اتصل بنا
 

العدس.. يا جيل اللاتيه

كاتب صحافي

نيسان ـ نشر في 2026-10-14 الساعة 09:53

نيسان ـ زمان.. كان الواحد منّا إذا شمّ ريحة العدس طالعة من المطبخ، يعرف إنّ الدنيا لسه بخير، وإنّ في البيت أمًّا بتعرف تدبّر حالها، وأبًا بعرف قيمة القرش، وأولادًا إذا شافوا صحن العدس ما بسألوا عن مصدر البروتين، ولا عن السعرات الحرارية، ولا عن حقوق الإنسان داخل حبة العدس!
كان العدس سيّد المائدة بلا منافس.. لا يحتاج إلى إعلان ممول، ولا إلى مؤثّر يرفع الملعقة ويقول: يا جماعة، لازم تجربوا هالطبق الخرافي.. ولا يحتاج إلى تصوير من ثلاث زوايا، وإضاءة طبيعية، وموسيقى هادئة، وعبارة «تجربة لا تُنسى»!
كان عدسًا يا جماعة.. مش رحلة استكشافية إلى المريخ!
أمّا جيل اليوم، فلو حطّيت له صحن عدس قدّامه، بطلع بالموبايل، بصوّر الصحن، وبسأل متابعيه: شو رأيكم بهالتجربة؟.. وبعد ثلاث دقائق بحكيلك إنّ الطبق ما بناسب نمط حياته، وإنّه بفضّل الأكل العضوي، وإنّه اكتشف نفسه مؤخرًا من خلال تجربة الكينوا!
يا ابني.. إنت لسه مبارح كنت ترفض تاكل البندورة إذا لامست الرز، واليوم بتحكيلي عن نمط الحياة!
زمان، كانت أمّنا تطبخ العدس، وتفرم البصل، وتحطّ عليه زيت الزيتون، وتحمّر الخبز، وتجيب الليمونة من آخر الدنيا، وتعمل من أبسط الموجود وليمةً بتشبع البيت كلّه.. وكان الأب يرجع من شغله، يقعد على الطاولة، ويقول: الله يعطيكِ العافية يا أم فلان.. فيردّ عليه الأولاد وهم يمدّون خبزاتهم بالصحن: الله يخليلك إيانا!
اليوم، لو الأم طبخت عدسًا، أول سؤال بيجيها: ماما، في إشي ثاني؟
ثاني سؤال: ليش ما طلبتِ لنا من المطعم؟
ثالث سؤال: هو إحنا ناقصنا نعيش أجواء التسعينيات؟
يا حبيبي.. التسعينيات اللي بتستهزئ فيها كانت تأكّلنا وتعلّمنا وتخلّينا نعرف إنّ اللقمة مش شغلة تافهة، وإنّ النعمة مش مادة للسخرية، وإنّ الإنسان ممكن يكون سعيدًا بصحن عدس أكثر من واحد قاعد بمطعم فاخر، وبدفع ثمن الوجبة أقساطًا، وبصوّرها للناس كأنّه اشترى حصّة في شركة آبل!
جيل اليوم بده كل إشي سريع.. الأكل سريع، الحب سريع، الشهرة سريعة، النجاح سريع، وحتى الزعل بده يخلّص بسرعة عشان يلحق ينزل ستوري عن خيبة الأمل!
وإذا ما جاب الستوري تفاعلا كافيا.. بنزل ستوري ثانية يعلن فيها اعتزاله الحياة، ويحمّل العدس مسؤولية خذلان الجمهور!
جيل بدّه صحن عدس يعبّي بطنه، ومليون لايك يعبّوا روحه.. وإذا ما زبطت معه، بطلب من أمّه تحوّل له ثمن الوجبة على المحفظة الإلكترونية!
وبالنهاية.. إحنا أكلنا العدس وطلعنا رجال، وهُم أكلوا السوشي ولسّه بدهم حدا يطبّق لهم الحياة على شكل فيديو مدته ثلاثون ثانية!
بس الحق مش عليهم.. الحق علينا إحنا اللي ربّينا جيلًا إذا انقطعت عنه الكهرباء بكى على شحن الموبايل، وإذا انقطع عنه العدس طلب وجبة دليفري، وإذا انقطعت عنه المصاري.. صوّر حاله وهو ببكي، وكتب تحت الصورة: «أصعب مرحلة في رحلة التعافي من الطفولة»!

نيسان ـ نشر في 2026-10-14 الساعة 09:53


رأي: كامل نصيرات كاتب صحافي

الكلمات الأكثر بحثاً