اتصل بنا
 

استشارية الطب النفسي سماح جبر: غالبية المجتمع الفلسطيني تتألم في صمت

نيسان ـ نشر في 2026-10-07 الساعة 12:57

استشارية الطب النفسي سماح جبر: غالبية
نيسان ـ

تشدد استشارية الطب النفسي الدكتورة سماح جبر على أن الضفة الغربية أصبحت، بعد السابع من تشرين الأول / أكتوبر عام 2023، ترزح تحت ثالوث التهديد الوجودي والعجز والفرقة.
وترى جبر، في حوار مطول في الذكرى الثالثة لحرب الإبادة على قطاع غزة، أن ذلك الواقع ترتبت عليه تداعيات، أبرزها الانعزال عن الشأن العام، والبحث عن الخلاص الفردي.
وشددت على أنه، في ظل غياب العمل المجتمعي الذي يفضي إلى الخلاص الجماعي، أصبح الجميع يبحثون عن خلاصهم الفردي.
ورأت أن ذلك جاء نتيجة إدراك المواطنين أن التعبير العام عن ألمهم ووجعهم ومشاعرهم مسألة غير متاحة، وبالتالي ترتب على ذلك ظهور تعبيرات ومظاهر مرضية.
ورأت جبر أن المواطنين في الضفة يتألمون بشكل كبير جداً مما يحدث في غزة، لكن المفارقة أن التعبير عن الألم يأتي بشكل شخصي، وبشكل مرضي أحياناً.
وحذرت، فيما يشبه الصرخة، من أنه في حال غابت الفاعلية الجمعية عن الإنسان، فإنه سيقوم «بابتلاع قهره» في داخله.
ومُنحت المفكرة جبر، قبل أشهر قليلة، من «جامعة بيرجن» النرويجية، درجة الدكتوراه الفخرية، وذلك ضمن قائمة حصرية ضمت عشر شخصيات عالمية ملهمة، لدورها في تطوير الصحة النفسية المناهضة للاستعمار، ونجاحها في توثيق الآثار النفسية العميقة الناتجة عن العنف السياسي والاحتلال.


ورأت جبر أن العلاجات الجمعية هي الأكثر مناسبة للسياق الفلسطيني، وتحديداً في ظل استحالة «وضع كل شخص يعاني ويتوجع على كرسي العلاج الفردي»، وفيما يلي نص الحوار:

■ ما أبرز التحولات التي يعيشها المجتمع الفلسطيني (شخصية الفلسطيني في الضفة على وجه خاص)، وتحديداً بعد ثلاثة أعوام على السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023؟

هناك حالة تهديد وجودي نعيشها في الضفة الغربية، وهي حالة يتعرض لها الكل الفلسطيني، يرافق ذلك، ثانياً، حالة عجز كبيرة، وثالثاً، حالة من الشعور بالفرقة.
والملاحظ أن هذه الحالات العامة التي تصيب المجتمع تحضر في العيادة النفسية كخلفية عامة للمعاناة الشخصية لدى الفرد.
مثلاً، حضر إلى عيادتي خلال الفترة الماضية أشخاص من الذين هُجّروا من المخيمات في طولكرم وجنين، وطبعاً هُجّروا إلى القرى المجاورة أو إلى أحياء في المدن الأخرى، وعانوا من حالة كبيرة من ضيق العيش، وشعروا أنهم تُركوا وحدهم وأن المجتمع غير مهتم بهم، كما شعروا أن الأقارب تثاقلوا منهم، وبالتالي نشأت لديهم حالة من الاكتئاب والقلق.

‮«‬في‭ ‬بداية‭ ‬الإبادة‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬قامت‭ ‬بعض‭ ‬المظاهرات‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬وقتل‭ ‬بعض‭ ‬المتظاهرين‭ … ‬هنا‭ ‬أدرك‭ ‬المواطن‭ ‬أن‭ ‬التعبير‭ ‬العام‭ ‬عن‭ ‬ألمه‭ ‬غير‭ ‬متاح‮»‬

هؤلاء يحضرون إلى العيادة من أجل الاكتئاب مثلاً، لكن في الخلفية العامة هناك الشعور بالعجز والفرقة والتهديد الوجودي.
وما يعزز ذلك أن الناس باتوا يدركون أن من يضحي ويعاني من المجتمع الفلسطيني، لن تتوفر له حاضنة اجتماعية وقاعدة مجتمعية توفر له الدعم والاستيعاب. هذا الشعور تحديداً يسود في الضفة اليوم.

ثالوث خطر

■ إذاً، نحن إزاء ثالوث التهديد الوجودي والعجز والفرقة، والنقطة الأخيرة أضعها في خانة تراجع الرأسمال الاجتماعي عند الفلسطينيين، كيف يمكن أن يتجلى ذلك في المجتمع في لحظة الإبادة والتهديد الوجودي؟

أولاً: هناك ألم نفسي كبير، وشعور عالٍ بالضغط، وألم نفسي أكبر مما كنا نراه من قبل، وكذلك حالة من التركيز على الاحتياجات الشخصية، أي البحث عن نجاة شخصية، يقابل ذلك الانعزال عن المجتمع.
فمثلاً، عندما يدرك الأفراد في المجتمع أن من يُعاقب بالسجن أو يُهدم بيته… إلخ من العقوبات، لن يجد من يسأل عنه أو يهتم لأمره، فإن ذلك يجعل الإنسان يحسب كل خطوة تتضمن تعبيراً عن التضامن مع الآخرين. لقد صارت العائلات تتحسب بشكل مضاعف من فكرة انخراط أولادها في أي مساهمة سياسية أو تعبير عن التضامن… هذا يجعل أفراد المجتمع يسعون إلى النجاة الذاتية، في ظل عدم وجود عمل مجتمعي يدفع نحو الخلاص الجماعي.

■ الفردانية تزداد، والمشكلة هنا ليست في الفردانية، بل في كونها تنتشر في ذروة حاجتنا إلى فعل جمعي وإلى «نحن» من أجل بناء حالة صمود.

وهذا يدفعني إلى الحديث عن حكاية شباب كثر يبحثون عن خلاص فردي من خلال الهجرة، مثل الأطباء الذين يتخرجون في الجامعات بعد أن باعت عائلاتهم أعز ما تملك من أجل تعليمهم، حيث لم يجدوا إلا فرصاً هزيلة جداً للعمل، وبالتالي يصبحون مستعدين لعمل أي شيء من أجل الهجرة.
هنا علينا النظر إلى ذلك مع ملمحين مهمين جداً في الضفة. أولاً: تدهور القطاعات الحكومية التي كانت، في العادة، شعلة في الفاعلية، مثل مؤسسات التعليم التي تعاني من فاقد تعليمي كبير، وكذلك القطاع الصحي الذي تسوده حالة إضراب منذ سنوات.
ما يحدث يجعلك تدرك مدى التقهقر في توفير احتياجات العيش ومدى توفر طرق النجاة للمواطن الفلسطيني.

‮«‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬لدينا‭ ‬مجال‭ ‬للذكريات‭ ‬لأن‭ ‬الواقع‭ ‬اليوم‭ ‬يغمرنا،‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬جديد‭ ‬له‭ ‬أحداثه‭ ‬الغامرة‮»‬

كل ذلك يجعل المواطن الفلسطيني ينغلق على نفسه وينأى بنفسه عن الحالة العامة المنشودة من الصمود، فكيف يمكن أن يعطي مواطن لمجتمع هو، في الحقيقة، لا يعطيه ولا يمنحه أبسط الاحتياجات؟

■ فكرة الحديث معك كانت، بالأساس، مرتبطة بمحاولة تفسير ما يحدث عند جزء من مجتمع «يراقب» جزءاً آخر منه وهو يعيش الإبادة والمجاعة… إنها حالة عجز كبيرة، وبالتالي من المهم معرفة ما يحدث لهذا المجتمع؟

بتقديري أن هناك من يتألمون، وبشكل كبير، مما يحدث من تجويع وإبادة وقتل يومي في غزة وغيرها من المناطق. هناك ألم كبير، لكن يُعبَّر عنه بشكل شخصي وبشكل مرضي أحياناً، بسبب غياب الفعل الجمعي.
في بداية الإبادة في غزة، نُظمت بعض المظاهرات في الضفة الغربية، وأدت إلى مقتل بعض المتظاهرين، نعرف أربعة أشخاص على الأقل، ثم تبعتها بوتيرة سريعة هجمة على المخيمات لم تبدأ من الإسرائيلي فقط. هنا أدرك المواطن أن التعبير العام عن ألمه غير متاح، فصار هناك تعبير خاص وفردي ومرضي أحياناً.


مثلاً، أنا رأيت في عيادتي الكثير من صغار السن في ظل التجويع في غزة، كانوا لا يأكلون بطريقة مرضية، وغير مدركين لذلك، وهذه ليست من حالات اضطرابات الطعام المعتادة. كانت حالة مرضية. مثلاً: حالة طفلة (11 عاماً) كانت تفقد صوابها إذا جاء والدها بلحم أو مكسرات أو شوكولاتة أو غيرها، وبدأت تجمع معلبات طعام وقناني مياه تحت سريرها؛ لاعتقادها أن من لم يوقف التجويع في غزة لن يستطيع وقف التجويع في الضفة إذا وقعت حالة تجويع.
الملاحظ أن الناس أصبحوا يعيشون هذا الألم بشكل فرداني وبشكل مَرضي أحياناً، بفعل غياب مساحة للفعل والتعبير الجمعي عن هذا الألم.
فنحن نعيش تحت طبقات عديدة من القمع في المجتمع الفلسطيني: قمع التعبير عن الرأي، وقمع التعبير عن الفعل، وأيضاً حالة من غسل الدماغ والتحريض علينا وفق منطق العدو.
أنا أعتقد أن الغالبية الساحقة من المجتمع لا تزال تتألم بصمت مما نعيشه اليوم، والسؤال: من الذي يستطيع أن يعلي صوته؟ إذ تُقمع عملية التعبير عن أصوات الألم والتعاطف، وفي المقابل تنتشر أصوات تردد الهزيمة وتحمّل الضحية النتيجة، لكنها، مع ذلك، تبقى أصواتاً استثنائية تستدخل منطق القوة على الفلسطيني، إذ يُسمح لها بالتعبير، أما الأصوات المقابلة فتعيش ألمها بصمت.
هؤلاء يبوحون عندما يأتون إلى العيادة، مثل الشاب الذي يريد الهجرة، والفتاة التي لم تعد تستطيع الأكل بعد مشاهدة التجويع، والمسن الذي يحترق قلبه ويموت عندما يرى المستوطنين يحرقون أرضه وشجرة زيتونه… إلخ. هناك الكثير من الألم المكبوت يقابله مزيد من التبجح المسموح به.

الإنسان يبتلع قهره

■ هذا يأخذني إلى كلمة الفاعلية التي تستخدمينها بكثرة، الفاعلية المجتمعية، الفاعلية الجماعية، ماذا يحدث لنا في ظل غياب الفاعلية؟

وفي غياب الفاعلية، فإن الإنسان يبتلع قهره.
قبل أيام حدثني أحدهم عن مسن ظهرت عليه علامات الاكتئاب لأن المستوطنين يقتربون أكثر فأكثر من أرضه. لقد بدأ هذا المسن بالتوقف عن الأكل والكلام وحتى النوم. أخذته عائلته إلى المستشفى، لكن تبين بعد الفحص سلامته الجسدية، وشُخّص بأنه يعاني من حالة اكتئاب، وأُحيل إلى عيادتي، وكان من المفترض أن ألتقي به اليوم، لكن يوم أمس أُعلن عن وفاته… (تصمت) أعتقد أنه توفي من القهر، ومات كمداً.
تحدث أشياء كثيرة في المجتمع، مثل الموت المفاجئ، والموت بين الشباب، والجلطات، ومشاكل القلب، ومشاكل الدورة الدموية… إلخ، وهذه الأمراض مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحالة النفسية. والأكيد أن ما لا نعبر عنه نفسياً وكلامياً، ونفتقد فيه إلى الفاعلية بشكل عام، ينعكس على الناس في شكل أمراض جسدية، فالمرض الجسدي مسموح له أن يظهر. الفعل طاقة يُعبَّر عنها خارج الجسد، وفي حال لم يُعبَّر عنها خارج الجسد وفي المجال العام، فإنها تصبح ثقلاً على النفس وعلى الجسد أيضاً.

■ لديك وجهة نظر عن الألم في هذا السياق؟
الألم الجسدي يدل على مرض في عضو ما، فيذهب المريض إلى المستشفى للفحص. الألم النفسي يدلنا على أن هناك شيئاً ما في محيطنا ليس على ما يرام، ويجب تغييره، وعندما نعجز عن تغيير الأمور الضارة من حولنا، فإننا نعيش في دائرة الألم النفسي. وفي حالتنا، الكثير من الناس يعيشون في هذه الدائرة، إذ إن بيئتنا المجتمعية متأثرة كثيراً بالعنف السياسي.

‮«‬عندما‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يتشبث‭ ‬بجذع‭ ‬الزيتون‭ ‬الثخين‭ ‬في‭ ‬أرضه‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬الاستيلاء‭ ‬عليها‭ ‬فإنه‭ ‬يتشبث‭ ‬بالرموز‮»‬

هنا أنا ضد تسمية هذا الألم بأسماء مرضية مثل اكتئاب أو قلق… إلخ، فهو، في جزء كبير منه، ألم نفسي مفهوم ومبرر وليس مرضاً، لكن، للأسف، هذا الألم سيستمر، وقصة المسن الذي مات كمداً، كما ذكرت سابقاً، دليل على ذلك. لقد مات من الألم النفسي وليس من مرض نفسي.

■ هل يمكن لاستمرار الألم النفسي أن يترك أثره وصولاً إلى المرض النفسي؟

هذا ما نسمعه عادة من الأطباء. عندما لا تقدم الأدوات التشخيصية التي نرثها من العلم النفسي الغربي خانة تعكس حالة المسن المتألم على أشجار الزيتون النفسية، تحت تصنيف معين، عندها نصفه بأنه يعاني من اكتئاب أو من صدمة.
هنا نحن نسقط التصنيفات عليه، لكن ألمه يدلنا على وجود ألم نفسي يأتي بنا إلى موضوع كبير جداً لم نتطرق إليه. إنها تصنيفات الأمراض النفسية التي صُنعت في سياقات المشاكل الذاتية، أو لها علاقة بالنشأة التربوية أو بالحالة البيولوجية. أما نحن، فلدينا الكثير من الألم النفسي القادم من الصعوبات الموجودة في المجتمع الفلسطيني: الحرمان، والاضطهاد، والعنف السياسي، واستلاب الأرض والأحبة وسنوات العمر في السجن. هذا يجلب ألماً نفسياً شديداً لا تعبّر عنه التشخيصات الغربية، وعندها نضطر إلى استعارة لغة لا تشبه مفرداتنا في التعبير عن تجربتنا الخاصة، وهذه أيضاً مشكلة كبيرة.

■ هناك مقولة لك مفادها «كي نشفى من صدماتنا النفسية، يجب أن ينتهي العنف الاستعماري في فلسطين»، إنها جملة مفتاحية، لكن يبدو أن المسار طويل وصولاً إلى هذه النهاية، وبالتالي كيف نستمر من دون أن نفقد إنسانيتنا أملاً في الاستمرار في حالة النضال؟

أي إنسان في أي مكان في العالم يحتاج إلى معنى وهدف لحياته حتى يبقى سوياً. هنا لا بد من القول إن الصحة النفسية لا تقاس بمدى سعادتك، بل تقاس بأسئلة مثل: هل هناك جدوى ومعنى وهدف لحياتك؟ هل يوجد انتماء في حياتك؟ والمؤكد أن عدم المقدرة على الفعل يهدد هذه الأمور، وطالما أن الناس تستطيع إيجاد جدوى لحياتها ومعنى وهدف لها، فإن هذا جزء من حفاظها على المقدرة على الفعل.
هذا يحدث في ظل ظروف استثنائية، وتحت عنف استعماري، لكن كل ذلك لم يضعنا في خانة العجز تماماً، ولم نفقد الأمل والحيلة، ونحن كشعب محترفون في الطرق الالتفافية، فقد نستطيع أن نلتف على الفعل المقاوم المباشر بأفعال رمزية تحافظ على صمود المجتمع.
لكن عندما يصبح كل شيء غير متاح، وعندما يسقط كل شيء، نستيقظ على صدمة وجودية كبيرة لمعنى حياتنا. فالظرف قاهر جداً، وكل المحرومين من الفعل، مثل الشباب العاطلين عن العمل، وكل المواطنين الذين لا يستطيعون التعبير عن رأيهم ويشعرون بعدم الانتماء إلى الصوت السائد الموجود في المجتمع، كل هؤلاء يعانون.
ومن أجل البقاء، أجد أن المساحات الجمعية يمكنها أن تلعب دوراً في تعزيز الانتماء لمن اهتز لديه الشعور بالانتماء، وتتيح المجموعة مقدرة على الفعل للإنسان الذي يعجز عن الفعل بشكل فرداني. العمل الجمعي-المجموعاتي يتيح المقدرة على الفعل، وفي المجموعة تُقدَّم المساعدة لمن هم أقل مقدرة على الفعل.
أعطيك مثالاً، أعمل في مجموعة لدعم النساء في مدينة نابلس، وتضم النساء اللواتي يعانين من ظروف صعبة. أجد أن المرأة، قبل الانخراط في مجموعة، كانت تشعر بالعزلة، وأنه ليس هناك من يستمع إليها، لكن عندما تتحدث عن قصتها وتتلقى تضامناً وحسن استماع ومقترحات نافعة، فإنها تستمر في المجموعة وتكون قادرة على الاستماع إلى الآخرين، وتصبح فاعلة في تقديم التضامن والتعاطف مع الآخرين. هذا يحررها من حالة الاعتماد فقط على المعالج الفردي، كما أنه يعيد إليها مقدرتها على الفعل والانتماء من خلال المجموعة.
هنا أرى أن كثيراً من العلاجات الجمعية مناسبة للسياق الفلسطيني الحالي، خصوصاً أننا لا نستطيع أن نضع كل شخص يعاني ويتوجع على كرسي العلاج الفردي، لأن العلاج الفردي مصمم أكثر للتعامل مع المشاكل ذات المنشأ الفردي، والتي قد تكون مرضية وتحيط بها الكثير من الخصوصية، لكن المجموعات تتعامل مع حالات مشتركة في الوجع، وبالتالي يُعبَّر عن الوجع المشترك بشكل جماعي.

الصدمات

■ تستخدمين ثلاثة مصطلحات لوصف الحالة الفلسطينية، مثل: «صدمة غامرة»، و»صدمة غير منتهية»، و»صدمة كولونيالية مزمنة»؛ فأيها الأنسب في التعبير عن الحالة الراهنة؟

لقد وجدت أن أكثر ما يعبر عن الصدمة في فلسطين هو مصطلح «الصدمة الكولونيالية التاريخية»، التي من صفاتها أنها طويلة الأمد، وأنها عابرة للأجيال وتمس الأجيال في الوقت نفسه، بمعنى أنها متزامنة عبر الأجيال في الوقت نفسه، كما أنها تعبر من جيل إلى آخر، وهي متراكمة وغامرة، تغمر جميع أنحاء حياتنا.
أهم صفة في الصدمة الكولونيالية أنها مقصودة ومتعمدة وذات هدف، فصدمة حادث السيارة حدث غير مقصود وله لحظة انتهاء، أي له بداية واضحة ونهاية واضحة، أما الصدمة الكولونيالية فهي مسألة مختلفة، وبالتالي لا تُعالج بالطريقة نفسها التي تُعالج بها الصدمة من حادث سير، أو صدمة جندي أمريكي قتل المئات، وعندما عاد إلى وطنه بدأت تتشكل لديه ذكريات من الحادث الصادم. نحن لا يوجد لدينا مجال للذكريات لأن الواقع اليوم يغمرنا، وكل يوم جديد له أحداثه الغامرة. مفهوم الصدمة الذي يتحدث عنه الغرب غير مناسب لفهم تجربتنا.
هنا أيضاً تركزين على الوكالة الشخصية للإنسان، وهي مكون مهم للفاعلية، ويبدو أن كل ما يجري من سياسات الاحتلال يهدف إلى تحطيم هذه الوكالة… كيف نستعيدها أو نحافظ على ما تبقى منها؟
جواب هذا السؤال استكمال للحديث عن الصدمة الكولونيالية التي قلنا إنها مقصودة ومتعمدة، وهدفها إلغاء فاعليتنا ووكالتنا الشخصية، وإلغاء الاختيارات لدينا. الوكالة تعني مقدرتنا على الاختيار، ومقدرتنا على المبادأة بالفعل، ومقدرتنا على الفاعلية، سواء لأنفسنا أو لمحيطنا.
والأكيد أن هذه المقدرة-الوكالة تتقلص بفعل الاستبداد والعنف والتهديد القائم. وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام عن التغيير يتضمن أنه في حال عدم استطاعتك التغيير بيدك، فإن المحاولة تكون باللسان، وفي حال لم نتمكن من ذلك، فتكون عبر القلب، وذلك أضعف الإيمان كما جاء في الحديث. من هنا أرى أننا نذهب أحياناً إلى القصائد والخيال الإيجابي في غياب المقدرة الحقيقية على الفعل، ولعل ما أُنتج من فن فلسطيني وأدب في السنوات الثلاث الأخيرة ينبئ عن عدم مقدرتنا على الفعل على أرض الواقع. من أجل ذلك، غنى الناس بشكل كبير، وعندما لا يستطيع الإنسان أن يتشبث بجذع الزيتون الثخين في أرضه التي استُولي عليها، فإنه يتشبث بالرموز، من علم وطائرة ورقية وألوان… الرموز والخيال مسألة مهمة عندما يكون التصريح عن الذات والمقدرة على الفعل خطرين، وبالرغم من أن هذه الأمور لا تغير الواقع، فإنها تحفظ النفس مؤقتاً وتحافظ على النفس البشرية، وتحافظ علينا من غسل الدماغ ومن تذويت الشعور بالدونية.
إنها تمنعنا من الدخول في حالة مرضية، مثل الإعجاب بالمضطهِد، وتبني شعاراته وأقواله ومنطق القوة الذي يقوم عليه.
مشهدنا اليوم يخبرنا أن قلة قليلة من الفلسطينيين منخرطة بالفعل الذي يحدث تغييراً، وفئة أوسع تختبئ وراء الكلام والخيال والرموز، وللأسف، هناك فئة ثالثة انخرطت في عملية غسل الدماغ وتبنّت وجهة نظر المعتدي والشعور بالدونية والإعجاب بالآخر.
وهذه الفئة تفسر لنا سبب وجود عملاء وميليشيات الخط الأصفر في غزة، وسبب وجود منتقدين للفلسطينيين ووجود مدافعين عن منطق القوة (الاحتلال). هذا أمر يوجعنا ونحن لا نتحدث عنه، لكنه موجود، وهو من تداعيات الصدمة الكولونيالية.

الصرخة

■ كمفكرة وعاملة في الحقل النفسي ومتابعة للحالة الفلسطينية، حتماً هناك رسالة ما أو صرخة لك؟

في كثير من المرات التي نتحدث فيها عن العلاج النفسي للفلسطينيين، نتحدث عن أفراد يعانون ويحتاجون إلى المساعدة للتخلص من أعراضهم الذاتية، لكننا لا نعاني فقط كأفراد، إنما نعاني في علاقاتنا بعضنا ببعض. هنا أقول إنه لا توجد تدخلات فاعلة تحمي العلاقات، وتحديداً من الذين يستدخلون الشعور بالدونية. هؤلاء يصبحون «جنوداً» يعملون لصالح القوة الغاشمة والاحتلالية، هم أناس مرضى، لقد مرضت علاقاتهم مع المجتمع الفلسطيني. هنا أرى أن العلاج الجمعي الذي تحدثنا عنه هو علاج يستهدف تحسين العلاقات بين أفراد المجتمع الفلسطيني.
عندما نرى الأطفال يتصارعون على طابور الطعام، نراهم في العلاج الجماعي متعاونين لصنع طائرة ورقية سوياً. وبالتالي، علينا أن نحاول إصلاح العلاقات الجماعية، ويجب أن نجتهد، وخصوصاً العاملين في الصحة النفسية، في كيفية تحسين علاقة الفلسطيني بالفلسطيني، فنحن نُضرب في هذه العلاقة، وهي جزء من الصدمة الكولونيالية.
فالصدمة الكولونيالية لا تنتج فقط عدداً هائلاً من الأشخاص المصابين في أجسامهم ولديهم أعراض مرضية فردية يعانون منها، مثل صعوبة النوم والقلق وتسارع ضربات القلب، إنها تنتج أيضاً فلسطينياً كارهاً للفلسطيني، وفلسطينياً يغار من الفلسطيني، وفلسطينياً ينافس الفلسطيني بشراسة. وهذا ما أجتهد في العمل عليه، في محاولة لسد هذه الفجوة، وهي دعوة لعلاج علاقة الفلسطيني بالفلسطيني، ومن ضمنهم الإعلامي أيضاً، الذي يُطلب منه أن يعمل على إصلاح النسيج المجتمعي الآخذ في التمزق جراء سطوة الاضطهاد.


“القدس العربي”

نيسان ـ نشر في 2026-10-07 الساعة 12:57

الكلمات الأكثر بحثاً