هل تصل الحرب الأوكرانية إلى بريطانيا؟
د. مدى الفاتح
كاتب سوداني
نيسان ـ نشر في 2026-10-06 الساعة 12:40
نيسان ـ السؤال بات يُطرح بصوت عالٍ ومتكرر. السلطات البريطانية تحاول أن توازن بين الحذر والمسؤولية من جهة، والرغبة في الابتعاد عن التسبب في هلع عام من جهة أخرى. في الواقع فإن احتمال اندلاع حرب تقليدية بريطانية روسية مستبعد، لكن هجمات محدودة ومؤلمة عبر الاستهداف السيبراني، أو باستخدام مسيّرات متقدمة هو أمر وارد.
القصة بدأت حينما تلقت مناطق روسية متفرقة من بينها العاصمة موسكو، هجمات عنيفة بواسطة الطائرات المسيرة الأوكرانية، لم تعد المناطق التي كانت بعيدة عن المعارك في القلب الروسي تشعر بالأمان بعد أن استهدفت المسيّرات مناطق حيوية كان على رأسها المنشآت النفطية. في العاصمة لم يتعلق الأمر بعدد الهجمات فقط، ولكن بأهدافها أيضا، حيث أصابت الصواريخ قطاعات حيوية ومباني عدة كان من أبرزها مبنى تابع لشركة «ويلدبيريز»، وهي شركة تجارة إلكترونية محلية مهمة، تحاكي فكرة موقع «أمازون» الأمريكي، حتى ندرك أهميتها يكفي التذكير بأن تداولات هذه الشركة السنوية كانت تبلغ 75 مليار دولار.
دق كل ذلك ناقوس الخطر الأمني، حيث بات من الواضح أن التقدم الأوكراني في مجال تطوير المسيّرات بعيدة المدى وتزويدها بأنظمة معقدة للاستشعار والتتبع، وتحديد المواقع لم يعد من الممكن التقليل منه. الأكيد أن هذا العدد من الطائرات المهاجمة، لم يكن ليصل عابرا مئات الكيلومترات، من دون أن يعيقه شيء قبل ثلاث سنوات فقط، وقبل أن تكرّس أوكرانيا جهودها على هذا المجال. الوضع مقلق في موسكو، التي ما يزال انسياب الغاز والبنزين متعثرا فيها إثر هجمات سابقة، والتي بات مشهد الاصطفاف الطويل في محطات الوقود معتادا فيها. القلق يتجاوز موسكو للعواصم الأوروبية، فمهما قيل عن الضعف والهشاشة، التي تمر بها روسيا حاليا، إلا أن الجميع يعلم أن زعيم الكرملين لن يستسلم ولن يتخلى عن أهدافه بسهولة، وإن تعلق الأمر بتوسيع المواجهة وإغراق الدول الأوروبية في الفوضى، خاصة أن هذه الدول تمنحه المسوغات الكافية بوقوفها خلف أوكرانيا وبمساعدتها لها على تطوير سلاحها.
في كل الحروب الدولية الكبرى فإن لكل طرف من طرفي الحرب تبريراته، التي يرى وفقها أن من الواجب عليه أن يحمي نفسه ويعاقب أعداءه
إثر الهجمات المتزامنة على العاصمة اتهمت روسيا بريطانيا بتزويد أوكرانيا بطائرات استخدمت في الهجوم. السفارة الروسية في لندن قالت في بيان حاد اللهجة ما نصه: «هذا أمر لا مفر منه. سيتعين على المملكة المتحدة أن تتحمل عواقب أفعالها، وكلما زاد انخراطها في الصراع، ارتفع الثمن الذي ستدفعه». تلا هذا تصريح تهديدي لأندريه فيدوروف المستشار في الكرملين، أدلى به تعليقا على إعلان التعاون في مجال مخططات الصواريخ بين بريطانيا وأوكرانيا. قال فيدوروف إن المصانع البريطانية التي تنتج طائرات مسيّرة لأوكرانيا قد تتعرّض لهجمات من «مصادر مجهولة». فيدوروف، الذي تزامنت تصريحاته مع زيارة رئيس الوزراء أندي بيرنام إلى كييف نهاية أغسطس الماضي قال، إنه لا يستطيع استبعاد احتمال تنفيذ تحرك «شبه عسكري» ضد بريطانيا، مردفا: «عاجلا أم آجلا، قد يكون هناك ردّ فعل روسي تجاه المملكة المتحدة، ليس بالكلمات فقط، بل ربما ردّ فعل ملموس أيضا». نربط كل هذا مع تصريح سابق لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، لمح فيه إلى أن الاستهداف سيمتد إلى داعمي أوكرانيا الغربيين، وهو ما ذكّر بما حدث من هجوم على مطار لايبزيغ الألماني وبهجمات سابقة وصلت فيها مسيّرات روسية إلى أوروبا. فيدوروف حينما سئل عما يعنيه بتعبير «تحرك شبه عسكري»، أجاب بصراحة: «قد يحدث شيء ما للمؤسسات، أو للمصانع، التي تنتج طائرات مسيرة لأوكرانيا». هنا يبرز سؤال وهو: هل يمكن أن تصل حدود الرد الروسي لاستخدام السلاح النووي، وفق مبرر الدفاع عن النفس؟
إجابة هذا السؤال تقود لمناقشة المعضلة الفلسفية المتعلقة بالمسألة النووية، التي يلخّصها السؤال: متى يمكن للدولة أن تستفيد من هذا السلاح وأن تحمي نفسها به، خاصة أن استخدامه لا يخلو من محاذير سياسية وأمنية، لكن من جهة أخرى إذا كان قصف العاصمة لا يستدعي اللجوء إلى الخيار النووي، ولو بشكل تكتيكي، فما فائدة امتلاكه؟ روسيا لم تكف منذ بداية الحرب عن التلويح والتهديد بما تملك من سلاح نووي، لكن الواضح هو أنها تدرك تكلفة التورط في عملية نووية. المشكلة في هجمات الطائرات المسيّرة لا تكمن في ما تنتجه من أضرار مباشرة. صحيح أن ضربة «ويلدبيريز» كانت كافية لتحطيمها، لدرجة الحديث عن إفلاس وتوقف عن العمل، إلا أن الأزمة الحقيقية هي نفسية تتمثل في تنامي الشعور بانعدام الأمان. هذا الإحساس قد يدفع الكثيرين للتساؤل بصوتٍ عالٍ حول جدوى التحدي والاستمرار في الحرب.
ربما يكون هدف تحقيق قدر من البلبلة قد تحقق بشكل ما، حيث نجح في أن يطرح سؤال الحرب وسط نخب روسية كانت تظن أنها بعيدة عن ميدان المعركة، وأن تأثرها بالصراع قد لا يتعدى التأثيرات الاقتصادية. اليوم ترى هذه النخب أنها ليست بعيدة بما يكفي. التطور الأوكراني لم يقتصر على مجال برمجة وتطوير المسيّرات، بل بات من الواضح أنهم تمكنوا من الحصول على الخبرة الكافية من أجل التصدي للمسيّرات المهاجمة، حيث تقوم الأنظمة الأوكرانية بصد الكثير من الهجمات الروسية، التي لا يصيب إلا القليل منها أهدافه. من جانبها تواصل روسيا إنتاج مسيّرات متقدمة وقادرة على توليد خسائر لا تعوض، خاصة أنها تزود بعضها بصواريخ باليستية. هكذا باتت الصورة اليوم أشبه بسباق تسلح من نوع مدمر جديد عنوانه هو المسيّرات.
كما هو الحال في كل الحروب الدولية الكبرى فإن لكل طرف من طرفي الحرب تبريراته، التي يرى وفقها أن من الواجب عليه أن يحمي نفسه ويعاقب أعداءه. الحقيقة هي أن الألم متبادل، فإذا كان من المؤثر للروس استهداف شركة رائدة وناجحة تقدم خدماتها للطبقة الوسطى والبورجوازية، فإن استهداف مناطق سكنية ومدنية، مثلما حدث مؤخرا من تدمير معرض كبير للكتاب في كييف كان مؤلما أيضا للأوكرانيين. التعقيد في هذا التطور الجديد للحروب الحديثة لا يكمن في انعدام القدرة على التصدي، حيث تعلن وزارة الدفاع الروسية عن التصدي لأعداد كبيرة من المسيرات بين يوم وآخر، وإنما يكمن في أنه حتى إن تم التصدي لمئة طائرة من بين مئة وعشرين طائرة، فإن هذه العشرين إذا أصابت هدفها، ستكون قادرة على تحقيق الرعب والارتباك الكافيين (نموذج «ويلدبيريز»).
أسباب استمرار الحرب مفهومة، حيث ندرك أنه يصعب على طرفيها التنازل أو الاعتراف بالهزيمة، كما نستطيع أن نفهم أسباب الانحياز الأوروبي الحالي لأوكرانيا. في المقابل، فإن إصرار بريطانيا على التورط بشكل مباشر، لدرجة أن تكون زيارة كييف هي الزيارة الخارجية الأولى لرئيس وزرائها، ثم الإصرار على تقديم الدعم العسكري والتصريح بارتباط أمن أوكرانيا ببريطانيا وأن هذا الدعم سوف يستمر ولن يتوقف، هو مما يصعب تفسيره، خاصة أنه يأتي في توقيت حساس تعاني فيه لندن من اضطرابات سياسية وأزمات اجتماعية واقتصادية معقدة.
كاتب سوداني
القصة بدأت حينما تلقت مناطق روسية متفرقة من بينها العاصمة موسكو، هجمات عنيفة بواسطة الطائرات المسيرة الأوكرانية، لم تعد المناطق التي كانت بعيدة عن المعارك في القلب الروسي تشعر بالأمان بعد أن استهدفت المسيّرات مناطق حيوية كان على رأسها المنشآت النفطية. في العاصمة لم يتعلق الأمر بعدد الهجمات فقط، ولكن بأهدافها أيضا، حيث أصابت الصواريخ قطاعات حيوية ومباني عدة كان من أبرزها مبنى تابع لشركة «ويلدبيريز»، وهي شركة تجارة إلكترونية محلية مهمة، تحاكي فكرة موقع «أمازون» الأمريكي، حتى ندرك أهميتها يكفي التذكير بأن تداولات هذه الشركة السنوية كانت تبلغ 75 مليار دولار.
دق كل ذلك ناقوس الخطر الأمني، حيث بات من الواضح أن التقدم الأوكراني في مجال تطوير المسيّرات بعيدة المدى وتزويدها بأنظمة معقدة للاستشعار والتتبع، وتحديد المواقع لم يعد من الممكن التقليل منه. الأكيد أن هذا العدد من الطائرات المهاجمة، لم يكن ليصل عابرا مئات الكيلومترات، من دون أن يعيقه شيء قبل ثلاث سنوات فقط، وقبل أن تكرّس أوكرانيا جهودها على هذا المجال. الوضع مقلق في موسكو، التي ما يزال انسياب الغاز والبنزين متعثرا فيها إثر هجمات سابقة، والتي بات مشهد الاصطفاف الطويل في محطات الوقود معتادا فيها. القلق يتجاوز موسكو للعواصم الأوروبية، فمهما قيل عن الضعف والهشاشة، التي تمر بها روسيا حاليا، إلا أن الجميع يعلم أن زعيم الكرملين لن يستسلم ولن يتخلى عن أهدافه بسهولة، وإن تعلق الأمر بتوسيع المواجهة وإغراق الدول الأوروبية في الفوضى، خاصة أن هذه الدول تمنحه المسوغات الكافية بوقوفها خلف أوكرانيا وبمساعدتها لها على تطوير سلاحها.
في كل الحروب الدولية الكبرى فإن لكل طرف من طرفي الحرب تبريراته، التي يرى وفقها أن من الواجب عليه أن يحمي نفسه ويعاقب أعداءه
إثر الهجمات المتزامنة على العاصمة اتهمت روسيا بريطانيا بتزويد أوكرانيا بطائرات استخدمت في الهجوم. السفارة الروسية في لندن قالت في بيان حاد اللهجة ما نصه: «هذا أمر لا مفر منه. سيتعين على المملكة المتحدة أن تتحمل عواقب أفعالها، وكلما زاد انخراطها في الصراع، ارتفع الثمن الذي ستدفعه». تلا هذا تصريح تهديدي لأندريه فيدوروف المستشار في الكرملين، أدلى به تعليقا على إعلان التعاون في مجال مخططات الصواريخ بين بريطانيا وأوكرانيا. قال فيدوروف إن المصانع البريطانية التي تنتج طائرات مسيّرة لأوكرانيا قد تتعرّض لهجمات من «مصادر مجهولة». فيدوروف، الذي تزامنت تصريحاته مع زيارة رئيس الوزراء أندي بيرنام إلى كييف نهاية أغسطس الماضي قال، إنه لا يستطيع استبعاد احتمال تنفيذ تحرك «شبه عسكري» ضد بريطانيا، مردفا: «عاجلا أم آجلا، قد يكون هناك ردّ فعل روسي تجاه المملكة المتحدة، ليس بالكلمات فقط، بل ربما ردّ فعل ملموس أيضا». نربط كل هذا مع تصريح سابق لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، لمح فيه إلى أن الاستهداف سيمتد إلى داعمي أوكرانيا الغربيين، وهو ما ذكّر بما حدث من هجوم على مطار لايبزيغ الألماني وبهجمات سابقة وصلت فيها مسيّرات روسية إلى أوروبا. فيدوروف حينما سئل عما يعنيه بتعبير «تحرك شبه عسكري»، أجاب بصراحة: «قد يحدث شيء ما للمؤسسات، أو للمصانع، التي تنتج طائرات مسيرة لأوكرانيا». هنا يبرز سؤال وهو: هل يمكن أن تصل حدود الرد الروسي لاستخدام السلاح النووي، وفق مبرر الدفاع عن النفس؟
إجابة هذا السؤال تقود لمناقشة المعضلة الفلسفية المتعلقة بالمسألة النووية، التي يلخّصها السؤال: متى يمكن للدولة أن تستفيد من هذا السلاح وأن تحمي نفسها به، خاصة أن استخدامه لا يخلو من محاذير سياسية وأمنية، لكن من جهة أخرى إذا كان قصف العاصمة لا يستدعي اللجوء إلى الخيار النووي، ولو بشكل تكتيكي، فما فائدة امتلاكه؟ روسيا لم تكف منذ بداية الحرب عن التلويح والتهديد بما تملك من سلاح نووي، لكن الواضح هو أنها تدرك تكلفة التورط في عملية نووية. المشكلة في هجمات الطائرات المسيّرة لا تكمن في ما تنتجه من أضرار مباشرة. صحيح أن ضربة «ويلدبيريز» كانت كافية لتحطيمها، لدرجة الحديث عن إفلاس وتوقف عن العمل، إلا أن الأزمة الحقيقية هي نفسية تتمثل في تنامي الشعور بانعدام الأمان. هذا الإحساس قد يدفع الكثيرين للتساؤل بصوتٍ عالٍ حول جدوى التحدي والاستمرار في الحرب.
ربما يكون هدف تحقيق قدر من البلبلة قد تحقق بشكل ما، حيث نجح في أن يطرح سؤال الحرب وسط نخب روسية كانت تظن أنها بعيدة عن ميدان المعركة، وأن تأثرها بالصراع قد لا يتعدى التأثيرات الاقتصادية. اليوم ترى هذه النخب أنها ليست بعيدة بما يكفي. التطور الأوكراني لم يقتصر على مجال برمجة وتطوير المسيّرات، بل بات من الواضح أنهم تمكنوا من الحصول على الخبرة الكافية من أجل التصدي للمسيّرات المهاجمة، حيث تقوم الأنظمة الأوكرانية بصد الكثير من الهجمات الروسية، التي لا يصيب إلا القليل منها أهدافه. من جانبها تواصل روسيا إنتاج مسيّرات متقدمة وقادرة على توليد خسائر لا تعوض، خاصة أنها تزود بعضها بصواريخ باليستية. هكذا باتت الصورة اليوم أشبه بسباق تسلح من نوع مدمر جديد عنوانه هو المسيّرات.
كما هو الحال في كل الحروب الدولية الكبرى فإن لكل طرف من طرفي الحرب تبريراته، التي يرى وفقها أن من الواجب عليه أن يحمي نفسه ويعاقب أعداءه. الحقيقة هي أن الألم متبادل، فإذا كان من المؤثر للروس استهداف شركة رائدة وناجحة تقدم خدماتها للطبقة الوسطى والبورجوازية، فإن استهداف مناطق سكنية ومدنية، مثلما حدث مؤخرا من تدمير معرض كبير للكتاب في كييف كان مؤلما أيضا للأوكرانيين. التعقيد في هذا التطور الجديد للحروب الحديثة لا يكمن في انعدام القدرة على التصدي، حيث تعلن وزارة الدفاع الروسية عن التصدي لأعداد كبيرة من المسيرات بين يوم وآخر، وإنما يكمن في أنه حتى إن تم التصدي لمئة طائرة من بين مئة وعشرين طائرة، فإن هذه العشرين إذا أصابت هدفها، ستكون قادرة على تحقيق الرعب والارتباك الكافيين (نموذج «ويلدبيريز»).
أسباب استمرار الحرب مفهومة، حيث ندرك أنه يصعب على طرفيها التنازل أو الاعتراف بالهزيمة، كما نستطيع أن نفهم أسباب الانحياز الأوروبي الحالي لأوكرانيا. في المقابل، فإن إصرار بريطانيا على التورط بشكل مباشر، لدرجة أن تكون زيارة كييف هي الزيارة الخارجية الأولى لرئيس وزرائها، ثم الإصرار على تقديم الدعم العسكري والتصريح بارتباط أمن أوكرانيا ببريطانيا وأن هذا الدعم سوف يستمر ولن يتوقف، هو مما يصعب تفسيره، خاصة أنه يأتي في توقيت حساس تعاني فيه لندن من اضطرابات سياسية وأزمات اجتماعية واقتصادية معقدة.
كاتب سوداني
نيسان ـ نشر في 2026-10-06 الساعة 12:40
رأي: د. مدى الفاتح كاتب سوداني


