اتصل بنا
 

حكومة تحت الأربعين… أم دولة خارج التقاعد؟

نيسان ـ نشر في 2026-10-29 الساعة 20:45

نيسان ـ لماذا نصرّ على أن تكون الوزارة محطة أخيرة في مسيرة المسؤول، بدل أن تكون نقطة انطلاق لمرحلة جديدة في إدارة الدولة؟
أنا أتحدث عن وزراء في الأربعين وما دون، لا لأن العمر وحده يصنع النجاح، بل لأن الأردن بحاجة إلى جيل جديد يفكر بعقلية مختلفة، ويتعامل مع التكنولوجيا والاقتصاد والاستثمار وسوق العمل بأدوات هذا العصر، لا بأدوات الأرشيف.
نريد وزراء شبابًا، لكننا لا نريد حكومة هواة. وهنا يأتي دور الأمناء العامين من أبناء القطاعات نفسها؛ أصحاب الخبرة المؤسسية والتفاصيل الفنية، الذين يشكّلون سندًا للوزير الشاب، وينقلون إليه المعرفة المتراكمة، ويساعدونه على فهم الملفات واتخاذ القرارات. الوزير يضع الرؤية ويقود التغيير، والأمين العام يضمن استمرارية العمل وكفاءة التنفيذ. هكذا تتكامل الحيوية مع الخبرة، بدل أن تتحول الخبرة إلى ذريعة لإغلاق الأبواب أمام جيل جديد.
لكن المشكلة لا تُحل بتغيير الأعمار والوجوه فقط. المطلوب تغيير آلية اختيار الوزراء من أساسها.
لماذا لا يُرشّح كل قطاع كفاءاته؟ لماذا لا تتقدم الجامعات بأسماء القادرين على قيادة التعليم، والقطاع الصحي بكفاءاته، وقطاعات الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا بمرشحيها، وفق معايير معلنة وسجل مهني واضح؟ تُدرس الترشيحات من خلال آلية مستقلة وشفافة، ويختار رئيس الوزراء من بين أصحاب الكفاءة والقدرة على الإنجاز، بعيدًا عن المحاصصة والمجاملات ودفتر الهواتف.
لسنا بحاجة إلى وزير يعرف كيف يصل إلى المنصب، بل إلى وزير يعرف ماذا سيفعل به.
والأهم: يجب أن يُحاسَب الوزير كما يُحاسَب المدير التنفيذي في القطاع الخاص، مع مراعاة طبيعة المسؤولية العامة.
لكل وزير مؤشرات أداء معلنة، وأهداف محددة، وجدول زمني للتنفيذ. وزير الاستثمار يُحاسَب على النتائج الفعلية للاستثمارات وفرص العمل، لا على عدد الوفود التي استقبلها. ووزير التعليم على تحسّن جودة التعليم والمهارات، لا على عدد الاجتماعات. ووزير الصحة على جودة الخدمة وسهولة الوصول إليها، لا على عدد الجولات الميدانية والصور المنشورة.
تُراجع النتائج دوريًا، وتُنشر للرأي العام، ويستمر الوزير الذي يحقق أهدافه، ويُسأل من يتعثر، ويغادر من يفشل باستمرار دون مبرر مقنع. فالمنصب العام ليس عقدًا مفتوحًا، والثقة لا تعني حصانة من المحاسبة.
أما الوزراء السابقون، فهم ثروة من الخبرة لا ينبغي التفريط بها، لكن مكان الخبرة ليس بالضرورة أن يكون في الكرسي نفسه. نريدهم بيوت خبرة ومستشارين وموجهين، لا أسماء تتكرر في كل تعديل وزاري وكأن الدولة لا تستطيع أن تتنفس من دون استدعاء أرشيفها.
ونريد رئيس حكومة يمتلك الخبرة السياسية والإدارية، لكنه شاب في تفكيره، يؤمن بأن بناء الدولة لا يعني احتكار القرار، وأن اختيار فريقه يجب أن يقوم على الكفاءة والقدرة، لا على إرضاء الأسماء وإعادة تدويرها.
قد يقول قائل إن الشباب تنقصهم الخبرة. والجواب بسيط: الخبرة لا تولد مع الإنسان، بل تُكتسب بالمسؤولية والممارسة. وإذا ظللنا نمنح المواقع لمن سبق لهم الجلوس عليها، فمن أين سيأتي أصحاب الخبرة الجدد؟
السؤال الحقيقي ليس: هل نثق بالشباب؟ بل: هل نثق بقدرتنا على بناء نظام يختار الأكفأ، ويدعمه، ثم يحاسبه؟
نريد حكومة تحت الأربعين، لا حكومة تحت التجربة. حكومة شابة في قيادتها، راسخة في مؤسساتها، واضحة في أهدافها، صارمة في محاسبتها.
فالدولة ليست ناديًا مغلقًا يتوارث أعضاؤه المناصب، والوزارة ليست مكافأة على سنوات الخدمة، والشباب ليسوا ديكورًا في المؤتمرات الوطنية.
آن الأوان أن ننتقل من حكومة الأسماء إلى حكومة الأداء؛ من التعيين بالعلاقات إلى الاختيار بالكفاءات، ومن حصانة الكرسي إلى محاسبة النتائج.
عندها فقط يصبح السؤال عن عمر الوزير أقل أهمية من السؤال الذي يجب أن يقلق كل وزير: ماذا أنجزت، وماذا تغيّر في حياة الناس؟

نيسان ـ نشر في 2026-10-29 الساعة 20:45


رأي: بشار الحوامدة

الكلمات الأكثر بحثاً