ابتكار علمي يعيد رسم مستقبل تكرير النفط
نيسان ـ نشر في 2026-10-23 الساعة 14:01
نيسان ـ تقنية جديدة تفصل مكونات النفط الخام في درجة حرارة الغرفة، وتستفيد من الترسّبات النفطية نفسها لتكوين قنوات دقيقة تميّز بين الجزيئات الخفيفة والثقيلة، مع إمكانية خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتكاليف التشغيل.
في اكتشاف علمي قد يغيّر بعض أساليب تكرير النفط، نجح فريق دولي من الباحثين في تطوير غشاء بسيط ومنخفض التكلفة يمكنه فصل أجزاء من النفط الخام عند درجة حرارة الغرفة، دون الحاجة إلى تسخينه، في خطوة قد تسهم في تقليل استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية في قطاع التكرير والصناعات البتروكيماوية.
وتعتمد التقنية الجديدة على مبدأ غير تقليدي، إذ تستفيد من الترسّبات التي تتراكم داخل الغشاء أثناء مرور النفط عبره، لتحويلها من مشكلة تشغيلية معروفة إلى وسيلة تساعد على فصل مكونات النفط بحسب أحجام جزيئاتها.
تعتمد مصافي النفط حول العالم منذ أكثر من قرن على عملية التقطير، التي تتطلب تسخين النفط الخام إلى درجات حرارة تتجاوز 350 درجة مئوية، لتحويله إلى أبخرة تُبرّد لاحقاً من أجل فصل مكوناته المختلفة.
وتستهلك هذه العملية نحو 1100 تيراواط/ساعة من الطاقة سنوياً على مستوى العالم، وهي كمية تعادل تقريباً الإنتاج السنوي لـ130 محطة نووية بقدرة غيغاواط واحدة لكل منها، تعمل بصورة متواصلة.
لكن المحاكاة الحاسوبية التي أجراها الباحثون أظهرت أن استخدام الغشاء الجديد لمعالجة النفط الخام قبل إخضاعه للتقطير التقليدي يمكن أن يحقق نتائج لافتة، تشمل خفض استهلاك الطاقة بنسبة 31.6%، وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 37.6%، وخفض استهلاك مياه التبريد بنسبة 20.7%، إلى جانب تقليص تكاليف التشغيل بنسبة 36%.
وقد تسهم هذه الوفورات، إذا تحققت على نطاق صناعي، في تخفيف الأعباء التشغيلية على المصافي، بما قد ينعكس على تكاليف إنتاج الوقود والمواد الخام المستخدمة في صناعة البلاستيك والتغليف والمنسوجات وغيرها من المنتجات اليومية.
ونُشرت الدراسة في مجلة "نيتشر" العلمية في 24 يونيو 2026، بقيادة البروفيسور دونغ يون كو من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (KAIST)، بالتعاون مع فريق البروفيسور رايان ليفلي في معهد جورجيا للتكنولوجيا بالولايات المتحدة.
تصاميم تقليدية
تكمن أبرز مزايا الابتكار في اعتماده على غشاء مصنوع من بوليمر «بولي أكريلونيتريل» (PAN)، وهو مادة منخفضة التكلفة ومستقرة كيميائياً، تُستخدم على نطاق واسع في الأغشية الصناعية.
وعلى خلاف التصاميم التقليدية التي تتطلب طبقات سطحية فائقة الرقة، يصعب تصنيعها دون عيوب على نطاق واسع، استخدم الباحثون الغشاء المسامي من دون إضافة طبقات طلاء خاصة، ومرّروا النفط الخام عبره لاختبار قدرته على فصل مكوناته.
وخلال هذه العملية، ترسّبت الهيدروكربونات الثقيلة بصورة انتقائية على جدران المسام، ما أدى تدريجياً إلى تضييق فتحاتها وتكوين قنوات فصل يقل قطرها عن نانومترين.
وأتاحت هذه القنوات مرور المكونات الأخف، مثل النافثا والبنزين والكيروسين، بسرعة، في حين احتجزت المكونات الأثقل، ما مكّن الغشاء من أداء وظيفة الفصل اعتماداً على التغيرات التي تحدث داخله بصورة تلقائية.
والمفارقة أن هذه الترسّبات تُعرف عادةً باسم «تلوث الأغشية»، وهي مشكلة تؤدي في كثير من التطبيقات الصناعية إلى تراجع الأداء والحاجة إلى التنظيف والصيانة. إلا أن الباحثين نجحوا في توظيف الظاهرة نفسها لتكوين مسارات دقيقة تساعد على الفصل الانتقائي للجزيئات.
وقال البروفيسور دونغ يون كو إن الدراسة تكشف مبدأ علمياً جديداً، يتفاعل فيه الغشاء مع خليط معقد ليكوّن تلقائياً قنوات الفصل الخاصة به. وأضاف أن استخدام نفط خام حقيقي، وفّرته شركة «إتش دي هيونداي أويل بنك» الكورية، أتاح اختبار التقنية في ظروف أقرب إلى التشغيل الصناعي الفعلي.
أغشية متطورة
أظهرت الاختبارات أن الغشاء غير المطلي حقق معدلات نفاذية للنفط الخام تفوق بنحو 23 مرة ما سجلته أغشية متطورة أخرى سبق الإبلاغ عنها في الأبحاث العلمية.
كما حافظ على أداء مستقر لمدة 28 يوماً متواصلة، وهي نتيجة تعزز أهمية مواصلة اختبار التقنية للتحقق من قدرتها على العمل بكفاءة في الظروف الصناعية طويلة الأمد.
ويرى الباحثون أن إمكانية دمج الغشاء في المصافي القائمة، من خلال وحدات ترشيح معيارية، قد تسهّل اعتماده مستقبلاً، إذ لا يتطلب بالضرورة استبدال المعدات الرئيسية أو إجراء تغييرات جذرية في البنية التحتية للمصافي.
وقال البروفيسور رايان ليفلي إن انخفاض إنتاجية وحدات الأغشية كان من أبرز التحديات التي أعاقت استخدامها في فصل النفط الخام، مشيراً إلى أن آلية الفصل الجديدة ترفع الإنتاجية بصورة كبيرة، بما يجعل التقنية جديرة باهتمام القطاع الصناعي.
خفض التكاليف
لا تقتصر أهمية الابتكار على خفض التكاليف، إذ يُعد التقطير من أبرز مصادر استهلاك الطاقة وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في قطاع تكرير النفط.
وبحسب تقديرات الباحثين، فإن تطبيق التقنية على نطاق واسع في قطاعي التكرير والبتروكيماويات في كوريا الجنوبية قد يسهم في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنحو 10 ملايين طن متري سنوياً، وهي كمية تعادل تقريباً الانبعاثات السنوية لأربعة ملايين سيارة تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي.
ومع ذلك، تظل هذه الأرقام تقديرات تستند إلى نماذج المحاكاة وسيناريوهات التطبيق المحتملة، وليست وفورات تحققت بالفعل على مستوى القطاع بأكمله.
وأوضح الدكتوران جيهون تشوي وهيونغ جون سيو، الباحثان المشاركان في قيادة الدراسة من معهد «KAIST»، أن الخطوة المقبلة تتمثل في التحكم الدقيق في ظاهرة تضييق المسام التلقائية، وتطويرها إلى منصة للأغشية يمكن استخدامها في مراحل مختلفة من عمليات التكرير.
منصة جديدة
ويفتح الابتكار المجال أمام تطبيقات محتملة تتجاوز تكرير النفط الخام، إذ يدرس الباحثون إمكانية استخدام المنصة الجديدة في تنقية الزيت الناتج عن التحلل الحراري للنفايات البلاستيكية، وهي عملية تُستخدم لتفكيك البلاستيك بالحرارة واستعادة مواد يمكن الاستفادة منها.
كما تشمل التطبيقات المحتملة استعادة المذيبات المستخدمة في تصنيع البطاريات، وتنقية المواد في الصناعات الدوائية، بما يعزز فرص توظيف الأغشية في عمليات كيميائية أكثر كفاءة واستدامة.
وأكد البروفيسور جاي دبليو لي، الباحث المشارك في الإشراف على الدراسة، أن توسيع نطاق تصنيع الأغشية إلى مساحات كبيرة، وتعزيز موثوقيتها التشغيلية على المدى الطويل، يمثلان خطوتين أساسيتين لتوسيع استخدامها في صناعات التكرير والبتروكيماويات.
ورغم أن التقنية لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير والتحقق من جدواها في التطبيقات الصناعية واسعة النطاق، فإنها تقدم اتجاهاً واعداً لتقليل الاعتماد على العمليات الحرارية كثيفة الاستهلاك للطاقة، عبر استغلال خصائص النفط نفسه في عملية الفصل، بدلاً من التعامل مع ترسّباته باعتبارها عائقاً تشغيلياً فحسب.
في اكتشاف علمي قد يغيّر بعض أساليب تكرير النفط، نجح فريق دولي من الباحثين في تطوير غشاء بسيط ومنخفض التكلفة يمكنه فصل أجزاء من النفط الخام عند درجة حرارة الغرفة، دون الحاجة إلى تسخينه، في خطوة قد تسهم في تقليل استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية في قطاع التكرير والصناعات البتروكيماوية.
وتعتمد التقنية الجديدة على مبدأ غير تقليدي، إذ تستفيد من الترسّبات التي تتراكم داخل الغشاء أثناء مرور النفط عبره، لتحويلها من مشكلة تشغيلية معروفة إلى وسيلة تساعد على فصل مكونات النفط بحسب أحجام جزيئاتها.
تعتمد مصافي النفط حول العالم منذ أكثر من قرن على عملية التقطير، التي تتطلب تسخين النفط الخام إلى درجات حرارة تتجاوز 350 درجة مئوية، لتحويله إلى أبخرة تُبرّد لاحقاً من أجل فصل مكوناته المختلفة.
وتستهلك هذه العملية نحو 1100 تيراواط/ساعة من الطاقة سنوياً على مستوى العالم، وهي كمية تعادل تقريباً الإنتاج السنوي لـ130 محطة نووية بقدرة غيغاواط واحدة لكل منها، تعمل بصورة متواصلة.
لكن المحاكاة الحاسوبية التي أجراها الباحثون أظهرت أن استخدام الغشاء الجديد لمعالجة النفط الخام قبل إخضاعه للتقطير التقليدي يمكن أن يحقق نتائج لافتة، تشمل خفض استهلاك الطاقة بنسبة 31.6%، وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 37.6%، وخفض استهلاك مياه التبريد بنسبة 20.7%، إلى جانب تقليص تكاليف التشغيل بنسبة 36%.
وقد تسهم هذه الوفورات، إذا تحققت على نطاق صناعي، في تخفيف الأعباء التشغيلية على المصافي، بما قد ينعكس على تكاليف إنتاج الوقود والمواد الخام المستخدمة في صناعة البلاستيك والتغليف والمنسوجات وغيرها من المنتجات اليومية.
ونُشرت الدراسة في مجلة "نيتشر" العلمية في 24 يونيو 2026، بقيادة البروفيسور دونغ يون كو من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (KAIST)، بالتعاون مع فريق البروفيسور رايان ليفلي في معهد جورجيا للتكنولوجيا بالولايات المتحدة.
تصاميم تقليدية
تكمن أبرز مزايا الابتكار في اعتماده على غشاء مصنوع من بوليمر «بولي أكريلونيتريل» (PAN)، وهو مادة منخفضة التكلفة ومستقرة كيميائياً، تُستخدم على نطاق واسع في الأغشية الصناعية.
وعلى خلاف التصاميم التقليدية التي تتطلب طبقات سطحية فائقة الرقة، يصعب تصنيعها دون عيوب على نطاق واسع، استخدم الباحثون الغشاء المسامي من دون إضافة طبقات طلاء خاصة، ومرّروا النفط الخام عبره لاختبار قدرته على فصل مكوناته.
وخلال هذه العملية، ترسّبت الهيدروكربونات الثقيلة بصورة انتقائية على جدران المسام، ما أدى تدريجياً إلى تضييق فتحاتها وتكوين قنوات فصل يقل قطرها عن نانومترين.
وأتاحت هذه القنوات مرور المكونات الأخف، مثل النافثا والبنزين والكيروسين، بسرعة، في حين احتجزت المكونات الأثقل، ما مكّن الغشاء من أداء وظيفة الفصل اعتماداً على التغيرات التي تحدث داخله بصورة تلقائية.
والمفارقة أن هذه الترسّبات تُعرف عادةً باسم «تلوث الأغشية»، وهي مشكلة تؤدي في كثير من التطبيقات الصناعية إلى تراجع الأداء والحاجة إلى التنظيف والصيانة. إلا أن الباحثين نجحوا في توظيف الظاهرة نفسها لتكوين مسارات دقيقة تساعد على الفصل الانتقائي للجزيئات.
وقال البروفيسور دونغ يون كو إن الدراسة تكشف مبدأ علمياً جديداً، يتفاعل فيه الغشاء مع خليط معقد ليكوّن تلقائياً قنوات الفصل الخاصة به. وأضاف أن استخدام نفط خام حقيقي، وفّرته شركة «إتش دي هيونداي أويل بنك» الكورية، أتاح اختبار التقنية في ظروف أقرب إلى التشغيل الصناعي الفعلي.
أغشية متطورة
أظهرت الاختبارات أن الغشاء غير المطلي حقق معدلات نفاذية للنفط الخام تفوق بنحو 23 مرة ما سجلته أغشية متطورة أخرى سبق الإبلاغ عنها في الأبحاث العلمية.
كما حافظ على أداء مستقر لمدة 28 يوماً متواصلة، وهي نتيجة تعزز أهمية مواصلة اختبار التقنية للتحقق من قدرتها على العمل بكفاءة في الظروف الصناعية طويلة الأمد.
ويرى الباحثون أن إمكانية دمج الغشاء في المصافي القائمة، من خلال وحدات ترشيح معيارية، قد تسهّل اعتماده مستقبلاً، إذ لا يتطلب بالضرورة استبدال المعدات الرئيسية أو إجراء تغييرات جذرية في البنية التحتية للمصافي.
وقال البروفيسور رايان ليفلي إن انخفاض إنتاجية وحدات الأغشية كان من أبرز التحديات التي أعاقت استخدامها في فصل النفط الخام، مشيراً إلى أن آلية الفصل الجديدة ترفع الإنتاجية بصورة كبيرة، بما يجعل التقنية جديرة باهتمام القطاع الصناعي.
خفض التكاليف
لا تقتصر أهمية الابتكار على خفض التكاليف، إذ يُعد التقطير من أبرز مصادر استهلاك الطاقة وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في قطاع تكرير النفط.
وبحسب تقديرات الباحثين، فإن تطبيق التقنية على نطاق واسع في قطاعي التكرير والبتروكيماويات في كوريا الجنوبية قد يسهم في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنحو 10 ملايين طن متري سنوياً، وهي كمية تعادل تقريباً الانبعاثات السنوية لأربعة ملايين سيارة تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي.
ومع ذلك، تظل هذه الأرقام تقديرات تستند إلى نماذج المحاكاة وسيناريوهات التطبيق المحتملة، وليست وفورات تحققت بالفعل على مستوى القطاع بأكمله.
وأوضح الدكتوران جيهون تشوي وهيونغ جون سيو، الباحثان المشاركان في قيادة الدراسة من معهد «KAIST»، أن الخطوة المقبلة تتمثل في التحكم الدقيق في ظاهرة تضييق المسام التلقائية، وتطويرها إلى منصة للأغشية يمكن استخدامها في مراحل مختلفة من عمليات التكرير.
منصة جديدة
ويفتح الابتكار المجال أمام تطبيقات محتملة تتجاوز تكرير النفط الخام، إذ يدرس الباحثون إمكانية استخدام المنصة الجديدة في تنقية الزيت الناتج عن التحلل الحراري للنفايات البلاستيكية، وهي عملية تُستخدم لتفكيك البلاستيك بالحرارة واستعادة مواد يمكن الاستفادة منها.
كما تشمل التطبيقات المحتملة استعادة المذيبات المستخدمة في تصنيع البطاريات، وتنقية المواد في الصناعات الدوائية، بما يعزز فرص توظيف الأغشية في عمليات كيميائية أكثر كفاءة واستدامة.
وأكد البروفيسور جاي دبليو لي، الباحث المشارك في الإشراف على الدراسة، أن توسيع نطاق تصنيع الأغشية إلى مساحات كبيرة، وتعزيز موثوقيتها التشغيلية على المدى الطويل، يمثلان خطوتين أساسيتين لتوسيع استخدامها في صناعات التكرير والبتروكيماويات.
ورغم أن التقنية لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير والتحقق من جدواها في التطبيقات الصناعية واسعة النطاق، فإنها تقدم اتجاهاً واعداً لتقليل الاعتماد على العمليات الحرارية كثيفة الاستهلاك للطاقة، عبر استغلال خصائص النفط نفسه في عملية الفصل، بدلاً من التعامل مع ترسّباته باعتبارها عائقاً تشغيلياً فحسب.


