اتصل بنا
 

صدام حفتر على طريق خلافة والده… مبايعات قبلية وترتيبات عسكرية وصراع نفوذ داخل العائلة

نيسان ـ القدس العربي ـ نشر في 2026-10-16 الساعة 10:25

صدام حفتر على طريق خلافة والده…
نيسان ـ نسرين سليمان
لم تعد مسألة خلافة اللواء المتقاعد خليفة حفتر في شرق ليبيا مجرد تكهنات مرتبطة بتقدمه في العمر، بعدما تحوّلت التحركات المتسارعة لنجله صدام إلى مسار واضح لإعادة ترتيب مراكز القوة داخل المعسكر الشرقي، يجمع بين التعيينات العسكرية واللقاءات الدبلوماسية رفيعة المستوى، وحشد التأييد القبلي، وتوسيع النفوذ السياسي والاقتصادي. وهي خطوات تعكس مساعي لتأمين انتقال السلطة داخل العائلة، لكنها تثير في المقابل تساؤلات بشأن قدرة صدام على وراثة التحالفات التي بناها والده، ومدى استعداد أشقائه والقيادات العسكرية والقبلية للقبول به قائدًا للمرحلة المقبلة.
وتكتسب هذه الترتيبات أهمية خاصة مع بلوغ خليفة حفتر الثانية والثمانين من عمره، وتزايد حضور أبنائه في إدارة الملفات العسكرية والاقتصادية والسياسية، بما يجعل مستقبل شرق ليبيا مرتبطًا بموازين القوى داخل الأسرة نفسها، وبطبيعة التحالفات التي حافظت على تماسك معسكر حفتر منذ إطلاق عملية الكرامة عام 2014.
صناعة الوريث
شكّل الحادي عشر من أغسطس/آب 2025 محطة مفصلية في مسار صعود صدام حفتر، بعدما أصدر والده قرارًا بتعيينه نائبًا له، في خطوة منحته موقعًا متقدمًا داخل التسلسل القيادي للقوات المتمركزة في شرق ليبيا، وجعلته الأقرب مؤسسيًا إلى تولي مهام القيادة في حال غياب والده. وجاء التعيين ضمن حزمة تغييرات شملت إسناد رئاسة الأركان العامة إلى شقيقه خالد حفتر، ونقل عبد الرازق الناظوري إلى منصب مستشار الأمن القومي، بما أعاد توزيع الصلاحيات العسكرية بين الجيل القديم من القيادات وأبناء حفتر.
شكّل الحادي عشر من أغسطس/آب 2025 محطة مفصلية في مسار صعود صدام بعدما أصدر والده قرارًا بتعيينه نائبًا له
ولم تكن هذه التغييرات مجرد إعادة هيكلة إدارية، إذ تزامنت مع توسيع صلاحيات صدام، الذي سبق أن تولى قيادة تشكيلات عسكرية بارزة، بينها لواء طارق بن زياد، قبل أن يتحوّل تدريجيًا إلى أحد أبرز الوجوه المكلفة بإدارة الملفات العسكرية والأمنية والعلاقات الخارجية.
وتكشف طبيعة المناصب الجديدة عن محاولة لإضفاء طابع مؤسسي على انتقال النفوذ داخل العائلة، بدل ترك مسألة الخلافة رهينة التوازنات العسكرية والقبلية عند غياب الأب، وإن كانت هذه الخطوات لا تكفي وحدها لضمان انتقال سلس للسلطة.
الولاءات القبلية
لم يتوقف التحضير لصدام عند المؤسسة العسكرية، بل امتد إلى القاعدة الاجتماعية التي شكلت أحد أهم مصادر قوة والده، حيث تزامن تعيينه نائبًا للقائد مع احتفالات ولقاءات قبلية حملت رسائل تأييد واضحة للترتيبات الجديدة.
ففي الثامن عشر من أغسطس/آب 2025، شهدت مدينة سرت احتفالًا مؤيدًا لتعيين صدام، بمشاركة ممثلين عن المجلس الاجتماعي لقبائل سرت، إلى جانب مشايخ وأعيان ومسؤولين محليين، في خطوة عكست توجهًا لإظهار قبول اجتماعي بالقرار خارج مدينة بنغازي.
كما شهدت مراسم تنصيبه حضور شخصيات قبلية، أعقبتها لقاءات مع ممثلين عن قبائل أولاد سليمان والدرسة، فيما استقبل وفدًا من مشايخ قبائل أولاد علي المصرية قدموا لتهنئته بمنصبه الجديد.
وامتدت التحركات إلى الجنوب، حيث التقى في سبها ممثلين عن قبائل ومكوّنات اجتماعية بارزة، بينها القذاذفة والمقارحة والزيادين وأولاد بوسيف وورفلة والمشاشية، في إطار تعزيز العلاقات مع مناطق تمتلك وزنًا اجتماعيًا وعسكريًا مؤثرًا.
ورغم أن بعض مظاهر التأييد اتخذت طابعًا قريبًا من المبايعة السياسية، فإن البيانات المعلنة لا تثبت وجود مبايعة رسمية شاملة من هذه القبائل لصدام خليفةً لوالده، وإنما تؤكد وجود تأييد من وفود وقيادات قبلية لتعيينه وتوسيع دوره.
وتكمن أهمية هذه التحركات في أن ولاء القبائل لخليفة حفتر لم يتشكل دفعة واحدة، بل عبر سنوات من التحالفات الأمنية والسياسية وتوزيع النفوذ والمصالح. وبالتالي، فإن انتقال هذه الولاءات إلى نجله ليس مضمونًا، خصوصًا مع اختلاف مواقف الأعيان والقيادات المحلية داخل القبيلة الواحدة.
كما أن الجنوب الليبي، بما يشهده من تنافس بين التشكيلات المسلحة وتداخل المصالح القبلية والاقتصادية، يمثل اختبارًا إضافيًا لقدرة صدام على المحافظة على التحالفات التي أقامها والده.
حضور دولي
بالتوازي مع التحركات الداخلية، تصاعد حضور صدام حفتر على المستوى الدولي، بعدما تحوّل إلى واجهة رئيسية في اللقاءات مع مسؤولين غربيين وروس وعرب، في ما يبدو محاولة لتقديمه باعتباره أحد أبرز أصحاب القرار في شرق ليبيا.
ففي يناير/كانون الثاني 2026، أجرى مباحثات مع مسؤولين فرنسيين داخل قصر الإليزيه، قبل أن تتوسع اتصالاته مع باريس خلال الأشهر التالية.
وفي يونيو/حزيران، التقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن، بحضور مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، لبحث المبادرة الأمريكية المتعلقة بالأزمة الليبية، وإمكانية توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية.
تصاعد حضور صدام حفتر على المستوى الدولي، بعدما تحوّل إلى واجهة رئيسية في اللقاءات مع مسؤولين غربيين وروس وعرب
كما زار موسكو في أغسطس/آب، والتقى وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف، في إطار مناقشة التعاون العسكري والأمني، بما يعكس حرص معسكر حفتر على المحافظة على قنوات التواصل مع القوى الدولية المتنافسة على النفوذ في ليبيا.
ويمنح هذا الحضور صدام مساحة أكبر للتحرك بعيدًا عن الدور التقليدي للقائد العسكري، ويتيح له بناء شبكة علاقات مباشرة مع أطراف كانت تتعامل في السابق بصورة أساسية مع والده.
غير أن هذه اللقاءات لا تعني بالضرورة حصوله على اعتراف دولي بخلافة حفتر، إذ ترتبط أيضًا بمصالح تلك الدول الأمنية والسياسية، وحاجتها للتواصل مع الشخصيات المؤثرة في موازين القوى القائمة.
صراع الأشقاء
رغم تقدم صدام في الترتيبات العسكرية والدبلوماسية، فإن توزيع النفوذ داخل عائلة حفتر يكشف عن مراكز قوة أخرى يمكن أن تتحوّل إلى مصادر تنافس خلال المرحلة المقبلة.
فشقيقه خالد يتولى رئاسة الأركان العامة، وهو موقع يمنحه حضورًا مهمًا داخل المؤسسة العسكرية وعلاقات مباشرة مع القيادات والوحدات التابعة لها، بينما يشرف بلقاسم حفتر على صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يدير مشروعات بمليارات الدنانير، بما يمنحه نفوذًا اقتصاديًا وعلاقات واسعة مع الشركات والمقاولين والجهات المحلية.
ويعكس هذا التوزيع نموذجًا تتداخل فيه السلطة العسكرية مع الموارد الاقتصادية والمواقع السياسية، بحيث يحتفظ كل شقيق بمساحة نفوذ ترتبط بمؤسسات وأشخاص ومصالح مختلفة.
رغم تقدم صدام في الترتيبات العسكرية والدبلوماسية، فإن توزيع النفوذ داخل عائلة حفتر يكشف عن مراكز قوة أخرى يمكن أن تتحوّل إلى مصادر تنافس
وقد تحدثت تقارير صحافية عن تباينات بين صدام وشقيقيه خالد وبلقاسم بشأن بعض الخيارات السياسية وتوزيع الصلاحيات، خصوصًا مع اتساع دور صدام في إدارة الاتصالات الخارجية، والتدخل في إعادة تشكيل التوازنات السياسية شرق البلاد.
وتكمن خطورة هذه التباينات في أن استمرار حضور الأب يوفر مرجعية مشتركة لحسم الخلافات، بينما قد يؤدي غيابه إلى إعادة فتح النقاش بشأن توزيع السلطة والموارد وقيادة الوحدات المسلحة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن صراع عسكري وشيك بين الأشقاء يظل سابقًا لأوانه، في ظل غياب مؤشرات موثقة على انقسام مباشر للقوات بين أفراد الأسرة.
إزاحة عقيلة
أضافت التطورات الأخيرة داخل مجلس النواب بعدًا سياسيًا جديدًا لترتيبات الخلافة، بعدما شهدت بنغازي في السادس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري انتخاب هيئة رئاسة جديدة، في خطوة أنهت، وفقًا للقائمين عليها، رئاسة عقيلة صالح للمجلس.
وجاءت هذه التطورات وسط تقارير تحدثت عن دور لصدام حفتر في دعم التحركات الرامية إلى تغيير رئاسة البرلمان، بما يعكس اتساع تدخله في الملفات السياسية التي ظلت لسنوات مرتبطة بعلاقات والده مع المؤسسات القائمة في الشرق.
يكتسب إبعاد عقيلة صالح أهمية خاصة باعتباره أحد أبرز الحلفاء السياسيين لحفتر منذ عام 2014، فضلًا عن تمتعه بعلاقات قبلية واسعة في الشرق
ويكتسب إبعاد عقيلة صالح أهمية خاصة باعتباره أحد أبرز الحلفاء السياسيين لحفتر منذ عام 2014، فضلًا عن تمتعه بعلاقات قبلية واسعة في الشرق، وصلات إقليمية مؤثرة، خصوصًا مع مصر.
كما أن استمرار صالح في موقعه كان يمنحه قدرة على التأثير في التشريعات والتفاهمات السياسية المتعلقة بمستقبل السلطة، بما في ذلك أي ترتيبات قد تمس موقع عائلة حفتر داخل المؤسسات.
لكن انتخاب رئاسة جديدة أثار اعتراضات وطعونًا قانونية، وفتح مواجهة بشأن شرعية الإجراءات والنصاب المطلوب، في ظل استمرار الانقسام القضائي والمؤسسي.
وبذلك، فإن محاولة إعادة تشكيل البرلمان قد تمنح صدام مجالًا أوسع للتأثير السياسي، لكنها تحمل أيضًا مخاطر توسيع الانقسامات داخل المعسكر الشرقي، خاصة إذا تحولت الخلافات بين القيادات السياسية والقبلية إلى اصطفافات متنافسة.
حسابات التسوية
تتداخل ترتيبات الخلافة كذلك مع التحركات الأمريكية لإيجاد تسوية بين شرق ليبيا وغربها، في وقت برز فيه صدام ضمن الاتصالات المرتبطة بالمبادرة التي يقودها مسعد بولس.
وتحدثت تقارير عن تصورات غير معلنة لتقاسم المواقع التنفيذية بين المعسكرين، تتضمّن احتمال إسناد موقع رئاسي لصدام مقابل استمرار نفوذ معسكر عبد الحميد الدبيبة داخل الحكومة.
غير أن هذه التصورات لم تتحوّل إلى اتفاق رسمي، ولا تزال تواجه إشكاليات تتعلق بالشرعية الدستورية، ومواقف الأطراف السياسية والعسكرية، ومستقبل الانتخابات.
وتبرز هنا معضلة أساسية، إذ إن انتقال صدام من موقع القيادة العسكرية إلى موقع سياسي وطني يتطلب توافقات تتجاوز مناطق نفوذ والده، كما يثير تساؤلات بشأن إمكانية إدماج قوات الشرق في مؤسسة عسكرية موحدة دون الإبقاء على مراكز القوة القائمة.
مستقبل الخلافة
تكشف مجمل هذه التحركات أن إعداد صدام حفتر يجري عبر مسارات متوازية، تبدأ بتثبيت موقعه العسكري، وتمر بتوسيع حضوره القبلي والدبلوماسي، وصولًا إلى التأثير في إعادة تشكيل المؤسسات السياسية.
لكن نجاح ترتيبات الخلافة يظل مرتبطًا بعوامل لا يمكن حسمها بالتعيينات وحدها، أبرزها استمرار ولاء القيادات المسلحة، ومواقف القبائل، وتوازن المصالح بين الأشقاء، فضلًا عن الحسابات الإقليمية والدولية.
نجاح ترتيبات الخلافة يظل مرتبطًا بعوامل لا يمكن حسمها بالتعيينات وحدها، أبرزها استمرار ولاء القيادات المسلحة، ومواقف القبائل، وتوازن المصالح
فبينما يستند خليفة حفتر إلى شبكة علاقات بناها خلال أكثر من عقد من الصراعات والتحالفات، لا يزال صدام في مرحلة تحويل النفوذ الموروث إلى سلطة تستند إلى موقعه الشخصي وقدرته على إدارة التوازنات.
وفي بلد لا تزال مؤسساته منقسمة، ويواجه مساره الانتخابي عقبات سياسية وقانونية، قد تتحول مسألة الخلافة في شرق ليبيا من شأن عائلي إلى عامل جديد في إعادة رسم خريطة السلطة.
وهكذا، فإن السؤال لم يعد مقتصرًا على ما إذا كان صدام يجري إعداده لخلافة والده، بقدر ما يتعلق بمدى قدرة التحالفات العسكرية والقبلية والسياسية التي يستند إليها معسكر حفتر على الاستمرار تحت قيادة جديدة، وما إذا كان انتقال السلطة سيحافظ على التوازن القائم، أم سيفتح الباب أمام منافسات داخلية تعيد تشكيل المشهد في شرق البلاد.

نيسان ـ القدس العربي ـ نشر في 2026-10-16 الساعة 10:25

الكلمات الأكثر بحثاً