اتصل بنا
 

أوروبا.. وجهة إيران القادمة

نيسان ـ نشر في 2026-10-26 الساعة 04:33

أوروبا.. وجهة إيران القادمة ـ بقلم:
نيسان ـ الهجوم هو سر الدفاع، والدفاع هو التخطيط للهجوم - صن تزو.
في خمسينيات القرن العشرين، صاغ وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس مبدأ «الرد الانتقامي الشامل» (Massive Retaliation). ويقوم هذا المبدأ على أن فاعلية الردع لا تستلزم مجاراة كل اعتداء بمثله، ولا حصر الرد في المكان نفسه، بل ترسيخ قناعة لدى الخصم بأن أي عدوان سيُواجَه بردٍّ يفوقه بأضعاف. وبذلك تتجاوز كلفة الهجوم أي مكسب يرجوه المعتدي، فيغدو التهديد برد واسع وسيلة لردع الحرب أو احتوائها قبل اندلاعها.
في التاسع عشر من تشرين الأول، زار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف طهران. ووفق ما أعلنته الخارجية الروسية، تضمّن جدول الأعمال ملف الحرب الإيرانية-الأمريكية، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، فضلًا عن مشاريع الطاقة والتعاون الاقتصادي والنووي. وعقب اللقاء، صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن المحادثات شملت قضايا الخليج والقوقاز وأوروبا وأوكرانيا، إضافة إلى فلسطين ولبنان واليمن.
استوقفني بوجه خاص إدراج «أوروبا» ضمن محاور النقاش، ولا سيما أن ثمة تقارير حديثة قد تفسّر حضورها على طاولة الوزيرين، في وقت تعود فيها نذر المواجهة إلى التصاعد من جديد.
في تقرير نشرته «بلومبيرغ» في التاسع من تشرين الثاني، أفاد مسؤولون غربيون مطّلعون بأن إيران نجحت، رغم القصف الأمريكي، في الإبقاء على منشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يتيح لها إعادة تعبئة ترسانتها. وأضافوا أنها ما تزال تحتفظ بمخزون كبير من الصواريخ الباليستية والمسيّرات، في حين تواصل روسيا تزويدها بصواريخ متطورة، الأمر الذي أعاد مخزونها إلى مستويات قريبة من تلك التي سبقت الحرب.
وفي سياق متصل، تفيد وثيقة ألمانية سرية بعنوان «خطة العمليات لألمانيا» (Operationsplan Deutschland) بأن روسيا تستهدف البنية التحتية الألمانية عبر الهجمات السيبرانية والتخريب والطائرات المسيّرة والتجسس والاستطلاع، وأن لديها خططًا لضرب تلك المنشآت حين تحين اللحظة المناسبة.
كما خلص تقرير الأمين العام لحلف الناتو لعام 2025 إلى أن الحرب في أوكرانيا أثبتت أن البنية التحتية للطاقة قد تكون من أبرز أهداف أي هجوم مستقبلي في أوروبا، ما دفع الحلف إلى تنظيم تدريبات مخصصة لحماية منظومات الطاقة الحيوية، استنادًا إلى الدروس المستخلصة من الحرب الأوكرانية. وبالتوازي، نقلت الولايات المتحدة قاذفاتها من قاعدة «رويال إير فورس فيرفورد» البريطانية إثر معلومات عن احتمال تعرضها للاستهداف.
وبالنظر إلى هذه الزيارات والتقارير والمؤشرات مجتمعةً، يتعذّر استبعاد احتمال أن تعمد إيران، في حال تجدد الحرب، إلى استهداف مراكز الطاقة الأوروبية. فإذا كان الناتو قد دعم أوكرانيا في حرب بالوكالة ضد روسيا، فما الذي يمنع إيران من خوض حرب بالوكالة ضد أوروبا، مستعينةً بسلاح روسي؟
قد يبدو هذا الطرح، للوهلة الأولى مجرد تخاريف، لكن السلوك الإيراني قد يؤيده. فقد بادرت طهران إلى إغلاق مضيق هرمز فور إعلان الحرب عليها، ثم انتقلت إلى استهداف دول الجوار. وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أقرّ، بعد تسعة أشهر من اندلاع الحرب، بأن إغلاق المضيق واستهداف إيران لجيرانها شكّلا مفاجأة له، وظل يشيد بما يصفه بـ«وقف إطلاق النار في مجال الطاقة»، في وقت تهدد طهران باستهداف خطوط الإنترنت وشبكاته.
ولا تُخفي إيران منطقها القائم على توسيع نطاق الرد؛ فإذا تعرضت للاستهداف، بات الجميع عرضة له، وإذا قُصفت مصافيها النفطية، غدت مصافي خصومها أهدافًا مشروعة. وإذا كان هذا نهجها في الظروف الاعتيادية، فكيف سيكون سلوكها إذا واجه النظام نفسه تهديدًا وجوديًّا؟
من هنا، وعودة إلى نقطة البداية، يمكن القول إن مبدأ جون فوستر دالاس قد يكون وجد نظيرًا إيرانيًا. فربما توصلت طهران وموسكو إلى تفاهم مفاده أن أي استهداف جديد لإيران لن يُواجَه بردٍّ يقتصر على ساحة المواجهة المباشرة، بل قد يمتد هذه المرة إلى أوروبا.

نيسان ـ نشر في 2026-10-26 الساعة 04:33


رأي: اسماعيل الشريف

الكلمات الأكثر بحثاً