مرحباً بكم في (بريطانيا العظمى).. فقرٌ يتجاوز أفقر ولاية أمريكية ما يفسر لمسة التفاخر الكاذبة
الجنيه الاسترليني يعرج .. لكن كل هذا لا يمنع ان يدفع الرجل الابيض كل ما يملك من موارد الدولة خدمة لاسرائيل
من حكم العالم إلى خلع الأسنان منزلياً.. قصة الانهيار العظيم لبريطانيا العظمى
الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس تفتش عن أطباء في منازل المواطنين
طابور من 6 ملايين مريض وكرفانات متهالكة.. بريطانيا تعيد تعريف رفاهية الرجل الأبيض
نيسان ـ نشر في 2026-10-15 الساعة 14:32
على مدار 18 عاما، تراجعت آمال البريطانيين في تحسن أوضاعهم الاقتصادية، ليحل الركود وخيبة الأمل محل الازدهار، وسط تساؤلات عن المسؤول عن هذا التراجع.
وتناول تقرير تحليلي لموقع «ذا أتلانتيك» أسباب التدهور الاقتصادي في بريطانيا، مشيراً إلى أن السنوات الثماني عشرة الماضية لم تثمر سوى الركود وخيبة أمل جماعية، في فترة امتدت بما يكفي لنشأة جيل كامل وصفه التقرير بالضائع.
ففي عام 2007، وقبل الأزمة المالية العالمية، كانت بريطانيا في ذروة مجدها في مرحلة ما بعد الإمبراطورية، إذ تجاوز متوسط دخل الأسرة نظيره في ألمانيا، وبلغت قيمة الجنيه الاسترليني أكثر من دولارين، وكانت لندن في طريقها، إن جاز التعبير، لتنتزع من نيويورك مكانتها كمركزٍ للخدمات المصرفية الدولية.
لكن منذ ذلك الحين، تراجعت بريطانيا عن الركب، إذ أصبح نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد أعلى بقليل فقط من نظيره في ولاية ميسيسيبي، أفقر ولاية أمريكية، ولا يعود هذا التفوق الطفيف إلا بفضل لندن.
أما خارج العاصمة، وفي المناطق التي لا يقصدها السياح، فإن مستويات المعيشة تنخفض إلى ما دون مستوياتها في ولاية ميسيسيبي.
وبحسب تحليل "ذا أتلانتيك"، يجد البريطانيون الذين يزورون الولايات المتحدة أن عملتهم قد تراجعت قيمتها، بحيث لا يشتري الجنيه الاسترليني اليوم سوى 1.35 دولار تقريباً.
كما تخلفت الأجور في بريطانيا كثيراً عن نظيراتها في الولايات المتحدة، وكذلك في ألمانيا وفرنسا وهولندا والدنمارك، وإذا ما أخذنا التضخم في الحسبان، نجد أن هذه الأجور لم تشهد أي نمو يُذكر.
وإذا ما استمرت الاتجاهات الحالية، فمن المتوقع أن يصل مستوى معيشة المواطن البولندي العادي، خلال العقد القادم، إلى مستوى معيشة المواطن البريطاني العادي.
بريطانيا أصبحت قوة متوسطة تعاني من الجمودووفق تحليل ذا أتلانتيك، قبل جيل واحد، كانت بريطانيا قوة عالمية كبرى؛ أما اليوم، فقد أصبحت قوة متوسطة تعاني من الجمود.
فقد وصلت الضرائب إلى أعلى مستوياتها منذ الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك شهدت الخدمات العامة تدهوراً ملحوظاً.
وتواجه هيئة الخدمات الصحية الوطنية، الركيزة الشهيرة لنظام الرعاية الاجتماعية البريطاني الذي يرافق المواطن من المهد إلى اللحد، قائمة انتظار تضم 6 ملايين مريض، أي ما يعادل عُشر السكان تقريباً.
واللافت أن الهيئة باتت تنفق على تسوية مطالبات التعويض عن الأخطاء الطبية في مجال التوليد مبالغ تفوق تلك التي تنفقها على تقديم خدمات الرعاية الفعلية في هذا المجال.

ولا يجد الكثير من البريطانيين سبيلاً للحصول على موعد لدى طبيب أسنان ضمن القطاع العام، كما يعجزون عن تحمل تكاليف القطاع الخاص، إذ أشار استطلاع أُجري عام 2023 إلى أن واحداً من كل عشرة أشخاص اضطروا إلى إجراء علاجات أسنان بأنفسهم، وصل بعضها في حالات قصوى إلى خلع أسنانهم ذاتياً أو لصق تيجان الأسنان المكسورة.
وقد تكون الدخول منخفضة بشكل صادم، فقد أضرب الأطباء المبتدئون مؤخراً، للمرة الخامسة عشرة خلال ثلاث سنوات، احتجاجاً على رواتبهم التي تبدأ من 38,800 جنيه استرليني فقط، في حين يبلغ متوسط رواتب الموظفين العموميين 35,680 جنيهاً استرلينياً.
وفي أبريل/نيسان، وفي خضم التوترات المتعلقة بإيران، هاجمت صحيفة "ديلي ميل" رئيس الوزراء السابق كير ستارمر لقضائه عطلة في فالنسيا بإسبانيا، في فندق وصفته الصحيفة بأنه "فاخر" وتبلغ تكلفة الإقامة فيه 200 جنيه استرليني في الليلة.
هل تسبب في هذا التدهور سوء الحظ ؟ويعزو البعض في بريطانيا هذه الأوضاع إلى سوء الحظ، كالأزمة المالية عام 2008، وجائحة كورونا، وأزمة الطاقة التي تلت الحرب الروسية الأوكرانية، لكن دولاً أخرى واجهت التحديات ذاتها.
وبحسب تحليل "ذا أتلانتيك"، ما ميّز بريطانيا عن هذه الدول هو استجاباتها لهذه الأزمات، التي اتسمت بنية واضحة لـ "تخريب الذات" في التعامل مع هذه المشكلات وغيرها.
ويُعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) المثال الأبرز، لكنه ليس الوحيد؛ إذ أدت الخيارات السيئة -التي بدأت مباشرة بعد الأزمة المالية- إلى خيارات أسوأ منها.
ومع تزايد خيبة أمل الجمهور، تعاقب السياسيون على السلطة بوتيرة سريعة، مما أدى إلى إنهاء مفاجئ لأي سياسات كانوا قد شرعوا في تنفيذها.
فمنذ الانتخابات العامة عام 2010، تعاقب ستة رؤساء وزراء على الحكم، ولا يبدو أن كفاءة هؤلاء المسؤولين تتحسن بمرور الوقت، فبعد أقل من عامين على وصول حزب العمال بقيادة ستارمر إلى السلطة، انخفض صافي معدل تأييده الشعبي ليصل إلى سالب 42 نقطة.
حتى غادر منصبه رسميا بعد خسارته لرئاسة الحزب، وخلفه في منصبه منذ يوليو/تموز الماضي رئيس حزب العمال الجديد "آندي بيرنهام".
واتسم تراجع البلاد بمسار ثابت في جانب واحد، فمع تزايد إدراك بريطانيا لتقلص مكانتها، انكفأت على ذاتها بشكل متزايد، متخذةً موقفاً دفاعياً انكماشياً.
وتحولت السياسة إلى لعبة "صفرية"، غارقة في صراعات حول من سرق من، وقد وقعت الشبهات، قبل كل شيء، على المهاجرين، الذين انقلب عليهم كلا الحزبين الرئيسيين.
ولا تزال هناك نزعة راسخة لما يُعرف بـ "الاستثنائية البريطانية"، وهي نسخة أكثر هدوءاً وتحفظاً من نظيرتها الأمريكية، تفترض أن بوسع بريطانيا استعادة عظمتها من خلال الانكفاء على الداخل.
والمثير للدهشة، أو ربما المتوقع، أن هذه النزعة تزداد قوةً كلما تفاقمت مشكلات البلاد.
أزمة عام 2008 لم تكن وحدها السببوقد كانت بالفعل الأزمة المالية عام 2008 كانت قاسية للغاية على بريطانيا، ففي تسعينيات القرن العشرين، راهن كل من حزب المحافظين وحزب "العمال الجديد" بقيادة توني بلير على رؤية واحدة: أن تتحول بريطانيا إلى اقتصادٍ قائمٍ على الخدمات وما بعد الحقبة الصناعية، مع اتخاذ القطاع المالي ركيزةً أساسية له، وكان المخطط يقضي بإعادة توزيع الإيرادات الضريبية الناتجة عن ازدهار لندن على المناطق المتعثرة في قلب البلاد الصناعي القديم، للمساعدة في تجديدها، ثم جاء عام 2008، لتنهار الصناعة المالية في لندن انهياراً ذريعاً.
لكن إجراءات الحكومة خلال الأزمة وما بعدها فاقمت من حجم الضرر.
فبدلاً من زيادة الإنفاق لإنعاش الطلب المتراجع، اختارت الحكومة، التي كان يقودها آنذاك رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون، خفض الميزانيات في وقت كانت فيه الإيرادات تشهد هبوطاً حاداً.
وكانت الفلسفة القائمة آنذاك ترى أن الانضباط المالي -أي خفض الإنفاق بوتيرة أكثر حدة مقارنة بالدول المماثلة لبريطانيا- من شأنه تعزيز الثقة وتحفيز النمو.
وفي ذلك الوقت، كان يُنظر إلى العجز في الموازنة والدين العام باعتبارهما أمراً غير أخلاقي، فخلافاً لليونان التي اتُهمت بالإسراف، أرادت بريطانيا إدارة شؤونها بحكمة وحذر.
وغير أن النمو الموعود لم يتحقق، وتركت سياسات التقشف ندوباً لا تزال آثارها باقية حتى اليوم.
فعلى سبيل المثال، جرى الحفاظ على تمويل العمليات اليومية لهيئة الخدمات الصحية الوطنية ولكن تم ذلك على حساب ميزانية الاستثمار الرأسمالي.
وقد خلص تقرير حكومي صدر عام 2024 إلى أن سياسات التقشف أدت إلى واقعٍ تعاني فيه بريطانيا من "مبانٍ متهالكة، واحتجاز مرضى يعانون من مشكلات في الصحة النفسية داخل زنازين تعود للعصر الفيكتوري وتنتشر فيها الحشرات والقوارض، حيث يضطر 17 رجلاً لاستخدام حمامين فقط، فضلاً عن أجزاء من هيئة الخدمات الصحية الوطنية تعمل داخل وحدات مؤقتة (كرفانات) متهالكة".
أزمة الإسكان في بريطانياوبحسب تحليل "ذا أتلانتيك"، تعاني بريطانيا من أزمة إسكان أشد وطأة بكثير من تلك التي تشهدها أمريكا.
ولا يمكن إلقاء اللوم في هذه المشكلة على نظام تقسيم المناطق إذ لا يوجد في بريطانيا نظام كهذا بالمعنى المتعارف عليه.
وبدلاً من ذلك، تصبح كل محاولة للبناء عملية تفاوض شاقة ومخصصة لكل حالة على حدة، تجري مع المجالس المحلية والسكان الذين يرفضون إقامة مشاريع بالقرب منهم (وهو ما يُعرف بظاهرة "ليس في فنائي الخلفي"
ونتيجة لذلك، تُعد تكاليف السكن لكل قدم مربع من بين الأعلى في أوروبا.
ويشير أحد التقارير إلى أن "المخزون السكني لبريطانيا السكني يقدم أسوأ قيمة مقابل المال مقارنة بأي اقتصاد متقدم آخر".
ففرنسا، التي يبلغ عدد سكانها تقريباً نفس عدد سكان المملكة المتحدة، تمتلك عدداً من المنازل يزيد بنحو 50% عما تمتلكه بريطانيا.
ومع ذلك، فمنذ الأزمة المالية، لم يشهد معدل بناء المساكن في المملكة المتحدة سوى تراجع مستمر.
ولا تقتصر مشكلات البناء في بريطانيا على المناطق النائية، ففي لندن، بلغ سعر المنزل المتوسط الذي بيع عام 2024 ما يعادل 11 ضعف متوسط الدخل.
ورغم أن لندن لا تزال مدينة عالمية جذابة، إلا أنها تعاني هي الأخرى من الركود، إذ ظلت إنتاجية العاملين فيها ثابتة تقريباً منذ الأزمة المالية.
ومع ذلك، تظل لندن اليوم أكثر إنتاجية بنحو 50% من منطقة "ويست ميدلاندز" التي تضم مدينتي ستوك وبرمنغهام.
وتوضح آنا ستانسبوري، الخبيرة الاقتصادية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الفجوة بين جنوب شرق إنجلترا -حيث تقع لندن- وبقية أنحاء بريطانيا تشبه إلى حد كبير الفجوة التي كانت قائمة بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية.
ومن منظور إقليمي، تكمن المشكلة على مدى العقدين الماضيين في أن لندن بالكاد حققت نمواً، في حين ظلت المدن البريطانية الأصغر متأخرة عنها بمراحل كبيرة.
وهناك بعض الاستثناءات لهذا النمط العام من التراجع البريطاني في الإسكان، فمدينتا أكسفورد وكامبريدج -اللتان لطالما كانتا مركزين عالميين رائدين في العلوم لقرون، بدأتا مؤخراً في التحول إلى مراكز للشركات الناشئة، وإن كانتا تقعان بالقرب من لندن لدرجة تجعلهما تعانيان من نفس أزمات السكن التي تعاني منها العاصمة.


