اتصل بنا
 

احذر

نيسان ـ نشر في 2026-10-15 الساعة 10:42

نيسان ـ «ن، وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ» - القلم: 1 .
كان أينشتاين يقتبس مقولة الفيلسوف كارل بوبر: «قلمي أذكى مني»، وكان يقول: «لو كان لديّ ساعة لحلّ مشكلة، لقضيت خمسًا وخمسين دقيقة في التفكير فيها». فلا عجب أن يُعَدّ من أذكى الشخصيات في المئة عام الماضية.
مهما كان القلم فاخرًا وسلسًا، فلن يجعلك كاتبًا موهوبًا؛ فهو في النهاية أداة تخطّ بها أفكارك. وكذلك السيارة، مهما بلغت من الجودة والتطور، لن تجعلك سائقًا ماهرًا؛ فهي أداة تكشف مدى احترافيتك في القيادة، ولا تصنعها.
لكننا اليوم، ولأول مرة في تاريخ البشرية، نقف أمام أداة تختلف عن كل الأدوات التي استخدمناها من قبل؛ أداة قد لا تكتفي بمساعدتك، بل تتفوّق عليك، وقد تقودك بدلًا من أن تقودها.
كثير من الناس لا يريدون أن يبذلوا جهدًا في التفكير، وهذا ما يُعرف بالاستسلام المعرفي. في البداية يبدو الأمر جميلًا ومريحًا: تطلب شيئًا، وفي لحظات تحصل على النتيجة، وكأن المارد قد خرج من فانوس علاء الدين وأصبح بين يديك. لكن مع مرور الوقت، يزداد اعتمادك على هذا المارد، حتى تجد نفسك، بدلًا من أن يكون هو بين يديك، قد أصبحت أنت بين يديه.
لعل أنظمة الخرائط مثال بسيط على ما يمكن أن يفعله الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا بعقولنا. نعتمد اليوم على أنظمة الخرائط في سياراتنا؛ نحدّد الموقع، فتقودنا السيارة إلى وجهتنا. جرّب أن تستغني عنها، وستجد نفسك على الأرجح تائهًا وسط ازدحام عمّان وتشعّب أحيائها وطرقها.
قبل ظهور أنظمة الخرائط، كان يُشترط على سائقي سيارات الأجرة السوداء الشهيرة في لندن أن يقضوا نحو أربعة أعوام في حفظ ما يقارب 25 ألف شارع و20 ألف معلم. أما اليوم، فقد أصبح معظمهم يعتمدون على أنظمة الخرائط.
درست عالمة الأعصاب إليانور ماغواير أدمغة سائقي سيارات الأجرة السوداء، ووجدت أن المناطق المرتبطة بالذاكرة المكانية لديهم كانت أكبر مقارنة بعامة الناس. ومع تراجع الاعتماد على الحفظ والتدريب المكثف للذاكرة المكانية، لم تعد هذه المناطق تتطور، وأظهرت دراسات أن القدرات التي لا نستخدمها ونمرّنها باستمرار قد تتراجع مع الزمن.
وهنا تكمن خطورة الذكاء الاصطناعي. تريدك شركات التكنولوجيا العملاقة أن تعتمد على أدواتها، وأن تثق بها، وأن تجعلها جزءًا لا غنى عنه من حياتك اليومية. وهي بالتأكيد لا تفعل ذلك مجانًا؛ فالعائد الذي تحققه من هذا الاعتماد يفوق بكثير قيمة الاشتراكات الزهيدة التي تدفعها مقابل خدماتها.
تبدأ المسألة ببساطة: تعتمد على الذكاء الاصطناعي في مهمة صغيرة، ثم تعتمد عليه في بناء الفكرة، فتفقد تدريجيًا قدرتك على إنشاء فكرة من الصفر. وبعد ذلك تضعف قدرتك على صياغة حجة ذكية بنفسك، ثم تفقد شيئًا أكثر أهمية: لذة الصراع الفكري؛ فكرة في مواجهة فكرة، وحجة في مواجهة حجة، وعقل يختبر نفسه أمام عقل آخر.
ثم قد يصل اعتمادك عليه إلى درجة لا تعود فيها تطلب منه المساعدة فحسب، بل تطلب منه أن يقودك خطوةً بخطوة: ماذا أفعل؟ ماذا أقول؟ ماذا أكتب؟ وكيف أفكر؟
وقد تأتي مرحلة يتوقف فيها العقل عن ممارسة التفكير الحقيقي، وتضمر قدراتنا الذهنية إلى حدّ نعجز معه عن تكوين فكرة من دون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. وعندها قد لا نكون أمام مجرد تطور تقني وتغيير في أدواتنا، بل أمام تغير عميق في طبيعة الإنسان نفسه، وربما نهاية للإنسانية بالشكل الذي عرفناه حتى اليوم.
لذلك، نصيحتي بسيطة: استخدم الذكاء الاصطناعي أداةً بين يديك، لا عقلًا بديلًا عن عقلك. استفد منه، ووجّهه، وتحكّم به؛ فالويل لك إن أصبحت أنت الأداة، وأصبح هو من يتحكّم بك.

نيسان ـ نشر في 2026-10-15 الساعة 10:42


رأي: اسماعيل الشريف

الكلمات الأكثر بحثاً