الهروب إلى الجغرافيا
رمزي الغزوي
رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي
نيسان ـ نشر في 2026-10-07 الساعة 10:05
نيسان ـ وقتما تبدأ الأرض بالانسحاب من تحت قدميك، يمكنك أن تبحث عن موطئ جديد، أو تحاول أن تهز الأرض تحت أقدام الآخرين. ويبدو أن طهران ترتهن إلى الثانية. فالمشروع الثوري الذي مد أذرعه لعقود في خرائط المنطقة، وأنفق عليها المال والسلاح والشعارات، أخذت خرائطه تنكمش؛ بدءا من سوريا وصولا إلى اليمن. ومع كل خسارة، تتسع دائرة القلق وكأن الجغرافيا كلها مطالبة بأن تشارك النظام الإيراني كلفة مأزقه.
اليمن اليوم أكثر الخرائط سخونة وإفصاحا. خلال أسابيع اندفع الحوثيون نحو ساحل البحر وسيطروا على المخا ووصلوا إلى ميون عند فم باب المندب، ثم لم تلبث الخريطة أن سحبت من تحت أقدامهم؛ فتقدمت القوات الحكومية واستعادت مواقع رئيسية حول المضيق والساحل، فيما سيبقي القتال مفتوحا في جبهات أخرى.
باب المندب ليس بابا لليمن وحده. هو نافذة صغيرة يمر منها قلق كبير؛ سفينة تتردد في العبور، شركة تأمين ترفع كلفتها، ناقلة تغير مسارها، وبضاعة تصل متأخرة إلى إنسان لربما لا يعرف اليمن إلا من نشرة أخبار. هنا تظهر إحدى حيل القوة حين تضيق بها القوة نفسها: ليس ضروريا أن تقبض العالم من عنقه، يكفي أحيانا أن تضع إصبعك على أحد أعصابه. والمسيّرة التي لا تكلف كثيرا تستطيع أن ترسل فاتورة طويلة إلى موانئ وأسواق تبعد عنها آلاف الأميال.
لكن اليمن يكشف الوجه الآخر أيضا. الوصول إلى البحر شيء، والاحتفاظ بالشاطئ شيء آخر. ويمكن لجماعة أن تخسر أرضا وتبقى قادرة على إخافة السفن من بعيد، إلا أن القدرة على الإيذاء ليست دائما اسما آخر للقوة. أحيانا تكون آخر ما يبقى منها. وهنا يبدو المشروع الإيراني كمن يحاول تعويض ما يفقده من نفوذ بزيادة قدرته على الإزعاج؛ إذا لم يعد قادرا على ترتيب الغرفة كما يريد، فليبق الكراسي مقلوبة على الأقل.
والصورة لا تتوقف عند اليمن. سوريا التي كانت ممرا آمنا لم تعد كما كانت، ولبنان دفع أثمانا فادحة من فكرة السلاح الذي وعد بالحماية، فيما صار سؤال الدولة الناهض من تحت الركام أكثر إلحاحا. والمفارقة أن كل ذلك يحدث بينما يعيش الإيراني نفسه تحت ضغط اقتصاد مرهق وتضخم مرتفع وعملة مثقلة. كأن المشروع الذي أراد أن يكبر خارج بلاده اكتشف متأخرا أن الداخل لا يمكن تركه إلى الأبد ينتظر دوره.
تستطيع الصواريخ أن تطيل عمر الخوف، والمسيّرات أن تربك البحر، والأذرع أن تحرك حجارة فوق رقعة واسعة. وقد يؤجل القمع أسئلة الداخل زمنا. لكن التاريخ لم يعرف نظاما حصل من ترسانته على ضمان أبدي بالبقاء. فالدول لا تسقط دائما إذ فقدت آخر صاروخ، وقد تسقط إذا فقدت الفكرة التي تجعل الناس يحتملون ثمن بقائها.
ولهذا كلما رأيت ظل المشروع الإيراني يتمدد فوق بحر أو مضيق، لا أسارع إلى قياس قوته بطول ذلك الظل. الشمس تعلمنا شيئا أبسط من السياسة وأصدق منها: الظلال لا تبلغ أقصى امتدادها في الظهيرة، وإنما حين تميل الشمس نحو المغيب.
اليمن اليوم أكثر الخرائط سخونة وإفصاحا. خلال أسابيع اندفع الحوثيون نحو ساحل البحر وسيطروا على المخا ووصلوا إلى ميون عند فم باب المندب، ثم لم تلبث الخريطة أن سحبت من تحت أقدامهم؛ فتقدمت القوات الحكومية واستعادت مواقع رئيسية حول المضيق والساحل، فيما سيبقي القتال مفتوحا في جبهات أخرى.
باب المندب ليس بابا لليمن وحده. هو نافذة صغيرة يمر منها قلق كبير؛ سفينة تتردد في العبور، شركة تأمين ترفع كلفتها، ناقلة تغير مسارها، وبضاعة تصل متأخرة إلى إنسان لربما لا يعرف اليمن إلا من نشرة أخبار. هنا تظهر إحدى حيل القوة حين تضيق بها القوة نفسها: ليس ضروريا أن تقبض العالم من عنقه، يكفي أحيانا أن تضع إصبعك على أحد أعصابه. والمسيّرة التي لا تكلف كثيرا تستطيع أن ترسل فاتورة طويلة إلى موانئ وأسواق تبعد عنها آلاف الأميال.
لكن اليمن يكشف الوجه الآخر أيضا. الوصول إلى البحر شيء، والاحتفاظ بالشاطئ شيء آخر. ويمكن لجماعة أن تخسر أرضا وتبقى قادرة على إخافة السفن من بعيد، إلا أن القدرة على الإيذاء ليست دائما اسما آخر للقوة. أحيانا تكون آخر ما يبقى منها. وهنا يبدو المشروع الإيراني كمن يحاول تعويض ما يفقده من نفوذ بزيادة قدرته على الإزعاج؛ إذا لم يعد قادرا على ترتيب الغرفة كما يريد، فليبق الكراسي مقلوبة على الأقل.
والصورة لا تتوقف عند اليمن. سوريا التي كانت ممرا آمنا لم تعد كما كانت، ولبنان دفع أثمانا فادحة من فكرة السلاح الذي وعد بالحماية، فيما صار سؤال الدولة الناهض من تحت الركام أكثر إلحاحا. والمفارقة أن كل ذلك يحدث بينما يعيش الإيراني نفسه تحت ضغط اقتصاد مرهق وتضخم مرتفع وعملة مثقلة. كأن المشروع الذي أراد أن يكبر خارج بلاده اكتشف متأخرا أن الداخل لا يمكن تركه إلى الأبد ينتظر دوره.
تستطيع الصواريخ أن تطيل عمر الخوف، والمسيّرات أن تربك البحر، والأذرع أن تحرك حجارة فوق رقعة واسعة. وقد يؤجل القمع أسئلة الداخل زمنا. لكن التاريخ لم يعرف نظاما حصل من ترسانته على ضمان أبدي بالبقاء. فالدول لا تسقط دائما إذ فقدت آخر صاروخ، وقد تسقط إذا فقدت الفكرة التي تجعل الناس يحتملون ثمن بقائها.
ولهذا كلما رأيت ظل المشروع الإيراني يتمدد فوق بحر أو مضيق، لا أسارع إلى قياس قوته بطول ذلك الظل. الشمس تعلمنا شيئا أبسط من السياسة وأصدق منها: الظلال لا تبلغ أقصى امتدادها في الظهيرة، وإنما حين تميل الشمس نحو المغيب.
نيسان ـ نشر في 2026-10-07 الساعة 10:05
رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي


