حرب أشباه الموصلات.. صراع على المستقبل
نيسان ـ نشر في 2026-10-18 الساعة 13:12
نيسان ـ قد لا يتجاوز قطر قرص السيليكون المستخدم في صناعة أشباه الموصلات 12 بوصة، لكنه يشكّل أساسا لتكنولوجيا تؤثر في الاقتصاد العالمي، وتعيد تشكيل موازين القوة، وتدخل في صميم الحروب الحديثة. فمن الهواتف الذكية والسيارات إلى مراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي والصواريخ الدقيقة، أصبحت الرقائق الإلكترونية أصولًا استراتيجية تتجاوز قيمتها حدود الصناعة والتجارة.
وتُعدّ رقائق السيليكون حجر الزاوية والركيزة الأساسية لصناعة أشباه الموصلات؛ إذ تُبنى على سطحها الدوائر الإلكترونية الدقيقة عبر عمليات تصنيع معقدة، قبل تقطيعها إلى شرائح تدخل في إنتاج المعالجات والذاكرة وغيرها من المكونات. وتكمن أهميتها في موقعها ضمن سلسلة إمداد عالمية تتطلب معدات متخصصة ومواد فائقة النقاء وخبرات متقدمة.
الأرقام تعكس حجم الرهانات المرتبطة بهذه الصناعة؛ إذ توقعت منظمة إحصاءات تجارة أشباه الموصلات العالمية (WSTS) أن تبلغ قيمة السوق العالمي نحو 1.51 تريليون دولار في نهاية عام 2026، مدفوعة بالطلب المتزايد على رقائق الذاكرة والذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة. وفي المقابل، يُقدّر سوق رقائق السيليكون المستخدمة في التصنيع بنحو 14.3 مليار دولار في العام نفسه، وفق توقعات منشورة عن مؤسسة SEMI، وهو سوق مختلف عن سوق أشباه الموصلات النهائية.
في قلب هذا المشهد، يحتدم التنافس بين الولايات المتحدة والصين على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة وتقليل الاعتماد على الخارج. ولم تعد المعركة مقتصرة على تصميم الرقائق وتصنيعها، بل امتدت إلى التحكم في المعدات والمواد والبرمجيات وسلاسل الإمداد. كما تكتسب تايوان أهمية استراتيجية استثنائية بفضل الدور المحوري لشركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» (TSMC) في تصنيع الرقائق المتقدمة، ما يجعل استقرار إنتاجها مسألة تتجاوز حدود الجزيرة إلى الاقتصاد العالمي.
المؤرخ الاقتصادي الأميركي كريس ميلر تناول هذه التحولات في كتابه «حرب الرقائق: الصراع على أهم تكنولوجيا في العالم»، الصادر عام 2022، متتبعًا تطور الصناعة منذ ارتباطها بالاحتياجات العسكرية خلال الحرب الباردة، وصولًا إلى التنافس التكنولوجي الراهن. ويكشف الكتاب كيف تحولت الرقائق من مكونات إلكترونية صغيرة إلى أدوات مؤثرة في القوة الاقتصادية والأمن القومي والتفوق العسكري.
إن التحدي لا يقتصر على القوى الكبرى؛ فالدول العربية مطالبة بدراسة موقعها في الاقتصاد التكنولوجي، عبر الاستثمار في الكفاءات والبحث والتطوير ومراكز البيانات، وتنويع مصادر التوريد، واستكشاف فرص تصميم الرقائق وتغليفها واختبارها.
الخلاصة هي أن المعركة على الرقائق، في جوهرها، معركة على القدرة على الابتكار والإنتاج والتسليح والتحكم في البنية التحتية للاقتصاد الرقمي. لا بل صراع على من يمتلك مفاتيح المستقبل، ومن يكتفي باستخدامها.
* كاتب متخصص في السياسة السيبرانية
الدستور
وتُعدّ رقائق السيليكون حجر الزاوية والركيزة الأساسية لصناعة أشباه الموصلات؛ إذ تُبنى على سطحها الدوائر الإلكترونية الدقيقة عبر عمليات تصنيع معقدة، قبل تقطيعها إلى شرائح تدخل في إنتاج المعالجات والذاكرة وغيرها من المكونات. وتكمن أهميتها في موقعها ضمن سلسلة إمداد عالمية تتطلب معدات متخصصة ومواد فائقة النقاء وخبرات متقدمة.
الأرقام تعكس حجم الرهانات المرتبطة بهذه الصناعة؛ إذ توقعت منظمة إحصاءات تجارة أشباه الموصلات العالمية (WSTS) أن تبلغ قيمة السوق العالمي نحو 1.51 تريليون دولار في نهاية عام 2026، مدفوعة بالطلب المتزايد على رقائق الذاكرة والذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة. وفي المقابل، يُقدّر سوق رقائق السيليكون المستخدمة في التصنيع بنحو 14.3 مليار دولار في العام نفسه، وفق توقعات منشورة عن مؤسسة SEMI، وهو سوق مختلف عن سوق أشباه الموصلات النهائية.
في قلب هذا المشهد، يحتدم التنافس بين الولايات المتحدة والصين على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة وتقليل الاعتماد على الخارج. ولم تعد المعركة مقتصرة على تصميم الرقائق وتصنيعها، بل امتدت إلى التحكم في المعدات والمواد والبرمجيات وسلاسل الإمداد. كما تكتسب تايوان أهمية استراتيجية استثنائية بفضل الدور المحوري لشركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» (TSMC) في تصنيع الرقائق المتقدمة، ما يجعل استقرار إنتاجها مسألة تتجاوز حدود الجزيرة إلى الاقتصاد العالمي.
المؤرخ الاقتصادي الأميركي كريس ميلر تناول هذه التحولات في كتابه «حرب الرقائق: الصراع على أهم تكنولوجيا في العالم»، الصادر عام 2022، متتبعًا تطور الصناعة منذ ارتباطها بالاحتياجات العسكرية خلال الحرب الباردة، وصولًا إلى التنافس التكنولوجي الراهن. ويكشف الكتاب كيف تحولت الرقائق من مكونات إلكترونية صغيرة إلى أدوات مؤثرة في القوة الاقتصادية والأمن القومي والتفوق العسكري.
إن التحدي لا يقتصر على القوى الكبرى؛ فالدول العربية مطالبة بدراسة موقعها في الاقتصاد التكنولوجي، عبر الاستثمار في الكفاءات والبحث والتطوير ومراكز البيانات، وتنويع مصادر التوريد، واستكشاف فرص تصميم الرقائق وتغليفها واختبارها.
الخلاصة هي أن المعركة على الرقائق، في جوهرها، معركة على القدرة على الابتكار والإنتاج والتسليح والتحكم في البنية التحتية للاقتصاد الرقمي. لا بل صراع على من يمتلك مفاتيح المستقبل، ومن يكتفي باستخدامها.
* كاتب متخصص في السياسة السيبرانية
الدستور
نيسان ـ نشر في 2026-10-18 الساعة 13:12
رأي: د. خالد وليد محمود


