اتصل بنا
 

ازدواجية المعايير لدى خيرت فيلدرز.. لماذا لا يُطبَّق القانون على الجميع بالمقياس نفسه؟

نيسان ـ نشر في 2026-10-18 الساعة 13:14

نيسان ـ أثار زعيم حزب الحرية الهولندي (PVV) خيرت فيلدرز (Geert Wilders) جدلًا واسعًا بعد هجومه على الحكومة الهولندية بسبب شعارات مؤيدة للمقاومة الفلسطينية رُفعت خلال مظاهرة في ساحة الدام بأمستردام.
وقال فيلدرز في تعبير عن غضبه: "لم أعد أريد العيش في هولندا كهذه!".
لكن بعيدًا عن هذا الانفعال السياسي يبرز سؤال جوهري: لماذا يستنفر فيلدرز بهذه الحدة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل بينما لا يحظى حجم المعاناة الفلسطينية والاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بالاهتمام نفسه في خطابه السياسي؟
فيلدرز وإسرائيل.. انحياز سياسي واضح
لا يُخفي فيلدرز دعمه السياسي لإسرائيل وقد سبق له زيارة مستوطنات إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة في موقف يتعارض مع الانتقادات الدولية للتوسع الاستيطاني وانتهاك الحقوق الفلسطينية.
ومن هنا فإن رد فعله تجاه الشعارات المؤيدة للمقاومة يطرح تساؤلات بشأن مدى اتساق موقفه مع المبادئ القانونية التي يستند إليها.
إن الدعوة إلى تشديد القوانين دون ضوابط واضحة قد تفتح الباب أمام تقييد الاحتجاجات المشروعة وتحويل مكافحة الإرهاب إلى أداة تستهدف مواقف سياسية بعينها.فمن يريد مكافحة الإرهاب وتمجيده، عليه أن يطبق المعايير نفسها على الجميع بصرف النظر عن الجنسية أو الهوية أو التحالفات السياسية.
لا شك أن مكافحة معاداة السامية وحماية المدنيين مسؤوليتان أساسيتان في أي دولة ديمقراطية. لكن لا يجوز استخدام هذه المسؤولية لتهميش حقوق الفلسطينيين أو التعامل مع التضامن معهم باعتباره أمرًا مشبوهًا في حد ذاته.
وفي المقابل فإن دعم القضية الفلسطينية لا يعني الموافقة تلقائيًا على كل تصريح أو فعل يصدر عن أي حركة فلسطينية.
فثمة فرق بين التعبير عن موقف سياسي والتضامن مع قضية وطنية وتمجيد أعمال عنف قد تكون مجرّمة قانونًا وينبغي التعامل مع هذه المسائل وفق القانون والوقائع، بعيدًا عن الانتقائية السياسية.
ماذا عن إسرائيل والقانون الدولي؟
إذا كان فيلدرز يضع مكافحة الإرهاب في صدارة خطابه، فمن حقنا أن نسأل: لماذا لا تحتل مساءلة المسؤولين الإسرائيليين عن الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي المكانة نفسها في مواقفه السياسية؟
لقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وهذه المذكرات ليست أحكامًا نهائية بالإدانة، لكنها تعكس خطورة الاتهامات التي نظرت فيها المحكمة، وتؤكد أن المسؤولية القانونية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود التحالفات السياسية.
كذلك أثار حجم الدمار في قطاع غزة وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين والتهجير القسري والقيود المفروضة على المساعدات الإنسانية إدانات دولية وتحركات قانونية تستوجب المتابعة والمساءلة.
فإذا كان الدفاع عن العدالة الدولية مبدأً حقيقيًا فلا يمكن تجاهل هذه القضايا لمجرد أن المتهمين ينتمون إلى دولة حليفة.
إن القانون الدولي يفقد مصداقيته عندما يُطبَّق بصرامة على الخصوم بينما تُطلب الاستثناءات عندما يتعلق الأمر بالحلفاء.
حرية التعبير ليست حقًا انتقائيًا
تتحمل الدولة الديمقراطية مسؤولية مواجهة التهديدات والتمييز والتحريض على العنف لكنها تتحمل أيضًا مسؤولية حماية حرية التعبير والتظاهر.
إن الجدل حول مواقف فيلدرز يتجاوز مظاهرة في أمستردام أو تصريحًا داخل البرلمان الهولندي ليطرح سؤالًا أعمق بشأن المبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية الهولندية: هل تُطبَّق مبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون على الجميع أم تصبح خاضعة للحسابات السياسية والمصالح والتحالفات؟وهذه الحماية تشمل الأشخاص الذين يدافعون عن الحقوق الفلسطينية حتى عندما تتعارض مواقفهم مع توجهات الحكومة أو الأحزاب السياسية.
لذلك ينبغي تقييم الشعارات والمواقف التي تُرفع خلال المظاهرات وفق مضمونها وسياقها والقانون المعمول به لا استنادًا إلى الغضب السياسي وحده.
أما تحديد ما إذا كان تعبير معين يشكل جريمة فهو أمر يعود إلى السلطات المختصة والقضاء.
إن الدعوة إلى تشديد القوانين دون ضوابط واضحة قد تفتح الباب أمام تقييد الاحتجاجات المشروعة وتحويل مكافحة الإرهاب إلى أداة تستهدف مواقف سياسية بعينها.
المعيار الواحد هو أساس العدالة
إن الجدل حول مواقف فيلدرز يتجاوز مظاهرة في أمستردام أو تصريحًا داخل البرلمان الهولندي ليطرح سؤالًا أعمق بشأن المبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية الهولندية: هل تُطبَّق مبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون على الجميع أم تصبح خاضعة للحسابات السياسية والمصالح والتحالفات؟
من يريد مكافحة تمجيد الإرهاب عليه أن يدعم التحقيق في الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها أيًا كانت هويتهم.
ومن يريد حماية المدنيين عليه أن يدافع عن حياة جميع المدنيين دون تمييز. ومن يدافع عن العدالة الدولية لا يستطيع المطالبة باستثناءات سياسية عندما يتعلق الأمر بحلفائه.
يستطيع فيلدرز أن يتبنى موقفًا سياسيًا مؤيدًا لإسرائيل لكن هذا الموقف لا يعفيه من مسؤولية التعامل بجدية مع القانون الدولي ولا يمنحه الحق في تجاهل معاناة الفلسطينيين.
فإسرائيل لا ينبغي أن تكون استثناءً من العدالة كما لا ينبغي أن تصبح مكافحة الإرهاب مبررًا لازدواجية المعايير>
إن جوهر المسألة ليس الدفاع عن حركة سياسية بعينها بل التمسك بمبدأ واضح قانون واحد ومعايير واحدة ومساءلة لا تستثني أحدًا.
فحين تصبح العدالة انتقائية لا تكون الضحية الوحيدة هي الشعب الذي يتعرض للظلم بل تتضرر أيضًا مصداقية المؤسسات والديمقراطيات التي تدّعي الدفاع عن القانون وحقوق الإنسان.
*كاتب وخبير بالشؤون الأوروبية

عربي 21

نيسان ـ نشر في 2026-10-18 الساعة 13:14


رأي: أمين أبو راشد

الكلمات الأكثر بحثاً