المال ينتصر
نيسان ـ نشر في 2026-10-18 الساعة 11:03
نيسان ـ المضيق مفتوح، وتم تطهيره من الألغام - الرئيس ترامب.
لقد قلبت الحرب الأمريكية الإيرانية كثيرًا من المفاهيم الراسخة، وفي مقدمتها العقيدة الأمنية التي تفترض أن نشر حاملات طائرات تعمل بالطاقة النووية، محمّلة بعشرات الطائرات القتالية ومزوّدة بأحدث الصواريخ، كفيل بفرض الأمن وضمان انسياب حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز بيسر وسلام. لكن كل هذا التفوق العسكري قد يتبدد أمام طائرة مسيّرة، أو صاروخ، أو زورق مسيّر، أو حتى لغم بحري. فالواقع القائم على الأرض يقول إن مضيق هرمز مغلق وإن طهران هي التي تسمح بمرور السفن أو تمنعه وفقًا لشروطها.
أمام هذا الواقع، وجدت السفن التجارية نفسها أمام خيارين: إما أن تصدّق الرواية الأمريكية التي تؤكد أن البوارج الأمريكية قادرة على تأمين عبورها الآمن عبر المضيق، وإما أن تتعامل مع الرواية الإيرانية التي تشترط الحصول على إذن مسبق من طهران ودفع رسوم العبور.
في بادئ الأمر، صدّقت السفن التجارية الادعاء الأمريكي، وراهنت على قدرة البحرية الأمريكية على حمايتها وتأمين مرورها. لكن تعرّضها للصواريخ والمسيّرات الإيرانية دفعها إلى إعادة حساباتها. وحفاظًا على سفنها وبضائعها وطواقمها، قررت التعامل مباشرة مع طهران، فتواصلت مع إيران، واعتذرت لها عن تجاوزاتها، وبدأت تتكيّف بهدوء مع الحقائق المفروضة على الأرض، وفي مقدمتها أنه لا مفر من التعامل مع طهران إذا أرادت عبور المضيق.
وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: تنفق الولايات المتحدة يوميًا مليارات الدولارات على حاملات طائراتها ووجودها العسكري، فتستنزف خزائنها من أجل استعراض القوة وفرض هيبتها، في حين تجني إيران ملايين الدولارات من رسوم عبور السفن التجارية.
فالولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري ضخم في المنطقة، وتتحمل من أجله نفقات هائلة تشمل أعمال الصيانة، والكوادر، والعمليات والدورات القتالية، والتزوّد بالوقود جوًا. ومع ذلك، فإن هذا الحضور العسكري الهائل لا يمكّنها من السيطرة على الجغرافيا، بينما تفرض القوى المحلية قواعدها على أرض الواقع، سواء في مضيق هرمز أو، اليوم، في باب المندب.
وتتحمل الخزينة الأمريكية هذه النفقات الباهظة التي تسهم بدورها في تفاقم الدين العام، من دون أن يكون هناك سبيل إلى استردادها. وربما لو أنفقت الولايات المتحدة بضعة ملايين من الدولارات على اتفاقيات مع إيران أو الحوثي، وأفرجت عن جزء من الأصول الإيرانية المجمّدة، لكان ذلك كفيلًا بوقف جانب كبير من هذا الاستنزاف.
وبينما تصدر الولايات المتحدة قرارات صارمة بشأن حرية الملاحة، وتدفع باتجاه مذكرات ومواقف دولية تدين إيران، يبقى صاروخ واحد أو طائرة مسيّرة واحدة قادرًا على إفشال كل هذه الجهود وتقويض أثر تلك القرارات على أرض الواقع.
وفي الجانب الآخر من المعادلة، يتجه معظم النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز نحو الشرق. وهذه الدول لا يعنيها كثيرًا من يسيطر على المضيق بقدر ما يعنيها أن يستمر النفط في الوصول إلى أسواقها من دون انقطاع. فقرارها براغماتي محض: الجهة التي تفرض سيطرتها الفعلية على المضيق هي الجهة التي ستتعامل معها، بغض النظر عن هويتها، ما دامت تضمن استمرار تدفق الإمدادات.
ولا تقتصر هذه البراغماتية على مسألة عبور النفط والسفن، بل تمتد إلى بناء أنظمة دفع موازية تعمل بعيدًا عن النظام المالي الذي تتربع الولايات المتحدة على قمته. فالدول التي تبحث عن أمن تجارتها وإمداداتها لا تبني قراراتها بالضرورة على الولاءات السياسية أو الشعارات، بل على المصالح والوقائع والقدرة الفعلية على ضمان استمرار التجارة.
مع ذلك، لا يزال العقل الإمبريالي أسير فكرة أن القوة المطلقة قادرة على حل كل المشكلات. وبينما ينشغل الخبراء بمناقشة أفضل السبل لمعاقبة إيران وخنقها ومحوها، وتُستهلك الطاقات في صياغة القرارات والعقوبات والتهديدات، تواصل السفن، بكل بساطة، دفع الرسوم لعبور المضيق.
لقد قلبت الحرب الأمريكية الإيرانية كثيرًا من المفاهيم الراسخة، وفي مقدمتها العقيدة الأمنية التي تفترض أن نشر حاملات طائرات تعمل بالطاقة النووية، محمّلة بعشرات الطائرات القتالية ومزوّدة بأحدث الصواريخ، كفيل بفرض الأمن وضمان انسياب حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز بيسر وسلام. لكن كل هذا التفوق العسكري قد يتبدد أمام طائرة مسيّرة، أو صاروخ، أو زورق مسيّر، أو حتى لغم بحري. فالواقع القائم على الأرض يقول إن مضيق هرمز مغلق وإن طهران هي التي تسمح بمرور السفن أو تمنعه وفقًا لشروطها.
أمام هذا الواقع، وجدت السفن التجارية نفسها أمام خيارين: إما أن تصدّق الرواية الأمريكية التي تؤكد أن البوارج الأمريكية قادرة على تأمين عبورها الآمن عبر المضيق، وإما أن تتعامل مع الرواية الإيرانية التي تشترط الحصول على إذن مسبق من طهران ودفع رسوم العبور.
في بادئ الأمر، صدّقت السفن التجارية الادعاء الأمريكي، وراهنت على قدرة البحرية الأمريكية على حمايتها وتأمين مرورها. لكن تعرّضها للصواريخ والمسيّرات الإيرانية دفعها إلى إعادة حساباتها. وحفاظًا على سفنها وبضائعها وطواقمها، قررت التعامل مباشرة مع طهران، فتواصلت مع إيران، واعتذرت لها عن تجاوزاتها، وبدأت تتكيّف بهدوء مع الحقائق المفروضة على الأرض، وفي مقدمتها أنه لا مفر من التعامل مع طهران إذا أرادت عبور المضيق.
وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: تنفق الولايات المتحدة يوميًا مليارات الدولارات على حاملات طائراتها ووجودها العسكري، فتستنزف خزائنها من أجل استعراض القوة وفرض هيبتها، في حين تجني إيران ملايين الدولارات من رسوم عبور السفن التجارية.
فالولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري ضخم في المنطقة، وتتحمل من أجله نفقات هائلة تشمل أعمال الصيانة، والكوادر، والعمليات والدورات القتالية، والتزوّد بالوقود جوًا. ومع ذلك، فإن هذا الحضور العسكري الهائل لا يمكّنها من السيطرة على الجغرافيا، بينما تفرض القوى المحلية قواعدها على أرض الواقع، سواء في مضيق هرمز أو، اليوم، في باب المندب.
وتتحمل الخزينة الأمريكية هذه النفقات الباهظة التي تسهم بدورها في تفاقم الدين العام، من دون أن يكون هناك سبيل إلى استردادها. وربما لو أنفقت الولايات المتحدة بضعة ملايين من الدولارات على اتفاقيات مع إيران أو الحوثي، وأفرجت عن جزء من الأصول الإيرانية المجمّدة، لكان ذلك كفيلًا بوقف جانب كبير من هذا الاستنزاف.
وبينما تصدر الولايات المتحدة قرارات صارمة بشأن حرية الملاحة، وتدفع باتجاه مذكرات ومواقف دولية تدين إيران، يبقى صاروخ واحد أو طائرة مسيّرة واحدة قادرًا على إفشال كل هذه الجهود وتقويض أثر تلك القرارات على أرض الواقع.
وفي الجانب الآخر من المعادلة، يتجه معظم النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز نحو الشرق. وهذه الدول لا يعنيها كثيرًا من يسيطر على المضيق بقدر ما يعنيها أن يستمر النفط في الوصول إلى أسواقها من دون انقطاع. فقرارها براغماتي محض: الجهة التي تفرض سيطرتها الفعلية على المضيق هي الجهة التي ستتعامل معها، بغض النظر عن هويتها، ما دامت تضمن استمرار تدفق الإمدادات.
ولا تقتصر هذه البراغماتية على مسألة عبور النفط والسفن، بل تمتد إلى بناء أنظمة دفع موازية تعمل بعيدًا عن النظام المالي الذي تتربع الولايات المتحدة على قمته. فالدول التي تبحث عن أمن تجارتها وإمداداتها لا تبني قراراتها بالضرورة على الولاءات السياسية أو الشعارات، بل على المصالح والوقائع والقدرة الفعلية على ضمان استمرار التجارة.
مع ذلك، لا يزال العقل الإمبريالي أسير فكرة أن القوة المطلقة قادرة على حل كل المشكلات. وبينما ينشغل الخبراء بمناقشة أفضل السبل لمعاقبة إيران وخنقها ومحوها، وتُستهلك الطاقات في صياغة القرارات والعقوبات والتهديدات، تواصل السفن، بكل بساطة، دفع الرسوم لعبور المضيق.
نيسان ـ نشر في 2026-10-18 الساعة 11:03
رأي: اسماعيل الشريف


