اتصل بنا
 

نحو مقاربة أردنية جديدة تجاه إسرائيل

وزير الخارجية الأسبق العضو المؤسس في التحالف المدني (حزب تحت التأسيس)

نيسان ـ نشر في 2026-10-09 الساعة 04:16

نيسان ـ هل بدأت تتبلور مقاربة أردنية جديدة تجاه إسرائيل، تتجاوز إدارة الصراع إلى العمل على حله؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه خطاب الملك عبدالله الثاني الأخير أمام الأمم المتحدة. فالخطاب لا يكفي وحده للجزم بأن سياسة رسمية جديدة قد اعتُمدت، لكنه يتضمن إشارات تستحق القراءة، خصوصا في ضوء الخطر الذي تشكله سياسات الضم والتهجير على الفلسطينيين وعلى الأردن أيضا.
ثلاث رسائل في الخطاب قد تشير إلى ملامح هذه المقاربة، الأولى أن ما يجري في الضفة الغربية، من عنف المستوطنين ودعم الحكومة الإسرائيلية لهم، لا يمكن اختزاله في تصعيد عابر. فقد وصف الملك هذه الممارسات باعتبارها ترحيلا قسريا وضما فعليا للأرض، وربط غياب السلام بعدم وجود حكومة إسرائيلية مستعدة لقبوله، لا بغياب شريك عربي. أهمية هذا التشخيص أنه يضع المشكلة في طبيعة السياسة الإسرائيلية، لا في تفاصيل يمكن احتواؤها بإجراءات مؤقتة.
الرسالة الثانية هي التشكيك في الرهان على أن رفض القيادة الإسرائيلية الحالية للدولة الفلسطينية موقف قابل للتغيير، بينما يجري تكريسه على الأرض.. ويمكن قراءة ذلك بوصفه ابتعادا عن الاعتقاد بأن المشكلة تختصر في شخص نتنياهو، وأن رحيله كفيل بإعادة فتح الطريق إلى تسوية. لا يعني هذا الحكم على المجتمع الإسرائيلي بأكمله، لكنه يطرح سؤالا حول جدوى انتظار حكومة أكثر مرونة، فيما تتآكل شروط قيام الدولة الفلسطينية.
أما الرسالة الثالثة، والأهم في رأيي، فهي أن العالم اكتفى بإدارة الصراع بدلا من حله، وأن تقاعسه لا يعود إلى غياب الأدوات. فالخطاب أشار إلى العقوبات وتجميد الأصول وفرض الحظر والعزل الدبلوماسي، وهي أدوات استُخدمت في قضايا أخرى. الإشارة إليها في الحالة الإسرائيلية تفتح نقاشا حول الانتقال من التأييد اللفظي للحقوق الفلسطينية إلى ضغط فعلي يجعل تجاهلها مكلفا.
تعكس رسائل الملك الأردني ملامح مقاربة أردنية آخذة في التبلور، قوامها الانتقال من إدارة الصراع إلى العمل على حله.. ويمنحها بدء استخدام أدوات ضغط أوروبية سياقا عمليا يمكن البناء عليه مع شركاء عرب ودوليين
إذا جُمعت هذه الرسائل، أمكن قراءة الخطاب بوصفه مؤشرا إلى مقاربة سياسية آخذة في التبلور: لا يكفي احتواء تداعيات السياسة الإسرائيلية ما دامت هذه السياسة تخلق وقائع يصعب التراجع عنها. لكن بين هذا التشخيص واعتماد نهج رسمي مسافة لا يختصرها خطاب، مهما كان واضحا. ويبقى السؤال إن كانت الدولة الأردنية ستترجم هذه الإشارات إلى سياسة وأدوات عمل، أم ستظل تعبيرا عن غضب مشروع وموقف أخلاقي مبدأي إزاء ما يجري.
هنا تبرز العقوبات بوصفها أحد مسارات الضغط التي تستحق البحث. والسؤال المشروع هو: هل يستطيع الأردن تحمل كلفة المشاركة في هذا المسار؟ في المقابل، ما كلفة الاستمرار في إدارة الأزمة إذا أفضى الضم والتهجير إلى تصفية القضية الفلسطينية على حساب الفلسطينيين والأردن؟ ينبغي أن تقوم أي مراجعة للسياسة على موازنة هاتين الكلفتين، لا على افتراض أن الإبقاء على الوضع القائم أقل مخاطرة بالضرورة. ولا يستطيع الأردن خوض هذا المسار وحده. لذلك فإن جدواه ترتبط بجهد عربي ودولي أوسع. وقد بدأت خطوات أغلبها أوروبية في هذا الاتجاه، من بينها عقوبات على مستوطنين متطرفين، إضافة إلى قيود على التعامل مع المستوطنات والأنشطة المرتبطة بها من بضائع وخدمات. من هذه الدول بلجيكا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وأيرلندا والمجر وإسبانيا والسويد، إلى جانب إجراءات اتخذتها بريطانيا والنرويج وآيسلندا وكندا. ورغم اختلاف نطاق هذه الإجراءات، فإنها تمثل بداية انتقال من الإدانة إلى استخدام أدوات ضغط عملية. فهل تكون نواة لجهد دولي أوسع يشارك فيه الأردن، ويواجه سياسات الضم والتهجير؟
وفي الخطاب أيضا تأكيد على حماية الأردن للمسيحية، مجتمعاتها وإرثها، في موطنها التاريخي، وعلى المساواة في الحقوق بين الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين. هذه رسالة تستند إلى رصيد أخلاقي مهم، وتواجه قراءات خاطئة للدين تتجاهل حقوق الفلسطينيين، بمن فيهم مسيحيو الأرض التي ولدت فيها المسيحية. وهي تستند إلى رصيد اخلاقي يمكن البناء عليه لتعزيز التأييد الدولي لهذه الحقوق وإسناد الجهود السياسية لحمايتها.
في تقديري، تعكس هذه الرسائل ملامح مقاربة أردنية آخذة في التبلور، قوامها الانتقال من إدارة الصراع إلى العمل على حله. ويمنحها بدء استخدام أدوات ضغط أوروبية سياقا عمليا يمكن البناء عليه مع شركاء عرب ودوليين. بهذا المعنى يمكن قراءة الخطاب الملكي بوصفه إشارة إلى اتجاه جديد يفتح المجال لجهد دولي جماعي اكثر تأثيرا.

نيسان ـ نشر في 2026-10-09 الساعة 04:16


رأي: مروان المعشر وزير الخارجية الأسبق العضو المؤسس في التحالف المدني (حزب تحت التأسيس)

الكلمات الأكثر بحثاً