اتصل بنا
 

في حمود الكرك.. وجدت الأردن الذي أحب

نيسان ـ نشر في 2026-10-25 الساعة 18:55

في حمود الكرك.. وجدت الأردن الذي
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
تسعة شهداء اغتالتهم بنادق الغدر، وانتزعتهم من دفء بيوتهم وأحضان أحبتهم، تاركة في الكرك وفي الأردن وجعا لا تسعه المراثي، وغيابا لا تملؤه السنوات. تسعة أرواح أزهقتها كراهية عمياء، لا تعرف للحياة حرمة، ولا ترى في اختلاف البشر إلا ذريعة للقتل.
بهذا الحزن الذي يثقل الروح، دخلت قرية حمود برفقة الصديق الدكتور ضيف الله الحديثات، فوجدت الفاجعة أكبر من قدرة الكلمات على المواساة، ووجدت أهلها_على قسوة المصاب_ أكثر شموخا من أن تكسرهم بنادق القتلة، وأكثر إيمانا بالحياة من أولئك الذين جاؤوا إليها بالموت.
هناك، قرأت الحزن في عيني الصديق حمد العثمان، وفي عيني فهد الخيطان وجعا لا يحتاج إلى كلام، وعلى وجه شرف أبو رمان رأيت تعبا ثقيلا.
كانت الوجوه أصدق من الخطب، والصمت أبلغ من عبارات المواساة. أدركت حينها أن بعض الأحزان لا تروى، بل تعاش في عيون الرجال وانكسار ملامحهم.
ذهبت لأواسي أهل الشهداء، فعدت منهم أكثر فخرا بأردنيتي، وجدت قرية غنية بأهلها وتاريخها، وبإصرارهم على إشعال قناديل التنوير والوعي في وجه الفكر الضلالي الذي جاءهم بالرصاص، فيما لم يعرفوا هم إلا المحبة واحترام الإنسان.
في حمود شعرت بعظمة الأردنية التي جبلنا عليها، تلك التي لا تسأل الإنسان عن دينه قبل أن تفتح له بيتها وقلبها، فمسيحيو الكرك ليسوا ضيوفا على وطنهم، ولا يحتاجون إلى شهادة في الانتماء، إنهم من أهل الأرض، وشركاء تاريخها، ومن الذين أسهموا في بناء وجدانها الوطني والثقافي.
وفي حمود، لا تحتاج إلى البحث طويلا عن معنى التنوير، فمن جذور عشيرة الهلسا خرج غالب هلسا، أحد أبرز الروائيين والنقاد العرب، ويعقوب العودات "البدوي الملثم"، الذي حفظ للأردن جانبا من ذاكرته الأدبية والوطنية، والشاعران نجيب قسوس ونزيه قسوس.
صحيح انها قرية صغيرة في جغرافيتها، لكنها واسعة في أثر أبنائها، قدمت للأردن الكلمة والمعرفة ورجال المؤسسات، فجاءها القتلة بما لا يملكون سواه: الرصاص. هذه القرية أنجبت الكلمة والفكر، بينما لم يحمل إليها القتلة سوى البنادق، وأي فقر أشد من فقر عقل لا يجد في اختلاف الناس إلا سببا لقتلهم؟
لكن الوفاء للشهداء لا يكون بالدموع وحدها، علينا أن نلاحق منابع الكراهية في المدرسة والمنبر والشارع، وأن نمنح الثقافة والتنوير مكانتهما في مواجهة الجهل والتعصب، وأتمنى أن تحتضن حمود ملتقى سنويا للأدب والوعي، ومركزا ثقافيا يحمل أسماء شهدائها ويستعيد إرث مبدعيها.
غادرت حمود وأنا أكثر يقينا بأن قوة الأردن ليست في قدرته على احتمال المصائب فحسب، بل في أهله الذين يرفضون أن تتحول الجراح إلى كراهية.
غادرت حمود وفي القلب وجع لا يهدأ، وفي النفس اعتزاز بأهلها لا تحده الكلمات. أدركت أن الوفاء للشهداء لا يكون بكثرة المراثي، بل بألا نسمح للجهل الذي قتلهم أن يجد له مكانا بين أبنائنا، فهذه القرية التي أنجبت الأدباء والمفكرين، وقدمت للأردن وجوها من العلم والثقافة، تستحق أن تتحول فاجعتها إلى نهضة في الوعي، وأن تصبح أسماء شهدائها عنوانا لمشروع تنويري لا لمناسبة حزن عابرة.
أما القتلة، فقد أخذوا من حمود تسعة أرواح، لكنهم عجزوا عن أخذ ما هو اعز وأبقى، فستبقى حمود ولادة للحياة والفرح والمجد وستبقى تنثر الورد في الطرقات وبوجه كل كل البنادق المأجورة.

نيسان ـ نشر في 2026-10-25 الساعة 18:55

الكلمات الأكثر بحثاً