اتصل بنا
 

دم على وسادة الغفلة… ماذا فعلتم بفلسطين؟

كاتبة جزائرية

نيسان ـ نشر في 2026-10-13 الساعة 20:23

نيسان ـ أطبقتُ دفتري، وحلفتُ بكلّ ما قطعتُ من عزائمَ وأقسامٍ أنّ الحروفَ لن تُخطَّ مرّةً أُخرى، ورغم عهودي ألّا أرجع، ورغم جفافِ قلمي وهجرِ أوراقي، ورغم صمتِ حبري ودفنِ حروفي، فقد عُدتُ، عدت إلى الورقة التي أغلقتها، إلى القلم الذي أطفأته، إلى القوافي المحمومة التي تنزف من ذاتي، عدت إلى الحرف الذي دفنته فصار قيودًا من العتم ينهش قلبي وكلّ عضو في بركان، فامتدّت القيود نفسها من قلبي إلى ما هو أوسع، قيودًا من العتم يجلدن عرى الأوطان الحزينة التي في ثراها دفينة، وكلّ ما حولهم بؤس و أحزان، و من بابها الأعمى ومن ذِمارها المُوحِش البليد الذي تثاءب فيه الطلل، كانت تطل كأشباح في بيت قديم، وتَشُدَّ خوفا على حدودها بعقد من التَّمائِمِ، و هناك على التل البعيد جو يملأه النعيب، ذاك الوطن النائي الذي يخبأ الأدغال تحت جلده، هناك في الركن البعيد مَلْحَمَة تستعير ويشب ضرامها بلا أسلحَةْ، وفي كل درب وكل دار و في كل جمجمة مذبحة. هناك في الدرب البعيد تسكب عروس المدائن الدمع أمام أوطان مهشمة منخوبة، حاولتْ أن تُثنيَ على الخناجر، وأن تستعيرَ نبرةَ مُغنٍّ وشاعر، وأن تمنحَ الجلّادَ شيئًا من الشكر والثناء، غير أنّ لسانَها المبتور، وصوتَها المذبوح، غدر بها في محنتها العظيمة، فلم تقدرْ أن تُحرّرَ صوتَها من قيده وأن تصرخ، وحين خذلتها بقايا العبارات والدموع، مدت أصابعها العجاف و حاولتْ أن ترفعَ كفَّها متوسلةً إلى حشود العروبة، لكنّ ذراعَها كانت مقطوعة، وأنفَها جدوع، فأعادتْ رأسَها إلى الصدر المحطّم الجريح وألقتْ عروسُ المدائن بصرها إلى التراب، لم تستطعْ أن ترفع رأسها بعد أن خذلها الجميع، نظرتْ إلى هذا العالم القبيح نظرةَ وداعٍ مُرّة، عالمٍ ملأته الخناجر، وغطّاه الصمت ثم أطلقتْ روحَها مُنقذةً إياها من تلوّث الكلاب.
ما الذي يحدث لهذه الأرض التي كلما رفعت رأسها من تحت الركام، صارت امرأةٌ تُخبّئُ في ضفائرها الرملَ والدمَ معًا، وتبتسمُ للعابرين كي لا يخافوا، ثم تعيد إلى سماءها حجارة، وتعيد إلى أطفالها أسماءً لا تشبه أسماءهم، وموتًا لا يعرف من أعمارهم سوى أنهم لم يبلغوا بعدُ ما يكفي من الحلم؟ ما الذي يحدث لفلسطين، حتى صارت تُشيَّع كل صباح في نشرات الأخبار، بينما نعود إلى موائدنا كأننا لم نرَ جنازةً، ولم نسمع نحيبًا، ولم تمرّ أمام أعيننا بلادٌ كاملة وهي تعانق سكين القصاب، و نتقن ترتيب مقاعدنا، ونضبط ربطة أَعْنَاقنا، ونبحث عن عبارةٍ مهذّبة تليق بموتٍ لا نريد أن نسمّيه باسمه؟
ما الذي يحدثُ للأوطانِ حين تُصبحُ فلسطين خبرًا عابرًا بين نشرةِ طقسٍ ونتائجِ مباراة؟ ما الذي يحدثُ للحزنِ حين يُصبحُ عادةً صباحيةً نتجرّعها مع القهوة ثم نمضي إلى أعمالنا كأنّ شيئًا لم يكن؟ ما الذي يحدثُ لنا، نحن الذين صرنا نحفظُ أسماءَ الضحايا كما نحفظُ أرقامَ هواتفنا ثم نمحوها مع أول تحديثٍ للذاكرة؟ و كأنّ العالمَ صار مسرحًا والجميعُ في قاعةِ العرض، يجيدون الجلوسَ في مقاعدهم المرتّبة، يصفّقون في اللحظة المناسبة، ويصمتون في اللحظة المناسبة، ثم ينهضون وينصرفون، وهم يتساءلون: متى يبدأ العرضُ الحقيقي؟ وهنا توقفتُ لأن السؤال لم يعد عنهم، بل عنا، عدتُ أبحث عن العروبة، عن تلك الأم التي طالما غنّينا لها، فوجدتُها هِرةٌ لا تهيج و بيتًا واسعًا، كثير الأبواب، كثير النوافذ، غير أن نوافذه لا تُفتح إلا على مصالح أهله، وأبوابه تُغلق بإحكام كلما طرقها وجعٌ لا يحمل جواز سفرٍ نافذًا، وجدتُها تتسع للخلاف حتى يصير الخلاف وطنًا، وللخصومة حتى تصبح الخصومة تاريخًا، وللترف حتى تتوهّم الموائد أن الشبع فضيلة، يا لهذه المفارقة التي تفضحنا أكثر مما تفضح قاتلنا، نملك من الكلام ما يكفي لإقامة ألف منبر، ومن الشعارات ما يكفي لتغطية وجه الأرض، ومن الذاكرة ما يجعلنا نستعيد هزائم الأمس بتفاصيلها، ثم نعجز عن تحويل كل هذا الميراث إلى موقفٍ يليق بطفلٍ لا يعرف من السياسة إلا صوت القذيفة، ولا من الحدود إلا الجدار الذي يحول بينه وبين الحياة، نُحسن استحضار الماضي حين يخدم كبرياءنا، ونستدعي أمجادنا حين نحتاج إلى تزيين عجزنا، أما الحاضر، هذا الحاضر الذي يمدّ إلينا يديه من تحت الأنقاض، فنتركه معلّقًا بين فتوى مؤجلة، واجتماعٍ طويل، وعبارةٍ دبلوماسيةٍ تخشى أن تجرح مشاعر القاتل أكثر مما تخشى أن تجرح دماء الضحية، وكأنّ العروبة، بعد كل هذا تريد أن تتخلص من عبء اسمها فتقول لقد أتعبتنا فلسطين، كأنها هي التي اختارت أن تكون جرحًا مفتوحًا في أجسادنا، وكأنها هي التي أفسدت علينا مواسمنا، وعكّرت صفو احتفالاتنا، وأحرجت أناقتنا السياسية، وأجبرتنا على النظر إلى وجوهنا في مرآةٍ لا تعرف المجاملة، أتعبتنا فلسطين، لا لأنها طلبت منا المستحيل، بل لأنها كشفت كم أصبح الممكنُ ثقيلًا على أكتافنا، أن نثبت على كلمة، وأن نصون عهدًا، وأن ندرك أن القضية التي تُترك وحدها لا تموت، بل تأخذ معها شيئًا من معنى الذين تركوها، وشيئًا من شرف الكلمات التي أنفقوها في الدفاع عنها.
وأيُّ عبءٍ هذا الذي نتبرأ منه، وقد حملناه يومًا في أناشيدنا، وعلّقناه على جدران مدارسنا، وورّثناه لأبنائنا بوصفه جزءًا من حكاية الأرض والإنسان؟ أكانت فلسطين ضيفًا في وجداننا، أم كانت من صميم بيتنا، ثم ضاقت بها الغرف حين تكاثرت في الصالونات أحاديث المصالح، وحين صار لكل دولةٍ انشغالها، ولكل عاصمةٍ حسابها، ولكل مسؤولٍ بابٌ خلفيّ يخرج منه من السؤال؟ كيف صارت فلسطين بعيدةً إلى هذا الحد، وهي التي لم تكن يومًا بعيدةً عن معنى أن نكون أمةً تعرف أن للكرامة أرضًا، وللحرية ثمنًا، وللإنسان حقًّا لا تسقطه كثرة المتفرجين؟
يا فلسطين، يا قبلة الأولين التي جعلت من الجرح ذاكرةً، ومن الذاكرة عهدًا، ومن العهد امتحانًا لا ينتهي، ماذا نقول لكِ وقد ازدحمت أفواهنا بما لم تستطع أيدينا أن تحمله؟ هل نقول إننا نسيناكِ، أم إننا أتقنّا تأجيلكِ حتى صار التأجيل عادةً، وصار الانتظار عندكِ عمرًا، وعندنا موعدًا آخر للاجتماع؟ هل نقول إننا عاجزون، أم إن العجز حين يطول ويجد لنفسه ألف تفسير، يكاد يتحول إلى اختيارٍ لا يريد صاحبه الاعتراف به؟
فلا تسألينا عن عدد المرّات التي ذكرنا فيها اسمكِ، بل عمّا بقي من هذا الاسم في أفعالنا، لا تسألينا كم نشيدًا رفعناكِ فيه إلى السماء، بل كم مرةً منعنا مصالحنا من أن تنزلكِ إلى هامش النسيان، فالأسماء مهما علت في الحناجر لا تبني وحدها سقفًا لطفلٍ مشرّد، ولا تعيد أمًّا إلى حضن أبنائها، ولا تجعل من الوعود جدارًا يحمي حياةً مهددةً بالغياب، وسيبقى السؤال واقفًا عند أبوابنا، لا يطرقها هذه المرة، بل ينظر إلينا من شقوقها، ماذا فعلتم بفلسطين حين كانت تحتاج إليكم، وماذا فعلتم بأنفسكم حين تركتموها؟ وأيُّ انتماءٍ هذا الذي نعلّقه على الصدور زينةً، ولا نعرف كيف نحمله مسؤوليةً؟
أما فلسطين، فليست عبئًا على عاتقنا، ولا فصلًا فائضًا عن حكاية العرب، ولا قضيةً نفتحها حين تسمح لنا الظروف ونغلقها حين تضيق مصالحنا، إنها المرآة التي نرى فيها ما بقي منا، والجرح الذي يفضح موضع الخذلان، والسؤال الذي لا تمنحه كثرة الإجابات حقّ الصمت، ولعلّ أشدّ الخيبات مرارةً، أن تكون فلسطين ما زالت تنادي، وأن نكون نحن قد أتقنّا الإصغاء إلى كل شيءٍ سواها.
يا وطنَ العربِ النائمَ على وسادةِ الغفلة، أما آنَ أن تُفيق؟ يا من أطبقتَ جفنيك عن دمٍ يسيل على تُرابك، وصرخةٍ تصعد من قلبك، وأنت في لهوك سادرٌ، وفي غيّك غارقٌ، وفي بحرِ التكاثرِ غريق، ألهاكم بناءُ القصور على أنقاضِ القبور، وعدُّ الأوراقِ على حسابِ الدماء، ومسحُ الكراسي بمناديلِ الحياء، حتى زرتم المقابرَ وما زال في أعناقكم حبلُ الغفلةِ ممتدًّا، وفي عيونكم غشاوةٌ لا تنقشع، وفي آذانكم وقرٌ لا يفارق، يا وطنَ العربِ، تتنازعكم أهواءٌ كالأمواج، وتتخطفكم مصالحُ كالذئاب، وتنسون أن فلسطينَ جرحٌ في القلبِ لا يندمل، ونزيفٌ في الروحِ لا يتوقف، وأنّ صمتكم عنها خيانةٌ تُكتب بماءِ ثجاج في ديوانِ الله، ووصمةٌ لا يمحوها الزمان، فاستيقظوا قبل أن تُطوى الصحائفُ، وقبل أن تُغلقَ دفاترُ الأعمار
إن لم تُحرّككم فلسطينُ وهي تُشيَّع كلَّ صباح، فسيُحرّككم الموتُ حين يبلغ التراقي، فحينها لا سُلطةَ ولا نفوذَ ولا امتيازَ، و لن تُفيدَ العباراتُ المهذّبة، ولا ربطةُ العنق المضبوطة، ولا الصمتُ المختارُ بعناية، بل وقوفٌ عارٍ أمام ما قدّمتم و لن تجدوا فلسطينَ وحدها تشكو، بل ستجدون كلَّ حرفٍ كتبتموه، وكلَّ موقفٍ سكتم عنه، يقفُ في وجوهكم قائلا ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر.
اذا فاتّئدي يا حسناء المدائن، و كفكف الزنبق في عينك، فإنّ بعض الحزن أهون من بعض، وبعض الجراح أشفى من بعض، لو كان قومي أهلاً للدمع لما جعلوا حياتهم سباتا، ولما تركوا في أرضهم أثراً وألماً، و مروءتهم التي ماتت تبكي عليها الإنس و الجان، وكلّ من لا يرى في الذلّ عار، ولا يرى في الانحناء موتاً، لا يحتاج أن يبكي عليه إنسان، وأنت من أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ و تأبى فضائلها أن يُقتل الطير على يد سجّان، فلا تشتكي لمدن وهي ساهية، والدمع من مقلتيك هتّان، يا فلسطين لا تبكي على جسد قد لفّه الذلّ أكفان وأكفان، ففي قلوبنا ما بقي الإيمان إيمان، واصبري فإنّ صباح الصبر منتظر، وبعد كلّ ظلام الفجر يقظان، واذكري الأقصى وما حمله من بَوَى على وجع الأشجان أشجان، ستنطق الأرض يوماً بعد صمتها، وينطق الصمت في الآذان آذان، وهللي و سبّحي باسم ربّ المدينة ولا تتوقفي لان أذاننا مَبْتُورة الصوان، ولا تظني انه يفقه للتّسبيح سكران، لأنك مستوحدة بين القلوب الصمّ و إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ، وإن إلى ربك يومئذ المساق.
اتّئدي يا حرة المدائن التي لُطّخناها بعيوبنا، واغتلنا حنين الصوت فيها، فنحن المستعمرون الذين نصارع الموت والحرية في فرن السياسات التي تثمل بجماجمنا.

نيسان ـ نشر في 2026-10-13 الساعة 20:23


رأي: مريم عرجون كاتبة جزائرية

الكلمات الأكثر بحثاً