اتصل بنا
 

إسرائيل: انتخابات للمفاضلة بين المتطرف والأشد تطرفاً؟

نيسان ـ نشر في 2026-10-26 الساعة 04:31

نيسان ـ المتابعون للانتخابات الإسرائيلية في لبنان وفلسطين المحتلة فئتان: مراهنون ومتحفظّون. المراهنون يتوقعون أن يتمكّن خصوم رئيس حكومة كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو من كسر صدارته المرهقة للحكم والمعارضة طيلة السنوات العشرين الماضية. المتحفظّون لا يرتجون أملاً من الانتخابات الحامية الوطيس، ويجزمون بأن كل حكام إسرائيل متطرفون أصلاً وفصلاً، قبل الانتخابات وبعدها، وأن ليس من شأن هذه الانتخابات في هذه الآونة الإتيان بشخصٍ أو حزبٍ أو تكتل أحزابٍ لا يدعو ولا يحارب دائماً وأبداً من أجل «إسرائيل كبرى» تمتد في خياله من نهر الفرات في سوريا إلى نهر النيل في مصر.
صحيح أن الصهاينة العُتاة قديماً وحديثاً كانوا وما زالوا متطرفين في كل مناحي الحياة، لكنهم أضحوا بعد طوفان الأقصى في 7 اكتوبر 2023 أشدّ تطرفاً وفجوراً وضراوة. اليوم إذ يدعون في غالبيتهم إلى القضاء على حركة حماس، فإنهم يُقرنون ذلك برفضٍ مطلق لأيّ مفاوضات، أو حوار مع الفلسطينيين. أما مَن يدعو بين الإسرائيليين الآخرين إلى حل الدولتين فهو في نظرهم خائن.
المعركة تدور بين ذئب أسود هو نتنياهو وذئب أبيض هو آيزنكوت. ما الفارق بين الاثنين؟ إنه اللون ليس إلاّ، ذلك أن كلا من الذئبين المتعاركين يتلهّف للفتك بالفريسة ذاتها
يبدو أن هذا التفكير العنصري والتوسعي السائد حالياً والمقرون بعمليات وحشية ضد الفلسطينيين أينما وجدوا، قد أخلّ بالتوازن الداخلي في كيان الاحتلال، الأمر الذي دفع بعض الإسرائيليين المعارضين لهذا النهج المفرط في عدائيته إلى التحذير من تداعياته المضرّة. ميخائيل ميليشتان، الباحث في مركز ديان في جامعة تل أبيب، نشر في صحيفة «يديعوت أحرونوت» (2026/10/4) مقالاً أكد فيه «أن تعدّد المغامرات الأيديولوجية مثل الإصرار على تنفيذ عمليات هدفها الصلاة في المواقع الدينية، والقيام برحلات إلى أماكن محفوفة بالمخاطر، خصوصاً في الضفة الغربية، ورفع العلم الإسرائيلي في مناطق ذات أهمية خاصة لمجموعات معينة، إلى جانب سيناريو مرعب يتمثل في تنفيذ ترحيلٍ جماعي واستخدام عنفٍ شديد ضد شرائح سكانية واسعة، سيعمّق الانقسامات القائمة أصلاً على ماهية الرؤية والقيم والأحداث المشتركة، وقبل كل شيء على السؤال: من أجل ماذا نحارب، ولماذا نضحي بأرواحنا في هذه الدولة؟». هذا الكلام لا يتفوّه به فلسطينيون ولا مناصرون أجانب لقضية فلسطين، بل صهاينة أصفياء أقل تطرفاً من الآخرين.
كل هذه الأضرار التي يشكو منها الإسرائيليون الأقل تطرفاً، تشكّل جزءاً من مشروع فئوي يستند إلى رؤية إيمانية توراتية، ويحظى بدعم صريح وكبير من حكومة نتنياهو عموماً ومن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش خصوصاً، وتتجلى هذه الأضرار في توسيع عمليات الاستيطان في الضفة الغربية، وممارسة أعمال العنف الشديدة ضد الفلسطينيين خلال موسم قطاف الزيتون، وشهدت أخيراً ارتفاعاً قياسياً بالاعتداء على صحافية ومصوّرة تعمل في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية وعلى وفود دبلوماسية قرب مدينة رام الله. كان من الطبيعي والمنتظَر، والحالة هذه، أن تصدر عن الفلسطينيين ردود فعل عنيفة، رداً على سياسة حكومة نتنياهو وأجهزتها العسكرية والاستخباراتية كان أبرزها قيام شابين فلسطينيين يركبان سيارة، بإطلاق النار على حاجز للجيش الإسرائيلي في مدخل مدينة الخليل الشمالي، أدى إلى مقتل اثنين من جنوده وجرح أكثر من عشرة، حالة بعضهم حرجة، بينما استشهد الشابان الفدائيان. وإذ أشادت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بحرارة بالعملية الاستشهادية الناجحة، ومثلها فعلت حركة حماس بلسان الناطق باسمها ابو عبيدة، صدر عن رئيس الحكومة نتنياهو تهديد لافت مفاده ان حكومته «ستقوم بعملية غير مسبوقة تشمل الضفة الغربية كلها». نتنياهو لم يذكر نطاقاً محدداً لهذه العملية ومدى ضراوتها وشموليتها الأمر الذي أدى إلى صدور تساؤلات عدّة عمّا اذا كان الرئيس المحرج لحكومة الاحتلال سينتهز العملية الاستشهادية التي هزّت إسرائيل قبل أربعة ايام من موعد إجراء الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر الجاري بغية تأجيلها لمدة ستة أشهر، أو أكثر والترسمل تالياً على تداعياتها لتعزيز موقف ائتلافه اليميني الحاكم، ولزيادة عدد المقاعد التي يحاول الفوز بها في الكنيست. لكن بدا حتى يوم أمس الأحد كأنه اكتفى بتصريحه حول «العملية غير المسبوقة»، التي يعتزم تنفيذها من دون أي إيحاء بأنها قد تبدأ قبل موعد الانتخابات أم بعده، مع العلم أن الوزيرين اليمينيين المتطرفين بن غفير وسموتريتش باشرا ضغوطاً شديدة من أجل البدء فوراً بتفكيك كيان ما تبقّى من السلطة الفلسطينية برئاسة أبو مازن محمود عباس، كخطوةٍ ميدانية أولى على طريق إعلان ضمّ الضفة الغربية رسمياً إلى كيان الاحتلال.
إضافة إلى ذلك، نُسب إلى السفير الأمريكي في تركيا توم براك قوله، إن الولايات المتحدة تنوي شنّ ضربة عسكرية مدمرة لإيران قبل موعد الانتخابات النصفية الأمريكية في 3 نوفمبر المقبل، ما يوحي بأنه إذا لم يكن هذا التصريح هادفاً إلى ممارسة مزيد من الضغوط على طهران، بغية حملها على تقديم تنازلات إضافية تريدها واشنطن لهندسة نهايةٍ مقبولةٍ لحربها المتعثرة على الجمهورية الإسلامية، فإن تصريح السفير براك يعني بوضوح أن الرئيس الأمريكي قرّر التعجيل في شنّ ضربته الموعودة على ايران بالتفاهم والتزامن مع ضربة نتنياهو المتلهف إلى مشاركته هذه المغامرة البالغة الخطورة.
أيّاً ما يكن الأمر فإن الأنظار في لبنان وفلسطين ستبقى مركّزة على الانتخابات الإسرائيلية التي ستجري غداً الثلاثاء، في غمرة صراع محموم في صفوف جمهور كيان الاحتلال محورُه الرئيسي المفاضلة بين تكتلات سياسية متنافسة أبرزها الإئتلاف الحاكم برئاسة بنيامين نتنياهو، وتكتل التغيير برئاسة رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي الجنرال غادي ايزنكوت.
تكتل نتنياهو هو الأشد تطرفاً من التكتل الآخر، لذا فإن المعركة تدور بين ذئب أسود هو نتنياهو وذئب أبيض هو ايزنكوت. ما الفارق بين الاثنين؟ إنه اللون ليس إلاّ، ذلك أن كلاً من الذئبين المتعاركين يتلهّف للفتك بالفريسة ذاتها.
كاتب لبناني
القدس العربي

نيسان ـ نشر في 2026-10-26 الساعة 04:31


رأي: عصام نعمان

الكلمات الأكثر بحثاً