جعفر حسان… مشكلة في الاستماع، وإدمان في العمل!
نيسان ـ نشر في 2026-10-19 الساعة 16:42
نيسان ـ علاقتي بالدكتور جعفر حسان ليست وليدة رئاسته للحكومة. فقد عرفته إبان عمله في الديوان الملكي، وكنت وقتها في جمعية إنتاج، ولم تكن علاقتنا يومها على ما يرام.
بصراحة، كنت أراه جافا، وربما كان هو يراني رجلاً لا يضع رأسه إلا حيث يقتنع، فلم أكن ممن يجيدون المجاملة أو ممن يكتفون بالاستماع وهز الرأس إعجاباً بكلام المسؤولين حتى وإن كان كلامهم «لزوم ما لا يلزم»، كنت وما زلت وسأبقى ثابتاً في مواقفي ومعتقداتي، فما أُدلي به في "القرايا"، هو نفسه الذي أتحدث به في "السرايا"، ومواقفي أمام العامة هي ذاتها أمام الخاصة وأصحاب الحظوة. لذلك لم تكن لقاءاتي مع جعفر حسان تترك لديّ انطباعاً إيجابياً، ولعلها كانت تترك الانطباع ذاته عنده!
ثم أصبح الرجل رئيساً للوزراء، ووجدت نفسي أراقبه من موقع مختلف. فتبين لي أن وراء الشخصية التي لم أرتح لها عقلية عمل لا تهدأ. فحسان "شغيل"، ويتابع التفاصيل، ويضغط على وزرائه، ولا يبدو أنه يمنحهم رفاهية تأجيل الملفات.
لكن مشكلته، كما أظن وليس كل الظن إثماً، أنه يتحدث أكثر مما يستمع. لديه ما يريد قوله وتنفيذه، وقد لا يترك دائماً مساحة كافية للآخرين. وربما لهذا السبب يحسب وزراؤه حساباً كبيراً لكل لقاء معه.
ومع أن الرجل يحكي أكثر مما يصغي، لكنه يقرن الكلام بالعمل، وهذه هي المفارقة في شخصيته: قد تختلف معه في أسلوبه، لكنك لا تستطيع اختزاله في انطباع شخصي أو خلاف قديم.
ورغم ذلك، فإن كثرة العمل ليست شهادة نجاح مكتملة، أو إطراءً غير مشروط، فالمهم أن تنعكس هذه الحركة إيجاباً على حياة الأردنيين، في فرص العمل والاقتصاد والخدمات ومستوى المعيشة. والأهم أن يعرف رئيس الحكومة أن الأخذ برأي غيره ليس ضعفاً، وأن الوزير الذي يناقشه ويخالفه الرأي قد يكون أكثر فائدة من وزير يوافق على كل شيء، فالقرار الجيد يحتاج إلى نقاش صريح قبل التنفيذ، لا إلى أحادية في الرأي وسرعة في التنفيذ، فلم يذبحنا سابقاً إلا "التبصيم"، حيث غابت المشورة، وكان "خلاف الرأي" مع الرئيس من المحرّمات، رغم أنه في الوضع الطبيعي أوجب الواجبات!
لست أكتب طمعاً في شيء من حطام الدنيا، ولست ممن يسيل لعابهم بحثاً عن منصب، إذ أُدرك كما يدرك غيري أن المناصب في وطني صارت مغرماً لا مغنماً، ولو أن يدي تمتد لتشتري سقط المتاع لقطعتها، لكنني أتحدث عن جانب في شخصية الرجل ربما يستحق الإشادة، وعلى أية حال، فإن مراجعة انطباعي ليست تراجعاً عن موقفي، وإنصافي لجانب في عمله لا يعني أنني صرت مروّجاً له، معجباً بعمله على الجملة! فالسياسة عدوّة "الشيك" الذي يُوقّع على بياض؛ السياسة أن أمدحك اليوم إن أجدت، وأنتقدك غداً إن أخفقت.
وعلى هذا الأساس، لا أقول إن جعفر حسان رئيس وزراء ناجح لمجرد أنه يعمل كثيراً، أو إنه مخطئ لأنني لم أرتح له على الصعيد الشخصي في ما مضى. كل ما أردت قوله إن لديه طاقة عمل واضحة، ستصبح أكثر وأعظم فائدة لو أنصت إلى غيره، أما الحكم النهائي فيبقى مناطاً بالنتائج، فلا قيمة لرئيس حكومة يكدّ في المكاتب إذا بقي المواطن يكدّ في طوابير الانتظار، ولا معنى لكل هذا العمل إن لم يتحول إلى راتب أفضل، وفرص عمل أكثر، وخدمة محترمة، وأسعار في المتناول.
يُحكى أن رجلين أُوكِل إليهما إصلاح طريق؛ أمضى الأول يومه في عقد الاجتماعات، وتفقّد الطريق مرات عدة، وإصدار التعليمات للعمال، ثم عاد في المساء متعباً، يروي كم بذل من جهد. أما الثاني، فدرس المشكلة، وحدّد موضع الخلل، واتخذ القرار المناسب، وتابع التنفيذ حتى انتهى العمل. وفي نهاية اليوم، كان الأول يملك قصة طويلة عن تعبه، بينما كان الثاني يملك طريقاً صالحاً للاستخدام.
ولعل هذه الحكاية تختصر المعيار الذي سيحدد مكانة جعفر حسان: ما يلمسه الأردني في جيبه وبيته وشارعه، لا ما يسمعه عن اجتماعاته وزياراته المفاجئة أو المعدّة مسبقاً، ولا ما يُقال عن عدد ساعات عمله. فإذا لم يرَ المواطن أثراً واضحاً لهذا الجهد، فسيصبح هشيما تذروه الرياح، أما النجاح الحقيقي، فلا يعلنه الرئيس ولا يكتبه المقرّبون، بل ما يشهد به الناس حين تتحسن حياتهم فعلاً، ويملكون طريقا آمنا وصالحا للاستخدام!
بصراحة، كنت أراه جافا، وربما كان هو يراني رجلاً لا يضع رأسه إلا حيث يقتنع، فلم أكن ممن يجيدون المجاملة أو ممن يكتفون بالاستماع وهز الرأس إعجاباً بكلام المسؤولين حتى وإن كان كلامهم «لزوم ما لا يلزم»، كنت وما زلت وسأبقى ثابتاً في مواقفي ومعتقداتي، فما أُدلي به في "القرايا"، هو نفسه الذي أتحدث به في "السرايا"، ومواقفي أمام العامة هي ذاتها أمام الخاصة وأصحاب الحظوة. لذلك لم تكن لقاءاتي مع جعفر حسان تترك لديّ انطباعاً إيجابياً، ولعلها كانت تترك الانطباع ذاته عنده!
ثم أصبح الرجل رئيساً للوزراء، ووجدت نفسي أراقبه من موقع مختلف. فتبين لي أن وراء الشخصية التي لم أرتح لها عقلية عمل لا تهدأ. فحسان "شغيل"، ويتابع التفاصيل، ويضغط على وزرائه، ولا يبدو أنه يمنحهم رفاهية تأجيل الملفات.
لكن مشكلته، كما أظن وليس كل الظن إثماً، أنه يتحدث أكثر مما يستمع. لديه ما يريد قوله وتنفيذه، وقد لا يترك دائماً مساحة كافية للآخرين. وربما لهذا السبب يحسب وزراؤه حساباً كبيراً لكل لقاء معه.
ومع أن الرجل يحكي أكثر مما يصغي، لكنه يقرن الكلام بالعمل، وهذه هي المفارقة في شخصيته: قد تختلف معه في أسلوبه، لكنك لا تستطيع اختزاله في انطباع شخصي أو خلاف قديم.
ورغم ذلك، فإن كثرة العمل ليست شهادة نجاح مكتملة، أو إطراءً غير مشروط، فالمهم أن تنعكس هذه الحركة إيجاباً على حياة الأردنيين، في فرص العمل والاقتصاد والخدمات ومستوى المعيشة. والأهم أن يعرف رئيس الحكومة أن الأخذ برأي غيره ليس ضعفاً، وأن الوزير الذي يناقشه ويخالفه الرأي قد يكون أكثر فائدة من وزير يوافق على كل شيء، فالقرار الجيد يحتاج إلى نقاش صريح قبل التنفيذ، لا إلى أحادية في الرأي وسرعة في التنفيذ، فلم يذبحنا سابقاً إلا "التبصيم"، حيث غابت المشورة، وكان "خلاف الرأي" مع الرئيس من المحرّمات، رغم أنه في الوضع الطبيعي أوجب الواجبات!
لست أكتب طمعاً في شيء من حطام الدنيا، ولست ممن يسيل لعابهم بحثاً عن منصب، إذ أُدرك كما يدرك غيري أن المناصب في وطني صارت مغرماً لا مغنماً، ولو أن يدي تمتد لتشتري سقط المتاع لقطعتها، لكنني أتحدث عن جانب في شخصية الرجل ربما يستحق الإشادة، وعلى أية حال، فإن مراجعة انطباعي ليست تراجعاً عن موقفي، وإنصافي لجانب في عمله لا يعني أنني صرت مروّجاً له، معجباً بعمله على الجملة! فالسياسة عدوّة "الشيك" الذي يُوقّع على بياض؛ السياسة أن أمدحك اليوم إن أجدت، وأنتقدك غداً إن أخفقت.
وعلى هذا الأساس، لا أقول إن جعفر حسان رئيس وزراء ناجح لمجرد أنه يعمل كثيراً، أو إنه مخطئ لأنني لم أرتح له على الصعيد الشخصي في ما مضى. كل ما أردت قوله إن لديه طاقة عمل واضحة، ستصبح أكثر وأعظم فائدة لو أنصت إلى غيره، أما الحكم النهائي فيبقى مناطاً بالنتائج، فلا قيمة لرئيس حكومة يكدّ في المكاتب إذا بقي المواطن يكدّ في طوابير الانتظار، ولا معنى لكل هذا العمل إن لم يتحول إلى راتب أفضل، وفرص عمل أكثر، وخدمة محترمة، وأسعار في المتناول.
يُحكى أن رجلين أُوكِل إليهما إصلاح طريق؛ أمضى الأول يومه في عقد الاجتماعات، وتفقّد الطريق مرات عدة، وإصدار التعليمات للعمال، ثم عاد في المساء متعباً، يروي كم بذل من جهد. أما الثاني، فدرس المشكلة، وحدّد موضع الخلل، واتخذ القرار المناسب، وتابع التنفيذ حتى انتهى العمل. وفي نهاية اليوم، كان الأول يملك قصة طويلة عن تعبه، بينما كان الثاني يملك طريقاً صالحاً للاستخدام.
ولعل هذه الحكاية تختصر المعيار الذي سيحدد مكانة جعفر حسان: ما يلمسه الأردني في جيبه وبيته وشارعه، لا ما يسمعه عن اجتماعاته وزياراته المفاجئة أو المعدّة مسبقاً، ولا ما يُقال عن عدد ساعات عمله. فإذا لم يرَ المواطن أثراً واضحاً لهذا الجهد، فسيصبح هشيما تذروه الرياح، أما النجاح الحقيقي، فلا يعلنه الرئيس ولا يكتبه المقرّبون، بل ما يشهد به الناس حين تتحسن حياتهم فعلاً، ويملكون طريقا آمنا وصالحا للاستخدام!
نيسان ـ نشر في 2026-10-19 الساعة 16:42
رأي: بشار الحوامدة


