اتصل بنا
 

فطر غامض يجعل الناس يرون مئات البشر أقزام يتسلقون الأثاث

نيسان ـ نشر في 2026-10-25 الساعة 12:57

فطر غامض يجعل الناس يرون مئات
نيسان ـ منذ قرابة قرن، يروي أشخاص في مناطق متباعدة من العالم تجربة غريبة بعد تناول أنواع معينة من الفطر البري: رؤية عشرات أو مئات الأشخاص الصغار يتحركون أمامهم، ويتسلقون الأثاث، ويمرون أسفل الأبواب.
وبعد سنوات من الغموض، توصل باحثون إلى تحديد نوع الفطر المرتبط بهذه الظاهرة في الصين والفلبين لكنهم لم يتمكنوا حتى الآن من تحديد المركب الكيميائي المسؤول عن هذه الهلاوس، ما يفتح الباب أمام مزيد من الأبحاث لفهم تأثير بعض الفطريات في الدماغ البشري.

هلاوس تشبه عالم الأقزام
تُعرف هذه الظاهرة طبيا باسم «هلاوس ليليبوت»، وهو مصطلح يشير إلى رؤية أشخاص أو حيوانات أو كائنات خيالية صغيرة الحجم. وتعود التسمية إلى سكان ليليبوت، وهم شخصيات خيالية صغيرة وردت في رواية «رحلات جاليفر».
وتتميز الحالات المرتبطة بهذا الفطر بأن الأشخاص لا يرون مجرد أشكال عابرة، بل يصفون مشاهد مفصلة لشخصيات صغيرة ترتدي ملابس ملونة وتتحرك داخل البيئة المحيطة بهم.
وفي بعض الروايات، تبدو هذه الكائنات وكأنها تتسلق الأثاث أو تقفز من الملاعق إلى أطباق الطعام، بينما يصف آخرون مشاهدتها وهي تتحرك على الملابس أو أسطح الطاولات.
ووفقا للباحثين، فإن التشابه اللافت بين روايات أشخاص يعيشون في مجتمعات مختلفة دفع العلماء إلى البحث عن تفسير بيولوجي مشترك، بدلا من الاكتفاء بتفسيرات مرتبطة بالمعتقدات الشعبية أو الثقافة المحلية.
لغز بدأ عام 1934
تعود إحدى أقدم الروايات العلمية الحديثة عن هذه الظاهرة إلى عام 1934، عندما ظهرت تقارير عن أشخاص في بابوا غينيا الجديدة عانوا تغيرات سلوكية وهلاوس بعد تناول فطر بري يُعرف محليا باسم «نوندا».
وخلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حاول باحثون تحديد نوع الفطر والمادة التي تسبب هذه التأثيرات، لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى نتيجة حاسمة.
وعاد اللغز إلى الظهور بصورة أوضح خلال تسعينيات القرن الماضي، مع تسجيل حالات في مقاطعة يونان جنوب غربي الصين، حيث أبلغ أشخاص عن رؤية كائنات بشرية صغيرة بعد تناول فطر بري ينتمي إلى مجموعة الفطريات الأنبوبية.
وفي عام 2024، جمع الباحثون عينات من الفطر في شمال الفلبين، بعدما تعرفوا على روايات محلية مشابهة مرتبطة بفطر يُعرف باسم «سيديسديم».

تحديد نوع الفطر
قاد كولن دومناور، الباحث في جامعة يوتا والمتحف الطبيعي للتاريخ في يوتا، دراسة العينات بالتعاون مع عالم الفطريات براين دينتنغر.
واستخدم الفريق تحليل الحمض النووي لتحديد هوية العينات ومقارنة العلاقات التطورية بين أنواع الفطر المختلفة.
وأظهرت النتائج أن العينات التي جُمعت في الفلبين تنتمي إلى النوع نفسه المعروف في يونان الصينية وهو ما قدم دليلا بيولوجيا يربط بين تقارير الهلاوس في المنطقتين.
لكن الباحثين لم يتمكنوا من تأكيد أن الفطر الذي ارتبط بالتقارير القديمة في بابوا غينيا الجديدة هو النوع نفسه، إذ حالت الظروف الميدانية دون جمع عينات مناسبة للتحليل الجيني هناك.
وتشير النتائج إلى وجود صلة قوية بين هذا النوع من الفطر والتجربة الغريبة، لكنها لا تحسم جميع التفاصيل المتعلقة بالسبب الكيميائي أو آلية حدوث الهلاوس.
مركب كيميائي مجهول
حاول العلماء تحديد المادة التي قد تفسر التأثيرات غير المعتادة للفطر، وفحصوا العينات بحثا عن مركبات معروفة بتأثيراتها النفسية، ومنها السيلوسيبين الموجود في بعض أنواع الفطر المهلوس.
لكن التحليلات لم تكشف عن المركبات المعروفة التي يمكنها تفسير هذه الظاهرة، ما دفع الباحثين إلى طرح احتمال أن الفطر ينتج مادة ذات تأثير نفسي لم تُحدد هويتها بعد.
ولا يزال هذا الاحتمال بحاجة إلى إثبات، إذ يتعين على العلماء عزل المركب المشتبه به وتحليل بنيته الكيميائية، ثم دراسة كيفية تأثيره في الجهاز العصبي.
وقد يساعد اكتشاف هذه المادة على فهم آليات غير معروفة حتى الآن تتعلق بالإدراك البصري، والطريقة التي يبني بها الدماغ المشاهد التي يراها الإنسان.

هل توجد أسباب أخرى؟
لا تقتصر هلاوس الأشخاص الصغار على تناول الفطر، إذ وثقت مراجعة علمية منشورة عام 2021 حالات مشابهة لدى أشخاص يعانون اضطرابات عصبية أو مشكلات في الرؤية، وكذلك في بعض حالات اضطراب استخدام الكحول.
وشملت المراجعة 226 وصفا لحالات سريرية، ووجدت أن هذه الهلاوس قد تكون بصرية فقط أو مصحوبة بتجارب حسية أخرى. كما أظهرت أن أسبابها متنوعة، ما يعني أن رؤية أشخاص صغار لا تشير بالضرورة إلى سبب واحد.
ويعتقد الباحثون أن دراسة الفطر قد توفر وسيلة لفهم هذه الظاهرة بصورة أفضل، لأن ارتباط الهلاوس بنوع محدد من الفطريات قد يساعد في تتبع الآلية الكيميائية والعصبية التي تؤدي إلى ظهورها.
اكتشافات تتجاوز الهلاوس
لم تقتصر نتائج الدراسة على تحديد النوع المرتبط بالظاهرة، إذ كشف التحليل الجيني لمجموعة من عينات الجنس عن تنوع أكبر مما كان معروفا، شمل أربعة أنواع لم تكن موصوفة علميا من قبل.
ويعمل الباحثون حاليا على استكمال دراسة المركب المسؤول عن الهلاوس المحتملة، وفهم تطور هذه الخاصية في الفطر، إلى جانب استكشاف التنوع البيولوجي الذي قد تخفيه أنواع أخرى من الفطريات.
ومع ذلك، يحذر هذا البحث من التعامل مع الفطر باعتباره وسيلة آمنة لإحداث الهلاوس؛ فتناول الفطر البري غير المطهو جيدا قد يؤدي إلى أعراض عصبية واضطرابات صحية، ولا تزال آثاره الكيميائية غير مفهومة بالكامل.
وتبقى رؤية مئات البشر الصغار واحدة من الظواهر النادرة التي تجمع بين الروايات الشعبية والبحث العلمي، بينما يسعى العلماء إلى كشف المادة التي قد تفسر كيف يستطيع فطر واحد إحداث تجربة بصرية متشابهة لدى أشخاص تفصل بينهم آلاف الكيلومترات.

نيسان ـ نشر في 2026-10-25 الساعة 12:57

الكلمات الأكثر بحثاً