اتصل بنا
 

بريطانيا والاتحاد الاوروبي.. فتح باب القطط لعودة الابن الضال

نيسان ـ نشر في 2026-10-14 الساعة 13:01

بريطانيا والاتحاد الاوروبي.. فتح باب القطط
نيسان ـ على عتبة «باب القطط».. هل تتراجع بريطانيا عن الخطيئة الكبرى وتطرق أبواب بروكسل من جديد؟
«عودوا بالكامل».. بهذه الكلمات الحاسمة، حطم وزير المالية الفرنسي رولان لوسكور جدار الصمت حول إمكانية تراجع بريطانيا عن الـ«بريكست»، مجيباً على تلميحات رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام بضرورة إعادة ترميم العلاقة مع القارة العجوز. لم يكن الصوت الفرنسي نشازاً؛ إذ سارع إيمانويل ماكرون لوصف الفكرة بـ«الممتازة»، بينما فتح بيدرو سانشيز أذرع إسبانيا على مصرعيها لاستقبال الجار العائد.
نحن اليوم أمام مشهد يشبه دراما «باب القطط»؛ تلك الكائنات التي تموء بإصرار للخروج، وما إن تطأ أقدامها الخارج حتى تموء بالحماسة نفسها للدخول مجدداً! فهل تعبر بريطانيا باب أوروبا المحصن عائدة إلى الحصن الذي غادرته؟ العقبات هائلة بلا شك، لكن الحجج السياسية والاقتصادية والاستراتيجية للتراجع عن بريكست باتت تدوي بوزن لا يمكن تجاهله.
على الصعيد السياسي، يبرز بيرنهام كسياسي داهية يدرك تماماً تحولات الشارع؛ إذ تكشف استطلاعات الرأي أن 59% من البريطانيين يطمحون للعودة، مقابل 32% فقط يتمسكون بالفراق. وفي ظل صمت الأحزاب الكبرى، يرى المحللون — ومنهم سام فريدمان — أن تبني خيار العودة بات بمثابة رمية حاسمة أمام مرمى خاوٍ، قد تمنح حزب العمال دفعة شعبية تتراوح بين 4 و7 نقاط.
واقتصادياً، وصل صناع القرار في لندن إلى يقين قاطع: بريكست كان كابوساً جثم على صدر الاقتصاد، ولا يمكن رفو جراحه بمجرد العودة للسوق المشتركة أو الاتحاد الجمركي. إن شح الموارد يكبس على أنفاس خطط بيرنهام لإصلاح الرعاية الاجتماعية وزيادة إنفاق الدفاع، والعودة إلى الحضن الأوروبي هي المفتاح السحري الوحيد لإنعاش النمو وتحريك المياه الراكدة.
أمّا البعد الاستراتيجي، فقد زادته الحسابات الدولية خطورة؛ فصفقة الديزل التي عقدها دونالد ترامب مع موسكو كشفت عمق الفجوة مع لندن بشأن أوكرانيا، مع استمرار تآكل الثقة بحلف الناتو. بات البريطانيون يدركون أن أمنهم القومي مرهون بالتكتل مع الجيران الأوروبيين، والاستفادة المباشرة من مظلة الإنفاق الدفاعي المشترك.
غير أن طريق العودة لن يكون مفروشاً بالورود:
فقدان الامتيازات الذهبية: انتهى عصر الاستثناءات؛ لن تحصل بريطانيا على خصمها التاريخي من الميزانية، وستكون مواجهة الاستحقاقات الشائكة — مثل الانضمام لـ «شنجن» وتبني عملة «اليورو» — أمراً لا مفر منه، وهي ملفات تشعل فتيل الرفض في الداخل.
شبح العرقلة الفرنسية: يتوجس المستشارون في لندن من موقف باريس المتشدد، ويخشون تكرار سيناريو الستينيات عندما رفع شارل ديغول الفيتو في وجه بريطانيا.
زلزال الرئاسة الفرنسية: قد تنقلب المعادلة رأساً على عقب مع الانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل؛ ففوز مارين لوبن قد يعصف باستقرار الاتحاد بأكمله أو يدفع فرنسا نحو أقصى اليمين، مما قد يجعل العودة أقل جاذبية للندن. وفي المقابل، فإن نزوع لوبن لتفكيك بعض صلاحيات بروكسل قد ينتج اتحاداً أكثر مرونة يسهل على بريطانيا التعايش معه.
يبقى السؤال الأكبر والأكثر حساسية موظفاً في أروقة بروكسل: هل يريد الأوروبيون عودة المملكة المتحدة حقاً؟ وحتى لو رغبوا في ذلك، فهل هم مستعدون لاستنزاف أوقاتهم في مفاوضات مضنية دون ضمانات؟ فالأوروبيون لن يقبلوا بتوقيع معاهدة عودة جديدة قد يمزقها صعود مفاجئ لنايجل فاراج إلى السلطة.
لكن، رغم كل هذا التعقيد، تظل المكاسب الاستراتيجية للطرفين هائلة. ففي عالم يعج بالتهديدات وتزدريه قوى واشنطن وموسكو، سيكون قرار بريطانيا بالعودة شهادة ميلاد جديدة وثقة مطلقة بالمشروع الأوروبي، فضلاً عما ستضيفه لندن من ثقل عسكري واقتصادي ومساهمات مالية ضخمة في ميزانية التكتل.
إنها لحظة الحقيقة؛ فهل تتغلب المصلحة الاستراتيجية المشتركة على مرارات الماضي، ويُفتح باب القطط لعودة الابن الضال؟

نيسان ـ نشر في 2026-10-14 الساعة 13:01

الكلمات الأكثر بحثاً