اتصل بنا
 

'جسيمات تشيرنوبيل' لا تموت.. الإشعاع قاتل بعد 40 عاماً

نيسان ـ نشر في 2026-10-07 الساعة 12:51

جسيمات تشيرنوبيل لا تموت.. الإشعاع قاتل
نيسان ـ بعد أربعة عقود على كارثة تشيرنوبيل النووية عام 1986، والتي تعتبر من أخطر الكوارث عبر التاريخ، أعادت دراسة تركيز الضوء على جسيمات مجهرية شديدة الإشعاع انطلقت من المفاعل المدمر وانتشرت في البيئة المحيطة، واكتشفوا أنها تحتفظ بالمواد المشعة داخلها.
درس فريق من جامعة لايبنيز هانوفر ومركز هيلمهولتز دريسدن-روسندورف ستة جسيمات صغيرة للغاية من هذه البقايا، يتراوح حجمها بين 8 و50 ميكرومتراً فقط، لكنها لا تزال شديدة الإشعاع بعد نحو 40 عاماً من الكارثة وفق phys.
أظهرت التحاليل أن البنية البلورية للوقود النووي داخل الجسيمات التي فُحصت بقيت سليمة إلى حد كبير، وهو ما يدل على قدرة هذه البقايا على الاحتفاظ بالمواد المشعة داخلها لفترة أطول مما كان متوقعاً.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة «جورنال أوف هازاردوس ماتيريالز»، تحت عنوان «تحليل أطوار الجسيمات الساخنة المفردة من تشيرنوبيل باستخدام حيود الأشعة السينية»، ووفرت للباحثين معرفة أكثر دقة للتركيب الداخلي لهذه الجسيمات وسلوكها بعد عقود من بقائها في البيئة.
وتُعرف هذه البقايا باسم «الجسيمات الساخنة»، وهي شظايا مجهرية من الوقود النووي ومواد المفاعل قُذفت إلى البيئة خلال الانفجارات والحريق الذي أعقب تدمير المفاعل.
تختلف هذه الجسيمات في تركيبها، فبعضها بقي قريباً في خصائصه من وقود اليورانيوم الأصلي، بينما اندمج بعضها الآخر مع الزركونيوم المحيط بالوقود نتيجة درجات الحرارة الشديدة التي شهدها المفاعل.
أما نوع آخر فقد نشأ خلال احتراق الجرافيت المستخدم مهدئاً للنيوترونات داخل المفاعل، واستمر حريق الجرافيت نحو عشرة أيام، وخلاله تأكسد الوقود النووي وتكوّنت أنواع مختلفة من أكاسيد اليورانيوم، بعضها كان هشاً وقابلاً للتحول إلى جزيئات مجهرية يمكن أن تحملها الرياح إلى مناطق مختلفة.
وتكمن أهمية الدراسة الجديدة في الطريقة التي استخدمها العلماء لفحص هذه البقايا شديدة الإشعاع، فقد عزل الباحثون الجسيمات من عينات تربة أوكرانية، وثبتوها على أقطاب كهربائية من التنجستن، ثم نقلوها داخل أنظمة احتواء متعددة إلى منشأة متخصصة في غرونوبل بفرنسا لإجراء قياسات باستخدام حيود الأشعة السينية السنكروترونية.
وقام فريق الباحثين بتدوير كل جسيم داخل حزمة أشعة سينية مركزة، وقياسه من نحو 2000 زاوية مختلفة، بهدف تسجيل الانعكاسات الناتجة عن بنيته الداخلية.
ومكّنت هذه الطريقة من تحديد الأطوار المختلفة لأكاسيد اليورانيوم الموجودة في الجسيمات، بما في ذلك ثاني أكسيد اليورانيوم وأكاسيد أخرى، إلى جانب أطوار مرتبطة بالزركونيوم.
وكانت المفاجأة أن البنية البلورية للوقود النووي في الجسيمات المدروسة لم تتعرض للتدهور بالسرعة التي افترضتها بعض التقديرات السابقة.
وتشير النتائج إلى أن مواد مثل ثاني أكسيد اليورانيوم وبعض الأطوار الأخرى ظلت مستقرة نسبياً، ما يعني أن الجسيمات تستطيع الاحتفاظ بنواتج الانشطار والعناصر المشعة داخل بنيتها بدلاً من إطلاقها سريعاً إلى التربة والمياه المحيطة.
ولا يعني ذلك أن منطقة تشيرنوبيل أصبحت أكثر أماناً، أو أن المخاطر الإشعاعية تراجعت بصورة عامة، فعلى العكس، يؤكد الباحثون أن لكل جسيم خصائصه وتركيبه، وأن الدراسة شملت ستة جسيمات فقط مأخوذة من موقعين مختلفين.
لذلك لا يمكن تعميم النتائج على جميع الجسيمات المنتشرة في منطقة الحظر، ولا يمكن استخدامها وحدها لإصدار حكم شامل بشأن المخاطر الصحية في المنطقة.
ويرى الباحثون أن وجود جسيمات أكثر استقراراً قد يكون له جانب إيجابي، لأنها تحتفظ بالنويدات المشعة ونواتج الانشطار داخلها بدلاً من إطلاقها إلى البيئة بسرعة.
وفي المقابل، فإن وجود جسيمات أكثر مقاومة للتحلل يعني أيضاً أن بعض المواد المشعة قد تبقى محصورة داخل بقايا المفاعل والبيئة المحيطة لفترات طويلة للغاية.
وتكتسب النتائج أهمية إضافية لأنها تساعد العلماء على فهم الطريقة التي تتغير بها بقايا الوقود النووي في البيئة على مدى عقود، وهو أمر مهم ليس فقط في تشيرنوبيل، بل أيضاً عند تقييم آثار الحوادث النووية وإدارة المواقع الملوثة والتنبؤ بحركة المواد المشعة في التربة والمياه.
يخطط الباحثون لمواصلة دراسة الجسيمات عالية الإشعاع، بما في ذلك الأطوار الانتقالية للعناصر الثقيلة الموجودة في بقايا الكارثة. أما منطقة الحظر حول تشيرنوبيل، فلا تشير النتائج الجديدة إلى إمكانية رفع القيود عنها قريباً، لكنها تقدم للعلماء أداة جديدة لفهم الإرث الإشعاعي لأحد أخطر الحوادث النووية في التاريخ.

نيسان ـ نشر في 2026-10-07 الساعة 12:51

الكلمات الأكثر بحثاً