النقود الورقية تعود من جديد.. مخاطر تهدد العالم الرقمي
نيسان ـ نشر في 2026-10-30 الساعة 03:40
نيسان ـ مع تصاعد المخاوف من الهجمات السيبرانية، أو محاولات تخريب الخطوط الدولية لشبكات الإنترنت، أو حتى انقطاع الكهرباء، تتزايد التحذيرات من احتمال تعرض الأسر لأزمات مالية مؤقتة، في ظل اعتمادها المتزايد على وسائل الدفع الإلكتروني.
وفي ظل الهاجس الأمني الذي يشهده العالم حاليا، أثبتت العملات المعدنية والأوراق النقدية أنها لا تزال تحتفظ بمكانتها بوصفها بديلا ضروريا في حالات الطوارئ، فهي وسيلة الدفع التي لا تتطلب، في حد ذاتها، توافر أجهزة إلكترونية أو كهرباء أو اتصال بالإنترنت.
وفي المواقف الحرجة، حين تتوقف البدائل التكنولوجية عن العمل، تزداد أهمية النقد، ويصبح وسيلة مساعدة على تلبية الاحتياجات اليومية. فقد أثبتت العملات المعدنية والأوراق النقدية جدارتها بوصفها وسيلة دفع مستقلة وموثوقة ومقبولة على نطاق واسع، بما يتيح مواصلة المشتريات اليومية حتى في ظل الظروف القاسية.
ومع انتشار المدفوعات الرقمية، أصبحت التكنولوجيا القائمة على الإنترنت عنصرا جوهريا في إتمام هذه المعاملات. إلا أن المخاوف المتزايدة بشأن تعطل البنية التحتية الرقمية تجعل من العملات التقليدية خيارا احتياطيا يصعب الاستغناء عنه.
ما دور الإنترنت في عمليات الدفع الإلكتروني؟
تتطلب وسائل الدفع الرقمي، مثل بطاقات الائتمان وبطاقات الخصم والمحافظ الإلكترونية، اتصالا بالإنترنت في كثير من الحالات لإتمام المعاملات وتسويتها، إذ يتعين على الجهات المعنية بمعالجة المدفوعات تبادل البيانات والتواصل مع البنوك لإتمام العملية، وهو ما يعتمد بدوره على توافر الاتصال بالشبكة.
ومع ذلك، يتفاوت الوصول إلى الإنترنت تفاوتا كبيرا على مستوى العالم، إذ تشير تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن نحو 2.6 مليار شخص حول العالم لا يزالون يفتقرون إلى إمكانية الوصول إلى الإنترنت، فيما تبلغ نسبة غير المتصلين بالشبكة نحو 70% في أقل البلدان نموا.
ما أبرز الأعطال التي أثرت على الدفع الإلكتروني؟
إلى جانب مشكلات الوصول إلى الإنترنت، سلطت عدة أعطال تقنية بارزة خلال السنوات الأخيرة الضوء على الحاجة إلى تعزيز موثوقية أنظمة الدفع الرقمي ومرونتها، وضمان قدرتها على مواصلة العمل في الظروف الاستثنائية.
فعلى سبيل المثال، أدت أعطال في شركة «سكوير» في سبتمبر/أيلول 2023، وشركة «فيسيرف» في فبراير/شباط 2021، وهما من الجهات العاملة في مجال معالجة المدفوعات بالولايات المتحدة، إلى تعذر قبول المدفوعات الإلكترونية لدى عدد من التجار.
وفي أوروبا، تسبب عطل في شبكة «فيزا» عام 2018 في فشل 5 ملايين معاملة على مدار 10 ساعات. وفي مصر، تعطلت خدمات بعد حريق سنترال رمسيس في يوليو/تموز 2025، وهو ما يسلط الضوء على تداعيات اضطراب الاتصالات على الخدمات الرقمية.
وشهدت إسبانيا بدورها انقطاعا مفاجئا للكهرباء في أبريل/نيسان 2025، أعاد الانتباه إلى مدى اعتماد الخدمات اليومية على البنية التحتية للكهرباء والاتصالات.
هل توجد بدائل للدفع الإلكتروني لا تعتمد على الإنترنت؟
خلال السنوات الأخيرة، أطلق مقدمو خدمات الدفع مجموعة متنوعة من حلول الدفع الرقمي التي توصف بأنها «تعمل دون اتصال بالإنترنت»، في محاولة للحد من تأثير الانقطاعات المؤقتة على المعاملات المالية.
وتشير النتائج إلى أن أنظمة الدفع الرقمي التي تعمل بصورة مستقلة تماما عن الإنترنت لا تزال محدودة للغاية من الناحية العملية. فالعديد من الخدمات التي تُسوَّق باعتبارها حلولا للدفع «دون اتصال» تُصنف بدقة أكبر ضمن الحلول الهجينة، نظرًا إلى اعتمادها في نهاية المطاف على الاتصال بالإنترنت لإتمام عمليات التفويض أو التسوية.
ومع ذلك، يمكن لهذه الخدمات أن تسهم في الحد من المخاطر المرتبطة بانقطاعات الإنترنت المؤقتة، في حين لا تزال أنظمة الدفع الرقمي التي تعمل دون اتصال بالإنترنت بصورة كاملة في مراحل مبكرة من التطوير.
ويمكن للتطبيقات الأكثر نضجا لهذه الأنظمة أن تعزز مرونة نظم المدفوعات، وتحسن في الوقت ذاته فرص الوصول إلى خدمات الدفع الرقمي في المناطق التي يمثل فيها غياب الاتصال بالإنترنت عائقا أمام انتشار هذه الخدمات واستخدامها.
ما آلية عمل المدفوعات الرقمية؟
لفهم آلية عمل المدفوعات الرقمية التي تتم دون اتصال بالإنترنت، من المفيد أولا النظر في كيفية إجراء المدفوعات الرقمية التقليدية عبر الشبكة.
فعلى سبيل المثال، عندما يجري مستهلك عملية دفع باستخدام بطاقة ائتمانية لدى أحد التجار، تعتمد المؤسسات المالية التابعة لكل من المستهلك والتاجر على الاتصال بالإنترنت لتبادل المعلومات اللازمة وإتمام عملية الدفع.
وخلال ثوانٍ معدودة، تُرسل بيانات بطاقة المستهلك إلى الجهة المعنية بمعالجة المدفوعات، حيث يجري التحقق من صلاحية البطاقة، والتأكد من توافر الأموال اللازمة، ثم إرسال قرار الموافقة على المعاملة أو رفضها إلى جهاز نقطة البيع.
كما يتيح الاتصال بالإنترنت، خلال هذه العملية، للمؤسسات المالية وجهات معالجة المدفوعات تبادل المعلومات المتعلقة بالمؤشرات التحذيرية للاحتيال وغسل الأموال، بما يسهم في حماية أنظمة الدفع من الأنشطة الضارة والمعاملات غير المشروعة.
في المقابل، لا تتطلب المدفوعات الرقمية «غير المتصلة بالإنترنت» وجود اتصال بالشبكة لحظة تنفيذ عملية الدفع. وتنقسم هذه المدفوعات إلى فئتين رئيسيتين: المدفوعات «الهجينة» والمدفوعات «غير المتصلة بالإنترنت بالكامل»، وفقًا لمدى اعتمادها على الاتصال بالشبكة في المراحل اللاحقة لإتمام المعاملة.
ما المدفوعات الرقمية الهجينة التي تعمل دون اتصال بالإنترنت؟
توفر خدمات الدفع الرقمي الهجينة قدرات إضافية تتيح تنفيذ المعاملات دون اتصال بالإنترنت، مقارنة بأنظمة الدفع التقليدية. وفي أغلب الحالات، تسمح هذه الخدمات للتجار بمواصلة قبول المدفوعات الرقمية حتى في حال انقطاع الاتصال بالشبكة بصورة مؤقتة.
وعادة ما يقع الانقطاع في نظام نقطة البيع، الذي يفقد إمكانية الوصول إلى الإنترنت أو الاتصال به لحظة إتمام عملية الدفع.
ويُشار أحيانا إلى هذه الخدمات الهجينة باعتبارها خيارات تتيح العمل دون اتصال بالإنترنت ضمن منظومة المدفوعات. غير أن هذا الوصف قد يكون مضللا، لأن هذه الأنظمة تظل بحاجة إلى الاتصال بالإنترنت، سواء بعد إتمام عملية البيع أو بصورة دورية، من أجل تفويض المعاملات وتسويتها.
وفي نموذج الدفع الرقمي الهجين المعتاد، يستخدم الدافع وسيلة دفع، مثل بطاقة ائتمانية أو رمز الاستجابة السريعة (QR code) أو محفظة رقمية، عبر جهاز نقطة بيع غير متصل بالإنترنت. وفي المقابل، يؤجل الطرف المتلقي، أي التاجر أو الشخص الذي يستقبل المبلغ، طلب تفويض المعاملة إلى وقت لاحق، بعد استعادة الاتصال بالشبكة.
فعلى سبيل المثال، عند استخدام بطاقات الدفع في الأنظمة الهجينة، يتولى جهاز نقطة البيع غير المتصل بالإنترنت إجراء بعض عمليات التحقق محليا عند تقديم بيانات بطاقة الدافع.
ثم يخزن الجهاز بيانات المعاملة محليا، بما يشمل تفاصيل البطاقة والمبلغ والطابع الزمني وغيرها من المعلومات ذات الصلة.
وفي هذه المرحلة، يمكن للمتلقي تسليم السلع أو تقديم الخدمات إلى الدافع. لكن، في ظل غياب الاتصال بالإنترنت، لا يستطيع الجهاز التواصل مع الجهة المعنية بمعالجة معاملات البطاقات للتحقق مما إذا كان لدى الدافع رصيد كاف لتغطية قيمة المبلغ المطلوب.
وتفرض بعض أجهزة الدفع حدودا زمنية للاحتفاظ بالمعاملات محليا، تتراوح عادة بين 24 و72 ساعة، وقد تُحذف المعاملات المعلقة إذا لم يُستعد الاتصال بالإنترنت خلال تلك الفترة، وفقا لقواعد النظام المستخدم.
وفي حال عدم توافر رصيد كافٍ لدى الدافع، أو استمرار انقطاع الإنترنت لفترة طويلة، قد يتحمل المتلقي، أي الجهة التي تستقبل المدفوعات، الخسارة المالية.
وبينما يرى الدافع أن المعاملة أُنجزت بسرعة تضاهي سرعة أنظمة الدفع المتصلة بالإنترنت، يواجه المتلقي مسارا أبطأ لمعالجة المعاملة، إذ يعتمد إتمامها على توقيت استعادة الاتصال بالشبكة. كما يتحمل مخاطر تتمثل في احتمال التعرض للاحتيال أو فقدان قيمة المعاملة إذا لم تُستكمل تسويتها.
هل المدفوعات الرقمية دون اتصال بالإنترنت مفيدة وقت الأزمات؟
في أنظمة المدفوعات الرقمية التي تعمل دون اتصال بالإنترنت بصورة كاملة، يستخدم طرفان أجهزة دفع لإجراء المعاملات مباشرة، دون الحاجة إلى توافر اتصال بالإنترنت لدى الدافع أو المتلقي في أي مرحلة من مراحل العملية.
ويمتلك كل من الدافع والمتلقي جهازا ماديا يخزن الأموال رقميا أو يحتفظ بسجل لقيمتها محليا، بما يسمح بإتمام المعاملة دون التفاعل مع وسيط متصل بالإنترنت.
وفي هذا النموذج، تُخزن الأموال رقميا على جهاز للدفع، مثل الهاتف المحمول، وتكون عادة محمية بالتشفير. وعند تقارب الجهازين ماديا، تُنقل القيمة المالية من جهاز الدافع إلى جهاز المتلقي باستخدام بروتوكولات آمنة.
ويمكن وصف أنظمة المدفوعات التي تعمل دون اتصال بالإنترنت بأنها تتيح تبادل أدوات مالية رقمية لحاملها، بما يسمح بالتسوية الفورية والمباشرة بين الطرفين.
ومع ذلك، لا تزال أنظمة الدفع الرقمي التي تعمل بصورة مستقلة تماما عن الاتصال بالإنترنت تواجه تحديات تقنية وعملية كبيرة، ولا يمكن اعتبارها بديلا شاملا ومتاحا على نطاق واسع لأنظمة الدفع التقليدية.
فمن الصعب للغاية تصميم وتنفيذ نظام دفع لا يعتمد على اتصال مباشر بمؤسسة مالية في أي مرحلة من مراحل عمله؛ إذ يساعد هذا الاتصال على التحقق من صحة المعاملات، والمصادقة على هوية المستخدم، ومنع المدفوعات غير المصرح بها، وضمان التوافق بين الأنظمة المختلفة.
ما مخاطر أنظمة الدفع الهجينة؟
تُصنف أبرز تطبيقات المدفوعات الرقمية غير المتصلة بالإنترنت المتاحة عمليا حاليا ضمن فئة المدفوعات الهجينة، وليس المدفوعات التي تعمل دون اتصال بالإنترنت بالكامل.
وتستفيد الأنظمة الهجينة من إمكانات الدفع المتصل بالإنترنت وغير المتصل به، بما يتيح استمرار بعض المعاملات خلال الانقطاعات المؤقتة. وتشير الأبحاث الأولية إلى إمكانية تطوير أنظمة دفع رقمية تعمل دون اتصال بالإنترنت بالكامل في المستقبل، لكن هذا المجال لا يزال بحاجة إلى مزيد من البحوث والتطبيقات العملية.
ويمكن للمدفوعات غير المتصلة بالإنترنت، سواء كانت هجينة أو مستقلة تماما عن الشبكة، أن تعزز مرونة أنظمة الدفع الرقمي وموثوقيتها، إذا صممت ونفذت بما يراعي المخاطر المرتبطة بها.
فالأنظمة الهجينة تساعد على التخفيف من آثار انقطاعات الإنترنت المؤقتة، وهو أمر بالغ الأهمية لإتمام المعاملات في سياقات متنوعة، مثل المناطق النائية والفعاليات المزدحمة والمناطق التي تعاني ضعف الاتصال بالشبكة أو عدم استقراره.
أما أنظمة الدفع الرقمي الأكثر تطورا، التي يمكنها العمل دون اتصال بالإنترنت بصورة كاملة، فقد توفر فوائد أوسع للفئات التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات الرقمية أو تعاني الاستبعاد الرقمي.
ومع ذلك، تنطوي المدفوعات غير المتصلة بالإنترنت على مخاطر أيضا. ولذلك، يتعين على الشركات والمؤسسات المالية التي تسعى إلى تبني هذه النماذج تحديد المخاطر المتعلقة بالإنفاق المزدوج، وأمن المعاملات، وخصوصية المستخدمين، واحتمال فقدان الأموال أو السيطرة عليها.
ما التوصيات العالمية للتعامل مع الحالات الحرجة؟
خلال الفترة الأخيرة، أوصت جهات رسمية في عدد من الدول، من بينها هولندا والسويد، بالاحتفاظ بمبالغ نقدية للطوارئ. كما تدعو إرشادات في دول أخرى إلى توفير مبلغ نقدي محدود تحسبا لانقطاع الكهرباء أو تعطل وسائل الدفع الإلكترونية، بما يضمن القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية عند توقف الأنظمة الرقمية.
وأوصى البنك المركزي الهولندي بالاستعداد لحالات الطوارئ التي قد يتوقف خلالها نظام الدفع عن العمل لمدة 72 ساعة. وقد يحدث ذلك نتيجة تعطل أجهزة الدفع أو توقف أجهزة الصراف الآلي أو تعذر استخدام الخدمات المصرفية عبر الإنترنت.
ونصح البنك بالاحتفاظ بمبلغ نقدي في متناول اليد يقدَّر بنحو 70 يورو لكل بالغ و30 يورو لكل طفل، لتغطية النفقات الأساسية خلال الساعات الـ72 الأولى من الطوارئ، مثل شراء المياه والغذاء وتوفير وسائل النقل. كما أوصى بتوفير وسائل دفع متنوعة تحسبا لهذه الظروف.
وتشير توصيات وإرشادات في عدد من الدول الأوروبية إلى الاحتفاظ بمبلغ نقدي يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية خلال فترة الطوارئ، فيما تتراوح بعض التقديرات الإرشادية بين 70 و100 يورو للفرد، بحسب الدولة وطبيعة التوصية والاحتياجات التي تستهدف تغطيتها.
وفي السويد، أوصى البنك المركزي بالاحتفاظ بنحو 1000 كرونة سويدية لكل بالغ في المنزل، مع توفير أوراق نقدية من فئات متنوعة، إلى جانب وسائل دفع بديلة، تحسبا لتعطل أنظمة الدفع. ويُعد هذا المبلغ معيارا إرشاديا لتغطية المشتريات الأساسية لمدة أسبوع تقريبا، مع اختلاف الاحتياجات من أسرة إلى أخرى.
وتؤكد هذه التوصيات أهمية الاستعداد لتعطل وسائل الدفع الإلكترونية، دون أن تعني التخلي عن الخدمات المصرفية الرقمية أو سحب المدخرات من البنوك. فالاحتفاظ بمبلغ نقدي محدود، إلى جانب تنويع وسائل الدفع، يساعد الأسر على مواصلة تلبية احتياجاتها الأساسية إلى حين عودة الخدمات إلى العمل.
وفي ظل الهاجس الأمني الذي يشهده العالم حاليا، أثبتت العملات المعدنية والأوراق النقدية أنها لا تزال تحتفظ بمكانتها بوصفها بديلا ضروريا في حالات الطوارئ، فهي وسيلة الدفع التي لا تتطلب، في حد ذاتها، توافر أجهزة إلكترونية أو كهرباء أو اتصال بالإنترنت.
وفي المواقف الحرجة، حين تتوقف البدائل التكنولوجية عن العمل، تزداد أهمية النقد، ويصبح وسيلة مساعدة على تلبية الاحتياجات اليومية. فقد أثبتت العملات المعدنية والأوراق النقدية جدارتها بوصفها وسيلة دفع مستقلة وموثوقة ومقبولة على نطاق واسع، بما يتيح مواصلة المشتريات اليومية حتى في ظل الظروف القاسية.
ومع انتشار المدفوعات الرقمية، أصبحت التكنولوجيا القائمة على الإنترنت عنصرا جوهريا في إتمام هذه المعاملات. إلا أن المخاوف المتزايدة بشأن تعطل البنية التحتية الرقمية تجعل من العملات التقليدية خيارا احتياطيا يصعب الاستغناء عنه.
ما دور الإنترنت في عمليات الدفع الإلكتروني؟
تتطلب وسائل الدفع الرقمي، مثل بطاقات الائتمان وبطاقات الخصم والمحافظ الإلكترونية، اتصالا بالإنترنت في كثير من الحالات لإتمام المعاملات وتسويتها، إذ يتعين على الجهات المعنية بمعالجة المدفوعات تبادل البيانات والتواصل مع البنوك لإتمام العملية، وهو ما يعتمد بدوره على توافر الاتصال بالشبكة.
ومع ذلك، يتفاوت الوصول إلى الإنترنت تفاوتا كبيرا على مستوى العالم، إذ تشير تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن نحو 2.6 مليار شخص حول العالم لا يزالون يفتقرون إلى إمكانية الوصول إلى الإنترنت، فيما تبلغ نسبة غير المتصلين بالشبكة نحو 70% في أقل البلدان نموا.
ما أبرز الأعطال التي أثرت على الدفع الإلكتروني؟
إلى جانب مشكلات الوصول إلى الإنترنت، سلطت عدة أعطال تقنية بارزة خلال السنوات الأخيرة الضوء على الحاجة إلى تعزيز موثوقية أنظمة الدفع الرقمي ومرونتها، وضمان قدرتها على مواصلة العمل في الظروف الاستثنائية.
فعلى سبيل المثال، أدت أعطال في شركة «سكوير» في سبتمبر/أيلول 2023، وشركة «فيسيرف» في فبراير/شباط 2021، وهما من الجهات العاملة في مجال معالجة المدفوعات بالولايات المتحدة، إلى تعذر قبول المدفوعات الإلكترونية لدى عدد من التجار.
وفي أوروبا، تسبب عطل في شبكة «فيزا» عام 2018 في فشل 5 ملايين معاملة على مدار 10 ساعات. وفي مصر، تعطلت خدمات بعد حريق سنترال رمسيس في يوليو/تموز 2025، وهو ما يسلط الضوء على تداعيات اضطراب الاتصالات على الخدمات الرقمية.
وشهدت إسبانيا بدورها انقطاعا مفاجئا للكهرباء في أبريل/نيسان 2025، أعاد الانتباه إلى مدى اعتماد الخدمات اليومية على البنية التحتية للكهرباء والاتصالات.
هل توجد بدائل للدفع الإلكتروني لا تعتمد على الإنترنت؟
خلال السنوات الأخيرة، أطلق مقدمو خدمات الدفع مجموعة متنوعة من حلول الدفع الرقمي التي توصف بأنها «تعمل دون اتصال بالإنترنت»، في محاولة للحد من تأثير الانقطاعات المؤقتة على المعاملات المالية.
وتشير النتائج إلى أن أنظمة الدفع الرقمي التي تعمل بصورة مستقلة تماما عن الإنترنت لا تزال محدودة للغاية من الناحية العملية. فالعديد من الخدمات التي تُسوَّق باعتبارها حلولا للدفع «دون اتصال» تُصنف بدقة أكبر ضمن الحلول الهجينة، نظرًا إلى اعتمادها في نهاية المطاف على الاتصال بالإنترنت لإتمام عمليات التفويض أو التسوية.
ومع ذلك، يمكن لهذه الخدمات أن تسهم في الحد من المخاطر المرتبطة بانقطاعات الإنترنت المؤقتة، في حين لا تزال أنظمة الدفع الرقمي التي تعمل دون اتصال بالإنترنت بصورة كاملة في مراحل مبكرة من التطوير.
ويمكن للتطبيقات الأكثر نضجا لهذه الأنظمة أن تعزز مرونة نظم المدفوعات، وتحسن في الوقت ذاته فرص الوصول إلى خدمات الدفع الرقمي في المناطق التي يمثل فيها غياب الاتصال بالإنترنت عائقا أمام انتشار هذه الخدمات واستخدامها.
ما آلية عمل المدفوعات الرقمية؟
لفهم آلية عمل المدفوعات الرقمية التي تتم دون اتصال بالإنترنت، من المفيد أولا النظر في كيفية إجراء المدفوعات الرقمية التقليدية عبر الشبكة.
فعلى سبيل المثال، عندما يجري مستهلك عملية دفع باستخدام بطاقة ائتمانية لدى أحد التجار، تعتمد المؤسسات المالية التابعة لكل من المستهلك والتاجر على الاتصال بالإنترنت لتبادل المعلومات اللازمة وإتمام عملية الدفع.
وخلال ثوانٍ معدودة، تُرسل بيانات بطاقة المستهلك إلى الجهة المعنية بمعالجة المدفوعات، حيث يجري التحقق من صلاحية البطاقة، والتأكد من توافر الأموال اللازمة، ثم إرسال قرار الموافقة على المعاملة أو رفضها إلى جهاز نقطة البيع.
كما يتيح الاتصال بالإنترنت، خلال هذه العملية، للمؤسسات المالية وجهات معالجة المدفوعات تبادل المعلومات المتعلقة بالمؤشرات التحذيرية للاحتيال وغسل الأموال، بما يسهم في حماية أنظمة الدفع من الأنشطة الضارة والمعاملات غير المشروعة.
في المقابل، لا تتطلب المدفوعات الرقمية «غير المتصلة بالإنترنت» وجود اتصال بالشبكة لحظة تنفيذ عملية الدفع. وتنقسم هذه المدفوعات إلى فئتين رئيسيتين: المدفوعات «الهجينة» والمدفوعات «غير المتصلة بالإنترنت بالكامل»، وفقًا لمدى اعتمادها على الاتصال بالشبكة في المراحل اللاحقة لإتمام المعاملة.
ما المدفوعات الرقمية الهجينة التي تعمل دون اتصال بالإنترنت؟
توفر خدمات الدفع الرقمي الهجينة قدرات إضافية تتيح تنفيذ المعاملات دون اتصال بالإنترنت، مقارنة بأنظمة الدفع التقليدية. وفي أغلب الحالات، تسمح هذه الخدمات للتجار بمواصلة قبول المدفوعات الرقمية حتى في حال انقطاع الاتصال بالشبكة بصورة مؤقتة.
وعادة ما يقع الانقطاع في نظام نقطة البيع، الذي يفقد إمكانية الوصول إلى الإنترنت أو الاتصال به لحظة إتمام عملية الدفع.
ويُشار أحيانا إلى هذه الخدمات الهجينة باعتبارها خيارات تتيح العمل دون اتصال بالإنترنت ضمن منظومة المدفوعات. غير أن هذا الوصف قد يكون مضللا، لأن هذه الأنظمة تظل بحاجة إلى الاتصال بالإنترنت، سواء بعد إتمام عملية البيع أو بصورة دورية، من أجل تفويض المعاملات وتسويتها.
وفي نموذج الدفع الرقمي الهجين المعتاد، يستخدم الدافع وسيلة دفع، مثل بطاقة ائتمانية أو رمز الاستجابة السريعة (QR code) أو محفظة رقمية، عبر جهاز نقطة بيع غير متصل بالإنترنت. وفي المقابل، يؤجل الطرف المتلقي، أي التاجر أو الشخص الذي يستقبل المبلغ، طلب تفويض المعاملة إلى وقت لاحق، بعد استعادة الاتصال بالشبكة.
فعلى سبيل المثال، عند استخدام بطاقات الدفع في الأنظمة الهجينة، يتولى جهاز نقطة البيع غير المتصل بالإنترنت إجراء بعض عمليات التحقق محليا عند تقديم بيانات بطاقة الدافع.
ثم يخزن الجهاز بيانات المعاملة محليا، بما يشمل تفاصيل البطاقة والمبلغ والطابع الزمني وغيرها من المعلومات ذات الصلة.
وفي هذه المرحلة، يمكن للمتلقي تسليم السلع أو تقديم الخدمات إلى الدافع. لكن، في ظل غياب الاتصال بالإنترنت، لا يستطيع الجهاز التواصل مع الجهة المعنية بمعالجة معاملات البطاقات للتحقق مما إذا كان لدى الدافع رصيد كاف لتغطية قيمة المبلغ المطلوب.
وتفرض بعض أجهزة الدفع حدودا زمنية للاحتفاظ بالمعاملات محليا، تتراوح عادة بين 24 و72 ساعة، وقد تُحذف المعاملات المعلقة إذا لم يُستعد الاتصال بالإنترنت خلال تلك الفترة، وفقا لقواعد النظام المستخدم.
وفي حال عدم توافر رصيد كافٍ لدى الدافع، أو استمرار انقطاع الإنترنت لفترة طويلة، قد يتحمل المتلقي، أي الجهة التي تستقبل المدفوعات، الخسارة المالية.
وبينما يرى الدافع أن المعاملة أُنجزت بسرعة تضاهي سرعة أنظمة الدفع المتصلة بالإنترنت، يواجه المتلقي مسارا أبطأ لمعالجة المعاملة، إذ يعتمد إتمامها على توقيت استعادة الاتصال بالشبكة. كما يتحمل مخاطر تتمثل في احتمال التعرض للاحتيال أو فقدان قيمة المعاملة إذا لم تُستكمل تسويتها.
هل المدفوعات الرقمية دون اتصال بالإنترنت مفيدة وقت الأزمات؟
في أنظمة المدفوعات الرقمية التي تعمل دون اتصال بالإنترنت بصورة كاملة، يستخدم طرفان أجهزة دفع لإجراء المعاملات مباشرة، دون الحاجة إلى توافر اتصال بالإنترنت لدى الدافع أو المتلقي في أي مرحلة من مراحل العملية.
ويمتلك كل من الدافع والمتلقي جهازا ماديا يخزن الأموال رقميا أو يحتفظ بسجل لقيمتها محليا، بما يسمح بإتمام المعاملة دون التفاعل مع وسيط متصل بالإنترنت.
وفي هذا النموذج، تُخزن الأموال رقميا على جهاز للدفع، مثل الهاتف المحمول، وتكون عادة محمية بالتشفير. وعند تقارب الجهازين ماديا، تُنقل القيمة المالية من جهاز الدافع إلى جهاز المتلقي باستخدام بروتوكولات آمنة.
ويمكن وصف أنظمة المدفوعات التي تعمل دون اتصال بالإنترنت بأنها تتيح تبادل أدوات مالية رقمية لحاملها، بما يسمح بالتسوية الفورية والمباشرة بين الطرفين.
ومع ذلك، لا تزال أنظمة الدفع الرقمي التي تعمل بصورة مستقلة تماما عن الاتصال بالإنترنت تواجه تحديات تقنية وعملية كبيرة، ولا يمكن اعتبارها بديلا شاملا ومتاحا على نطاق واسع لأنظمة الدفع التقليدية.
فمن الصعب للغاية تصميم وتنفيذ نظام دفع لا يعتمد على اتصال مباشر بمؤسسة مالية في أي مرحلة من مراحل عمله؛ إذ يساعد هذا الاتصال على التحقق من صحة المعاملات، والمصادقة على هوية المستخدم، ومنع المدفوعات غير المصرح بها، وضمان التوافق بين الأنظمة المختلفة.
ما مخاطر أنظمة الدفع الهجينة؟
تُصنف أبرز تطبيقات المدفوعات الرقمية غير المتصلة بالإنترنت المتاحة عمليا حاليا ضمن فئة المدفوعات الهجينة، وليس المدفوعات التي تعمل دون اتصال بالإنترنت بالكامل.
وتستفيد الأنظمة الهجينة من إمكانات الدفع المتصل بالإنترنت وغير المتصل به، بما يتيح استمرار بعض المعاملات خلال الانقطاعات المؤقتة. وتشير الأبحاث الأولية إلى إمكانية تطوير أنظمة دفع رقمية تعمل دون اتصال بالإنترنت بالكامل في المستقبل، لكن هذا المجال لا يزال بحاجة إلى مزيد من البحوث والتطبيقات العملية.
ويمكن للمدفوعات غير المتصلة بالإنترنت، سواء كانت هجينة أو مستقلة تماما عن الشبكة، أن تعزز مرونة أنظمة الدفع الرقمي وموثوقيتها، إذا صممت ونفذت بما يراعي المخاطر المرتبطة بها.
فالأنظمة الهجينة تساعد على التخفيف من آثار انقطاعات الإنترنت المؤقتة، وهو أمر بالغ الأهمية لإتمام المعاملات في سياقات متنوعة، مثل المناطق النائية والفعاليات المزدحمة والمناطق التي تعاني ضعف الاتصال بالشبكة أو عدم استقراره.
أما أنظمة الدفع الرقمي الأكثر تطورا، التي يمكنها العمل دون اتصال بالإنترنت بصورة كاملة، فقد توفر فوائد أوسع للفئات التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات الرقمية أو تعاني الاستبعاد الرقمي.
ومع ذلك، تنطوي المدفوعات غير المتصلة بالإنترنت على مخاطر أيضا. ولذلك، يتعين على الشركات والمؤسسات المالية التي تسعى إلى تبني هذه النماذج تحديد المخاطر المتعلقة بالإنفاق المزدوج، وأمن المعاملات، وخصوصية المستخدمين، واحتمال فقدان الأموال أو السيطرة عليها.
ما التوصيات العالمية للتعامل مع الحالات الحرجة؟
خلال الفترة الأخيرة، أوصت جهات رسمية في عدد من الدول، من بينها هولندا والسويد، بالاحتفاظ بمبالغ نقدية للطوارئ. كما تدعو إرشادات في دول أخرى إلى توفير مبلغ نقدي محدود تحسبا لانقطاع الكهرباء أو تعطل وسائل الدفع الإلكترونية، بما يضمن القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية عند توقف الأنظمة الرقمية.
وأوصى البنك المركزي الهولندي بالاستعداد لحالات الطوارئ التي قد يتوقف خلالها نظام الدفع عن العمل لمدة 72 ساعة. وقد يحدث ذلك نتيجة تعطل أجهزة الدفع أو توقف أجهزة الصراف الآلي أو تعذر استخدام الخدمات المصرفية عبر الإنترنت.
ونصح البنك بالاحتفاظ بمبلغ نقدي في متناول اليد يقدَّر بنحو 70 يورو لكل بالغ و30 يورو لكل طفل، لتغطية النفقات الأساسية خلال الساعات الـ72 الأولى من الطوارئ، مثل شراء المياه والغذاء وتوفير وسائل النقل. كما أوصى بتوفير وسائل دفع متنوعة تحسبا لهذه الظروف.
وتشير توصيات وإرشادات في عدد من الدول الأوروبية إلى الاحتفاظ بمبلغ نقدي يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية خلال فترة الطوارئ، فيما تتراوح بعض التقديرات الإرشادية بين 70 و100 يورو للفرد، بحسب الدولة وطبيعة التوصية والاحتياجات التي تستهدف تغطيتها.
وفي السويد، أوصى البنك المركزي بالاحتفاظ بنحو 1000 كرونة سويدية لكل بالغ في المنزل، مع توفير أوراق نقدية من فئات متنوعة، إلى جانب وسائل دفع بديلة، تحسبا لتعطل أنظمة الدفع. ويُعد هذا المبلغ معيارا إرشاديا لتغطية المشتريات الأساسية لمدة أسبوع تقريبا، مع اختلاف الاحتياجات من أسرة إلى أخرى.
وتؤكد هذه التوصيات أهمية الاستعداد لتعطل وسائل الدفع الإلكترونية، دون أن تعني التخلي عن الخدمات المصرفية الرقمية أو سحب المدخرات من البنوك. فالاحتفاظ بمبلغ نقدي محدود، إلى جانب تنويع وسائل الدفع، يساعد الأسر على مواصلة تلبية احتياجاتها الأساسية إلى حين عودة الخدمات إلى العمل.


