اتصل بنا
 

مُغتربان في حضن السلط

نيسان ـ نشر في 2026-10-15 الساعة 10:28

نيسان ـ الجوع لا يكون دائماً للخبز أو الرز أو اللحمة والدجاج. ففي الغربة منها الكثير حد الشبع وحتى التخمة. الجوع الحقيقي عند المغترب يكون لبساط الربيع الأخضر. للشجر ينبت ويعلو في الجبال، لنبتة تشق الصخر بعنفوان، لحجر تعيش تحته حيوات و..لحياة ما أجملها من حياة، بسيطة كجمال وجه فلاحة بلا مكياج.
كنت جائعاً جداً عندما عدت لأستقر في الوطن بعد غربة خمسة وعشرين سنة في ثلاث دول خليجية شقيقة، الكويت، الامارات والبحرين، سبقها خمس سنوات عندما خرجت من مدينتي الزرقاء فتى في مقتبل الشباب لأدرس اللغة والأدب الانجليزي في جامعة دمشق.
لم تنقطع صلتي بالبلد طيلة تلك السنوات من خلال زيارات واجازات وقديما من خلال «المكاتيب» في المغلف الأبيض والزنار الأزرق والأحمر، تلك التي كان المكتوب للأهل يصل عبر البريد بعد أسبوعين أو ثلاثة من ارساله. و..»ياما كتبنا ومش ياخسارة ما كتبنا»، بالاذن من فيروز. ولتلك المكاتيب حكايات أخرى.
عندما طلقت الغربة بالثلاثة في 2010 أخذت أستغل يوم اجازتي الاسبوعية لأصطحب العائلة و»استكشف «جمال البلاد بالسيارة من الرمثا الى العقبة. لكأني أرى مدنها وقراها وجبالها لأول مرة. بل هي فعلاً أول مرة. فنحن أبناء الزرقاء، خاصة الفقراء، كانت أبعد مدينة نذهب اليها أحياناً هي عمان خاصة وسطها. لم نكن نبتعد عن الوسط لكي لا نضيع. وربما لأننا لم نكن نحب التطرف!.
المدينة الأولى التي بدأنا بها رحلة الاستكشاف والأقرب الى سكننا في عمان هي السلط.
أحببناها من النظرة، أقصد الزيارة الأولى.
كتبت عنها، السلط تذكرك بمدن عربية يجلس فيها التاريخ في ذات المكان الأخضر بين الصخر، علوٌ يتلوه علوٌ، شجرٌ يعانق شجراً، أناس يحلو لك أن تسمِّي كل واحد فيهم «الطيِّب»، بيوت تلتصق ببعضها بحميمية دافئة، لكأنها لحظة أبدية منذ أول الخلق إلى آخر ما ليس له آخر، العشق.
تعبر الشوارع التي ظلت ضيقة فتتسع رئتاك، تتمعن بوجوه الناس فتتأكد أن الدنيا بخير، تختار عجوزاً ترتسم على وجهه تجاعيد الزمن ليحدثك عن الزمن الذي مضى، تتمنى لو تبقى معه سنة وفي الزمن سنواته الخضراء، تكاد تقبِّل يده التي زرعت ذات شباب تلك الأرض التي يشير إليها، لكن أصابعه تشير إلى ما هو أبعد من هناك، من تلك الجبال ترى أضواء أريحا وجبال نابلس ونور القدس.
كلما ذهبنا الى السلط اعتادت العائلة أن ندخل السوق القديم. هنا تجد كل ما تريده وما لا تريده بأسعار حنونة.
أجمل ما صادفني الأسبوع الماضي في السوق صوت قريب مني يناديني. التفت فاذ به وسام السعايدة الزميل القديم في «الدستور». وسااااام؟ تعانقنا طويلاً وتحدثنا. وسام غادرنا الى قطر قبل حوالي عشر سنوات على ما أتذكر. ولم أره من يومها. وهو الآن في اجازة. لم يتغير ولا أنا تغيرت لكن كل شيء حولنا تغير، ليس الى الأفضل طبعاً.
وكشيمة أهل البلقاء في الكرم والشهامة أصر وسام على دعوة العائلة الى الغداء في منزله. لكن الوقت لم يكن يسمح. الصديق السلطي الشاعر مهند العزب كتب لي لو أنك اتصلت بي لقمنا بجولة جميلة في السلط. الزميلة العزيزة في «الدستور» السلطية أيضاً رنا حداد التي تسكن في الزرقاء عندما علمت اني في السلط كتبت لي «نيالك ونيال السلط».
السلط تتوسط القلب كما تتوسط الطريق الى نابلس مثلما تتوسط الكرك الطريق الى الخليل واربد الى بيسان. خسئ من يفرق بين رئتي القلب وهم ينشطون هذه الأيام على مواقع التواصل خدمة للمشروع الصهيوني.

نيسان ـ نشر في 2026-10-15 الساعة 10:28


رأي: رشاد ابو داود

الكلمات الأكثر بحثاً