اتصل بنا
 

السابع من أكتوبر… وبداية التحول

نيسان ـ السبيل ـ نشر في 2026-10-07 الساعة 09:14

السابع من أكتوبر… وبداية التحول
نيسان ـ
د. عبد الله المشوخي

في ذكرى السابع من أكتوبر، تستوقفني مقولةُ البطل المغوار يحيى السنوار رحمه الله، حين تحدث عن مستقبل الكيان الصهيوني، ورأى أنه سيجد نفسه أمام خيارين:
إمّا أن يلتزم بالقانون الدولي، وينسحب من الأراضي المحتلة، ويفكك المستوطنات.
وإمّا أن يواصل تحدي الإرادة الدولية، بما يقوده إلى مزيد من العزلة، ويضعف قدرته على الاندماج في المنطقة والعالم.
وبعد ثلاثة أعوام من السابع من أكتوبر، يقف المتأمل أمام مشهدٍ لم يكن كثيرون يتوقعون أن تتغير ملامحه بهذه السرعة؛ فقد دخل الكيان في أزمات متلاحقة، عسكرية وسياسية ودبلوماسية وقانونية، وأصبح الحديث عن عزلته الدولية أكثر حضورًا من أي وقت مضى.
ولعل من أبرز ما يلفت النظر أن بقاء الكيان لم يكن قائمًا على قدراته الذاتية وحدها، بل ظل يعتمد بصورة كبيرة على الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي الذي تقدمه له دول حليفة.
حتى إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال صراحةً في يونيو 2026: «من دون الولايات المتحدة، لما كانت هناك إسرائيل»، في إشارة واضحة إلى حجم الاعتماد على الدعم الأمريكي.
وهنا يحضر إلى الذهن قول الله تعالى:
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾.
فالكيانات التي لا تقوم على جذور راسخة، وتبقى في حاجة دائمة إلى سند خارجي يحميها ويثبت أقدامها، تظل عرضةً لتبدل المواقف، وانقطاع بعض أسباب القوة.
ومنذ السابع من أكتوبر، بدا أن هذا الحبل الخارجي قد بدأ يتعرض للاهتزاز؛ فقد ظهرت خلافات وضغوط متزايدة مع عدد من الدول، وتزايدت الإجراءات والعقوبات المتعلقة بالمستوطنات، واتسعت دائرة الانتقاد الدولي للسياسات الإسرائيلية.
وعلى المستوى الدبلوماسي، أصبح مشهد العزلة أكثر وضوحًا؛ ففي الرابع والعشرين من سبتمبر 2026، انسحبت عشرات الوفود من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة عند بدء خطاب بنيامين نتنياهو، في مشهد عكس حجم الاعتراض الدولي على سياسات حكومته.
وعلى المستوى القضائي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولا تزال المذكرتان مدرجتين في سجلات المحكمة.
ولم تعد القضية محصورة في الحكومات والمؤسسات السياسية؛ بل امتدت تداعياتها إلى المجال الرياضي والثقافي، فظهرت انسحابات واحتجاجات ومقاطعات في بعض الفعاليات، واتسعت مشاركة فنانين ومؤسسات ثقافية في حملات تدعو إلى مقاطعة مؤسسات إسرائيلية.
أما على مستوى الرأي العام، فقد شهدت الولايات المتحدة نفسها تحولًا لافتًا؛ إذ أظهر استطلاع غالوب في فبراير 2026 أن 41% من الأمريكيين قالوا إن تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين، مقابل 36% قالوا إن تعاطفهم أكبر مع الإسرائيليين، في تحول تاريخي لهذا المؤشر مقارنة بالسنوات السابقة.
ولم يتوقف الأمر عند الخارج، بل ظهرت أصوات داخلية إسرائيلية تتحدث عن مخاطر تهدد مستقبل الدولة.
فقد طرح اللواء الإسرائيلي المتقاعد إسحاق بريك سؤالًا صريحًا حول ما إذا كانت إسرائيل ستصل إلى عامها المئة، محذرًا من أن الانقسامات الداخلية، والعزلة الدولية، وأزمة القيادة، قد تهدد استمرارها.
كما حذر زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد من خطورة المسار الذي تسير فيه الدولة، حين تحدث عن أن إسرائيل تواجه فرصة أخيرة لإنقاذ الدولة، محذرًا من أن استمرار النهج القائم قد يجعل ما يمكن إنقاذه أقل فأقل.
وهكذا، فإن السابع من أكتوبر لم يكن حدثًا عسكريًا عابرًا؛ بل كان زلزالًا سياسيًا واستراتيجيًا امتدت آثاره إلى مختلف أنحاء المنطقة.
فالمواجهة لم تبقَ محصورة في غزة، بل امتدت تداعياتها إلى لبنان والعراق واليمن وإيران، وفتحت أبوابًا جديدة للصراع، في سوريا وربما تركيا وأدخلت المنطقة في مرحلة من التحولات المتسارعة، لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.
ومن هنا، فإن مقولة السنوار رحمه الله تبدو اليوم جديرةً بالتأمل؛ فقد بدأت بعض مظاهر العزلة الدولية والسياسية والقانونية والثقافية التي حذّر منها تظهر بصورة أوضح مما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر.
أما نهاية هذا الكيان أو استمراره، فذلك أمر لا يملك أحد الجزم بتوقيته أو تفاصيله؛ وإنما هي سنن الله في الأمم، يقرؤها الإنسان في ضوء التاريخ والواقع، ويترك الغيب لله سبحانه وتعالى.
والمؤمن الذي يتدبر سورة الإسراء يقف طويلًا عند قول الله تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
إن التاريخ لا يكتب أحداثه في يوم واحد، ولكن بعض الأيام تكون مفاصل كبرى، تفصل بين مرحلتين، وتفتح أبوابًا لتحولات لا يستطيع الإنسان أن يدرك نهاياتها في لحظتها.
ولذلك سيبقى السابع من أكتوبر، بما أحدثه من تحولات وتداعيات، علامةً فارقة في تاريخ المنطقة؛ وستبقى الأيام وحدها كفيلةً بكشف ما إذا كان ما نشهده اليوم مجرد مرحلة من مراحل الصراع، أم بداية تحول تاريخي أعمق في مستقبل المنطقة.
وسيذكر التاريخ أن السابع من أكتوبر المجيد كان، في نظر من يقرؤون أحداثه بوصفها نقطة تحول، بدايةً لمرحلة جديدة في مسار الكيان الغاصب، وأن أبطال غزة العزة الذين ضحوا بأنفسهم وأموالهم وأهليهم سيبقون جزءًا من ذاكرة هذه المرحلة.
وسوف يذكر التاريخ، كذلك، أن هؤلاء الأبطال الأشاوس كانوا سببًا في إحداث تصدعٍ في صورة الكيان أمام العالم، وفي تآكل بعض أوجه الحماية والدعم التي ظل يعتمد عليها طويلًا، وفي اهتزاز ما يمكن تسميته «حبل الناس» الذي أحاط به ووقف إلى جانبه، والذي بلغ عدد الدول الداعمة له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أكثر من خمسين دولة بحسب ما يرد في بعض التقديرات.
ولعل أعظم ما تكشفه الأيام أن ما يبدو ثابتًا اليوم قد يتغير غدًا، وأن موازين القوة ليست جامدة، وأن الأمم والكيانات تمر بمراحل من الصعود والضعف، وأن دوام الحال من المحال.
في الختام، أسأل الله المنتقم الجبار أن ينتقم ممن ظلم وخذل اهلنا في غزة العزة، وأن يأخذ بحق المظلومين، وأن ينصر أهل غزة العزة، وأن يجبر كسرهم، ويربط على قلوبهم، ويثبت أقدامهم، ويحق الحق ويبطل الباطل.
اللهم انصر المستضعفين، وارحم الشهداء، واشفِ الجرحى، وفك أسر المأسورين، وأبدل خوف أهلنا أمنًا، وحزنهم فرحًا، وضعفهم قوة.
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

نيسان ـ السبيل ـ نشر في 2026-10-07 الساعة 09:14

الكلمات الأكثر بحثاً