قارئة الودع
رمزي الغزوي
رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي
نيسان ـ نشر في 2026-10-29 الساعة 09:49
نيسان ـ في مواسم الزيت وبدايات الشتاء كان الغجر يحلون على قريتنا ويضربون خرابيشهم الملونة وخيامهم الواسعة في السهل الواسع. كنا نهبّ نعاونهم بنقل الماء وسرقة ما تيسر من حطب أسيجة دورنا عربوناً لمحبة ومفتاحا لتعارف جديد.
كان الفرح يملؤنا حتى وشوشة رؤوسنا، نحن الأولاد الممزوجين بالعفرتة والطيبة وبدايات العشق. وكل حين، وفي غمرة انشغالنا بوصولهم كان يهمزني قلبي الخجول: هل عادت غجرية الحرير معهم؟ هل كبرتْ بما يكفي لتنوش نجمة؟ هل صار شعرها أرجوحة حلم طيّار؟
كان الغجر يحيلون القرية نشاطاً وحركة، والكل يقصدهم. هذا يريد أن يركِّب أسناناً ذهبية بدل تلك الآيلة للسقوط، وآخر يروم شحذ فأسه، فيما امرأة طاعنة بالبركة تطلب غربالاً للقمح، وأخرى تريد أن تبيّض أوانيها النحاسية لتعود لامعة كعروس على مصمدها.
ونحن كان يعجبنا أن تعطينا الغجرية العجوز غليونها القصبي الطويل نعبّ منه الدخان ساعلين بعيون دامعة لنطلق سحابةً بيضاء نخالها ستمطر على عتبة الخيمة. كان يعجبنا أكثر أن نساعد الحداد الصموت، فننفخ له الكور ونراقب الحديدة كيف تغدو دماً ملتهباً بين الجمرات النزقات، ثم تصير فأسا بعد سيل من ضربات المطرقة الثقيلة. فيا ذا الحداد الأبله قل لنا بربك ماذا ستصير قلوبنا إذا ما لاحتها مطارق الحب؟
وكثيراً ما كنت أتصنم أمام الصانع الحاذق صاحب الشعر الأبيض المجعود، إذ يصنع خنجراً من قرن كبش، وكم تمنيت لو أتزنر بذاك الخنجر وأقتحم عرين الشمس لأنحرها قرباناً لغزالة لم تعد مع العائدين. غزالة بمذاق زيت بكر وياسمينة على بوابة الجيران.
كانت الغجريات يجبن البيوت والحارات ويبعن الإبر والأمشاط وعلكة البطم، ومنهن من يقرأن الحظ بأصداف الودع. وذات تشرين بعيد بعيد تنادي أمك غجرية جوالة وتطلب منها أن تقرأ بعض حظك، لقاء خيط من زيت، فترمي الغجرية ودعها على صفحة الترب، مرة إثر مرة وفي كل مرة تبلع ضحكتها وتحيلها إلى بسمة من بيلسان.
تعتدل الغجرية وتصب رماح عينيها في عينيك، وتبتسم بشفتين رقيقتين، وتقول لأمك بنصر وكأنها اكتشفت قارة جديدة: هذا ولد عفريت، قلبه عود كبريت، يحلم بأجنحة طويييييلة لسفر بعيييييييد، فلا تدعيه يفر من تحت جناحيك.
سكتت أمي، وأنا فرحت بسري كثيراً، فقارئة الودع الغشيمة لم تقل لأمي شيئاً بشأن الوقوع في الحب، وعندها انسحبت متسللا أتحسس قلباً يلتهب في كانون الصدر، وأرجو لو يغدو خنجراً أذبح به شمساً تتبختر على قارعة المستحيل.
كان الفرح يملؤنا حتى وشوشة رؤوسنا، نحن الأولاد الممزوجين بالعفرتة والطيبة وبدايات العشق. وكل حين، وفي غمرة انشغالنا بوصولهم كان يهمزني قلبي الخجول: هل عادت غجرية الحرير معهم؟ هل كبرتْ بما يكفي لتنوش نجمة؟ هل صار شعرها أرجوحة حلم طيّار؟
كان الغجر يحيلون القرية نشاطاً وحركة، والكل يقصدهم. هذا يريد أن يركِّب أسناناً ذهبية بدل تلك الآيلة للسقوط، وآخر يروم شحذ فأسه، فيما امرأة طاعنة بالبركة تطلب غربالاً للقمح، وأخرى تريد أن تبيّض أوانيها النحاسية لتعود لامعة كعروس على مصمدها.
ونحن كان يعجبنا أن تعطينا الغجرية العجوز غليونها القصبي الطويل نعبّ منه الدخان ساعلين بعيون دامعة لنطلق سحابةً بيضاء نخالها ستمطر على عتبة الخيمة. كان يعجبنا أكثر أن نساعد الحداد الصموت، فننفخ له الكور ونراقب الحديدة كيف تغدو دماً ملتهباً بين الجمرات النزقات، ثم تصير فأسا بعد سيل من ضربات المطرقة الثقيلة. فيا ذا الحداد الأبله قل لنا بربك ماذا ستصير قلوبنا إذا ما لاحتها مطارق الحب؟
وكثيراً ما كنت أتصنم أمام الصانع الحاذق صاحب الشعر الأبيض المجعود، إذ يصنع خنجراً من قرن كبش، وكم تمنيت لو أتزنر بذاك الخنجر وأقتحم عرين الشمس لأنحرها قرباناً لغزالة لم تعد مع العائدين. غزالة بمذاق زيت بكر وياسمينة على بوابة الجيران.
كانت الغجريات يجبن البيوت والحارات ويبعن الإبر والأمشاط وعلكة البطم، ومنهن من يقرأن الحظ بأصداف الودع. وذات تشرين بعيد بعيد تنادي أمك غجرية جوالة وتطلب منها أن تقرأ بعض حظك، لقاء خيط من زيت، فترمي الغجرية ودعها على صفحة الترب، مرة إثر مرة وفي كل مرة تبلع ضحكتها وتحيلها إلى بسمة من بيلسان.
تعتدل الغجرية وتصب رماح عينيها في عينيك، وتبتسم بشفتين رقيقتين، وتقول لأمك بنصر وكأنها اكتشفت قارة جديدة: هذا ولد عفريت، قلبه عود كبريت، يحلم بأجنحة طويييييلة لسفر بعيييييييد، فلا تدعيه يفر من تحت جناحيك.
سكتت أمي، وأنا فرحت بسري كثيراً، فقارئة الودع الغشيمة لم تقل لأمي شيئاً بشأن الوقوع في الحب، وعندها انسحبت متسللا أتحسس قلباً يلتهب في كانون الصدر، وأرجو لو يغدو خنجراً أذبح به شمساً تتبختر على قارعة المستحيل.
نيسان ـ نشر في 2026-10-29 الساعة 09:49
رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي
