اتصل بنا
 

الكرك في قلب الأردن.. موقف ملكي راسخ ووحدة وطنية لا تنكسر

نيسان ـ نشر في 2026-10-27 الساعة 11:57

الكرك في قلب الأردن.. موقف ملكي
نيسان ـ
بقلم: د. محمود أحمد السعود

ليست كل الجرائم أحداثًا عابرة تطويها الأيام، فبعضها يترك جرحًا عميقًا في ضمير المجتمع، ويضع قيمنا الإنسانية والوطنية أمام اختبار حقيقي. وما شهدته محافظة الكرك من اعتداء إرهابي آثم استهدف أبرياء داخل دار للعبادة، يستوجب موقفًا وطنيًا وأخلاقيًا واضحًا، يعبّر عن الرفض المطلق لكل اعتداء على الإنسان، ولكل فكر يستبيح الدماء أو يسعى إلى بث الكراهية والفرقة بين أبناء الوطن الواحد.
إن استهداف الأبرياء في مكان للعبادة جريمة مدانة بكل المقاييس، لا يمكن تبريرها بأي ذريعة أو غطاء فكري أو ديني. فحرمة الدماء مبدأ لا يقبل التأويل، وكرامة الإنسان حق أصيل، واحترام دور العبادة وصون أمن المواطنين مسؤولية لا تقبل الانتقائية أو المساومة. ومن المؤلم أن تتحول لحظات يفترض أن يسودها الحزن والرحمة والتضامن إلى مأساة تُزهق فيها أرواح بريئة وتُفجع عائلات بأبنائها.
ومن منطلق المسؤولية الأكاديمية والوطنية، فإن موقفنا من هذه الجريمة يجب أن يكون واضحًا وحازمًا: إدانة الفعل الإجرامي دون تردد، والتمسك بالعدالة دون انتقام، ورفض كل خطاب يحاول تحويل هذه الفاجعة إلى سبب للانقسام أو الإساءة إلى أي فئة من أبناء المجتمع الأردني.
فالاختلاف في الدين لا يبرر الاعتداء، والاختلاف في الفكر لا يمنح أحدًا الحق في انتهاك حياة الآخرين، ولا يمكن لجريمة أن تختصر تاريخًا طويلًا من التآخي والعيش المشترك بين الأردنيين.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشادة بموقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي أكد بوضوح أن أمن الأردنيين وسلامتهم خط أحمر، وأنه لا مجال للتهاون عندما يتعلق الأمر بأرواحهم. كما جاءت زيارة جلالته للمصابين واطمئنانه على أحوالهم لتجسد البعد الإنساني للمسؤولية الملكية، وتؤكد أن آلام المواطنين ليست شأنًا منفصلًا عن الدولة وقيادتها، بل هي وجع الوطن بأسره.
وقد حملت مواقف جلالته رسالة حازمة في مواجهة الإرهاب والتطرف، ورسالة أخرى لا تقل أهمية في صون وحدة الأردنيين وتماسكهم. فالحزم في مواجهة الجريمة، والوقوف إلى جانب الضحايا، والتأكيد على أن الغدر لن ينال من وحدة المجتمع، كلها معانٍ تعكس أهمية الجمع بين قوة القانون والمسؤولية الإنسانية والوطنية.
إن دلالة هذا الموقف الملكي تتجاوز إدانة الحادثة إلى التأكيد على مبدأ راسخ: أن الدولة مسؤولة عن حماية جميع مواطنيها، وأن الاعتداء على أي أردني هو اعتداء على أمن المجتمع وكرامته، وأن الوحدة الوطنية ليست شعارًا يُستدعى في أوقات الأزمات، بل أساس لا يجوز التفريط فيه تحت أي ظرف.
وبعد إلقاء القبض على المتورطين، فإن الواجب يقتضي أن تأخذ العدالة مجراها، وأن تتم محاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. فسيادة القانون هي الضمانة الحقيقية لحقوق المواطنين، وهي الطريق إلى تحقيق العدالة ومنع تكرار مثل هذه الجرائم. كما أن مواجهة التطرف لا تقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها، بل تتطلب أيضًا تعزيز الوعي، وترسيخ ثقافة قبول الآخر، وتجفيف منابع الفكر الذي يحرض على العنف والكراهية.
ومن المهم كذلك أن نرفض التعميم وتبادل الاتهامات، وألا نسمح للجريمة بأن تتحول إلى أداة لإثارة النعرات أو استهداف الأبرياء. فالمسؤولية الجنائية تقع على من ارتكب الجريمة أو ثبت تورطه فيها، ولا يجوز تحميل الآخرين وزر أفعال لم يرتكبوها. إن المجتمع الواعي هو الذي يواجه الجريمة بالعدل، والتطرف بالفكر، والفتنة بالوحدة والتماسك.
لقد كانت الكرك وستبقى جزءًا عزيزًا من وجدان الأردن وتاريخه، وستظل رمزًا للأصالة والكرامة والانتماء الوطني. ومصاب أهلنا فيها ليس مصاب عائلة أو منطقة بعينها، بل هو مصاب كل أردني يؤمن بأن أمن الوطن لا يتجزأ، وأن كرامة الإنسان لا تتوقف على دينه أو أصله أو انتمائه.
إن الأوطان لا تُحمى بالصمت عن الجريمة، كما لا تُحمى بإشعال الفتن؛ وإنما تُحمى بالعدالة والوعي والمسؤولية، وبالوقوف إلى جانب المتضررين، وصون حقوقهم، ورفض كل محاولة لاستغلال الألم في تمزيق النسيج الاجتماعي. ومن هنا، فإن مسؤوليتنا جميعًا، أفرادًا ومؤسسات ومثقفين وأكاديميين، أن يكون خطابنا على مستوى خطورة الحدث، وأن نسهم في تعزيز الثقة بالقانون وترسيخ قيم المواطنة والتسامح.
ختامًا، فإن ما حدث في الكرك يستوجب إدانة لا لبس فيها، ومحاسبة عادلة لا تهاون فيها، وموقفًا وطنيًا لا يسمح للفتنة بأن تجد طريقها إلى مجتمعنا. ونؤكد أن دماء الأبرياء ليست موضع خلاف، وأن حرمة دور العبادة مصونة، وأن وحدة الأردنيين أكبر من كل محاولات الاستهداف والتفرقة.
رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وحفظ الأردن آمنًا مستقرًا، وأدام بين أبنائه روح الأخوة والتلاحم في ظل القيادة الهاشمية لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والوحدة والاستقرار.

نيسان ـ نشر في 2026-10-27 الساعة 11:57

الكلمات الأكثر بحثاً