اتصل بنا
 

اليمين المتطرف الفرنسي وانتحال الهوية الديغولية

كاتب عراقي

نيسان ـ نشر في 2026-10-28 الساعة 04:42

نيسان ـ أثارت مواجهات الشارع الفرنسي ردود فعل متباينة داخل الساحة السياسية الفرنسية، إذ اعتبرت الأغلبية من الفرنسيين، أن ذلك نتيجة تفاقم الأزمة السياسية والاقتصادية، وازياد نسبة الهجرة إلى فرنسا، وتدني المستوى المعيشي للمواطن الفرنسي، وفشل الأحزاب الكلاسيكية اليمينية واليسارية التي حكمت، في إيجاد الحلول التي ترضي الفرنسيين، ما أعاد تقييم ورسم معادلة جديدة في ميزان القوى السياسية لصالح أحزاب أقصى اليسار واليمين المتطرف، حيث تحولت شوارع العديد من المدن الفرنسية، إلى ساحات احتجاج ومواجهات عنيفة، وخروج مئات الآلاف للتعبير عن غضبهم، من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وظروف التعليم، في احتجاجات اجتماعية واسعة تخللتها أعمال عنف ونهب واقتحام مبان عمومية، قبل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ولفهم أسباب هذه الاحتجاجات التي تعيشها فرنسا، وجب مقارنتها مع ما شابهها من احتجاجات «السترات الصفراء» في الأعوام السابقة، وقراءتها بموضوعية من خلال فهم طبيعة الوضع الاجتماعي الداخلي، الناتج عن تفاقم حدة الأزمة السياسية والاجتماعية، وخروجها من حالة التوازن المُعتاد بين أحزاب اليسار وأحزاب اليمين، أو أحزاب الوسط الجامعة للطرفين، إلى أحزاب أقصى اليسار المعادية للسياسة الرأسمالية والعنصرية، وأحزاب اليمين المتطرف، الذي تقوده مارين لوبين، التي تدعو إلى تطبيق مفهوم الأولوية والأفضلية العرقية في المجتمع، وانتحالها في الوقت نفسه للعباءة الديغولية، التي يفتخر بها الفرنسيون، وتجيير سياسة شارل ديغول لصالحها ولصالح الثقافة اليمينية المتطرفة، على أمل الوصول إلى الفوز برئاسة الدولة الفرنسية في الانتخابات القادمة.
ثمة من يرى أن فشل أحزاب اليمين واليسار التي توالت على الحكم، في الحد من تزايد أعداد المهاجرين وتفاقم ظاهرة الغلاء وتدهور الاقتصاد، هو المسؤول عن قلب معادلة المشهد السياسي الفرنسي، وتغيير طبيعة التشكيلة السياسية للمؤسسة الرسمية الحاكمة، التي تداولت وتقاسمت السلطة، منذ بداية ولادة الجمهورية الخامسة، التي يعود تاريخ تأسيسها إلى الجنرال شارل ديغول عام 1958.
لا شك في أن ظاهرة تدني المستوى المعاشي للمواطن الفرنسي، وانعدام الأمن وربط هذه الإشكالية الاجتماعية مع تزايد أعداد المهاجرين، لا تزال تلقى الدعم الكبير من أحزاب اليمين المتطرف
لا شك في أن ظاهرة تدني المستوى المعاشي للمواطن الفرنسي، وانعدام الأمن وربط هذه الإشكالية الاجتماعية مع تزايد أعداد المهاجرين، لا تزال تلقى الدعم الكبير من أحزاب اليمين المتطرف، وتعديه ليشمل مسؤولي بعض الأحزاب اليمينية التي تدعي الديغولية. وهذا ما اعتبره العديد من متتبعي السياسة الفرنسية، تغيرا واضحا لهذه الأحزاب اليمينية، نتيجة لفشلها في الوصول للسلطة بعد رحيل الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وانقيادها في النهاية لموجة العداء للإسلام والعرب، استعدادا للمشاركة في الانتخابات السياسية المقبلة، بعد التغيرات التي طرأت على الرأي العام الفرنسي، نتيجة للعمليات الإرهابية السابقة التي حدثت في باريس والمدن الفرنسية الأخرى.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ظاهرة ازدياد أعداد المهاجرين وتزامنها مع فترة الهجمات الإرهابية، التي اجتاحت فرنسا في السنوات الأخيرة، ناهيك من استمرار وتفاقم حدة الأزمة الاقتصادية، أدى إلى انتشار ظاهرة مناهضة للعرب والمسلمين، وتنامي الدور العدائي للأحزاب المتطرفة الهادف إلى نشر الخوف في المجتمع، على الرغم من ردود الفعل الرسمية، التي تحذر وتطالب بضرورة عدم الخلط في المفاهيم، التي يحاول فرضها اليمين المتطرف، والعمل على جعلها في النهاية، أداة للوصول للسلطة، عن طريق انتحال الهوية الديغولية الوطنية التي تميزت بها فرنسا، من خلال سياستها الاجتماعية الداخلية ومطالب الفرنسيين بحقوقهم الطبيعية المشروعة، في ما يتعلق بالقوة الشرائية، والأمن، والصحة، والتعليم، التي احتلت مكانة بارزة في تأملات محرر فرنسا وقائدها التاريخي في ملفات السيادة والمؤسسات الوطنية، بعيدا عن العنصرية، وحرصه على اتباع المسار الاقتصادي والاجتماعي المناسب للشعب الفرنسي، وتجنب استغلال الإنسان للإنسان، من خلال دولة موحدة ومشروع ومؤسسات سياسية لتجنب الصراعات الداخلية.
وعلى الرغم من التباين الكامل بين الثقافة الديغولية الوطنية التي تتميز بطبيعتها الاجتماعية، مقارنة مع سياسة اليمين المتطرف، الذي أثبت عداءه للجنرال ديغول ومسؤوليته في محاولات الاغتيال التي تعرض لها أبان حكمه، يبدو واضحا أن ادعاء مرشحة اليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية القادمة، بتبنيها للإرث الديغولي، يمثل خدعة وتزييفا لتاريخ السياسة في فرنسا، فقد حارب اليمين المتطرف الفرنسي بشراسة الجنرال ديغول، وتعمد المساس به شخصياً وجسدياً، والانقلاب على قراره الخاص باستقلال الجزائر من قبل قادة بعض ضباط قيادة الجيش الفرنسي في المستعمرة، حيث تعرض الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول لأكثر من 30 محاولة اغتيال موثقة طوال حياته السياسية، نتيجة إعلانه استقلال الجزائر رسمياً في 5 يوليو 1962 وإنهاء الاستعمار الفرنسي.
وتضامنا مع هذه الرؤية الاستعمارية، أسس جان ماري لوبين في عام 1972 حزبٌ الجبهة الوطنية، من بين أنقاض اليمين المتطرف الذي كان يحنّ إلى حقبة «الجزائر الفرنسية». على الرغم من الرفض السياسي والشعبي لثقافته العنصرية المعادية للعرب واليهود لسنوات طويلة، قبل أن ينجح في ترسيخ وجوده بشكل دائم على الساحة السياسية، ومن ثم تسليم رئاسة وتنظيم الحزب إلى ابنته مارين لوبين، التي تُمثل حاليا حزب أبيها لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة، بعد تغيير اسم التجمع من «الجبهة الوطنية» إلى «التجمع الوطني».
وما بين الضغوط التي تمارسها الأحزاب اليمينية المتطرفة في فرنسا من خلال تنكرها وانتحالها لإرث ديغول في حملتها للوصول إلى قمة هرم السلطة، ينبغي أن يبقى قصر الإليزيه وكما كان في بداية نشأة الجمهورية الخامسة بعيدا عن سياسة التطرف والكراهية للآخر، والتأكيد على مبدأ حقوق الإنسان في فرنسا في دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة لسنة 1958، الذي هو أحد الركائز الفرنسية التاريخية الثابتة في علاقة فرنسا مع العالم، كونها تُمثل المسار الواقعي الوحيد للثوابت التي تحملها هذه السياسة، التي لا تختلف باختلاف توجهات ساكني قصر الإليزيه.
لقد سعى الجنرال ديغول إلى اتباع مسار اقتصادي واجتماعي يضمن للمواطن الفرنسي حقوقه، من خلال دولة ومشروع ومؤسسات سياسية، لتجنب الصراعات الداخلية، وضمان سياسة واقعية في علاقة فرنسا مع العالم العربي والإسلامي بعيدا عن العنصرية والكراهية للآخر التي يحملها اليمين المتطرف في سياسة فرنسا الداخلية.
كاتب عراقي
القدس العربي

نيسان ـ نشر في 2026-10-28 الساعة 04:42


رأي: أمير المفرجي كاتب عراقي

الكلمات الأكثر بحثاً