تقديري هو: هل تستطيع هذه المعرفة وهذا الاعتراف وهذا الغضب الدولي أن تتحوّل إلى قوة سياسية تُوقف تغيير الواقع، أم تبقى فلسطين مرة أخرى أكبر من قدرة النظام الدولي على حمايتها؟
كاتب تونسي
نيسان ـ نشر في 2026-10-02 الساعة 03:59
رأي: لطفي العبيدي كاتب تونسي


