البرازيل و'الجنوب الكوني': مقاومة وأمثولة
صبحي حديدي
كاتب عربي
نيسان ـ نشر في 2026-10-30 الساعة 03:50
نيسان ـ ذات يوم، قبل عقد من الزمان، سُجّل للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه استخدم وسائل التواصل الاجتماعي، والرسائل على تطبيق «واتساب» تحديداً، لإفشال انقلاب عسكري؛ من الطراز ذاته الذي مارسه نفر من جنرالات تركيا ما بعد الأتاتوركية، ونجحوا فيه 4 مرّات، سنوات 1960، 1971، 1980، 1997. وقبل أيام، قد يحقّ للرئيس البرازيلي لويس إناسيو لولا دا سيلفا تسجيل ظفر انتخابي صاعق عن طريق هزيمة عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي، الـMeta خصوصاً، التي ساندت منافسه فلافيو بولسونارو وأتاحت للأخير تصدّر جولة الانتخابات الأولى.
وقد يحقّ للبعض أن يستخلص دلالات خاصة من وراء وقوع الحالتين في بلدين ينتميان إلى ما بات يستحق توصيف «الجنوب الكوني»، بديل مسميات مثل «العالم الثالث» الآفلة مثلاً؛ وكذلك في نظامين، وربما حزبين سياسيين («العدالة والتنمية» في تركيا، و»العمال» في البرازيل) على مسافات نأي اجتماعية ــ اقتصادية وإيديولوجية ليست البتة ضئيلة؛ فضلاً، ثالثاً، عن جوار إقليمي متباين، بين الشرق الأوسط وعتبات آسيا، وأمريكا اللاتينية وباحات الولايات المتحدة. المشترك، في المقابل، جدير بالملاحظة والتعقب، خاصة في ضوء أدوار التدخل السافر التي بدأت تنخرط فيها شركات الميديا والتواصل الاجتماعي العابرة للقارات.
وكما هو معروف، يتجمع هؤلاء العمالقة في صفّ الـGAFAM، مختصرات الأحرف الأولى اللاتينية من أسماء شركات «غوغل» و»أبل» و»فيسبوك» و»أمازون» و»مكروسوفت»، وأبرز المؤشرات على سطوتها الكونية أنّ حجمها في البورصة العالمية يقترب من 3250 مليار دولار أمريكي. على أصعدة المنافسة مع عمالقة آخرين، في ميادين إنتاج رأسمالية عالمية أخرى لا علاقة لها بالتكنولوجيا الرقمية، هنا المعطيات: «إكسون موبايل» 362,53 مليار، مقابل 809.51 مليار لدى «أبل»؛ و»جنرال إلكتريك» 348,45، مقابل 730,91 لدى «غوغل ألفابيت»؛ ومجموعة «فايزر» للأدوية 192,05 مقابل 691,3 لدى «مكروسوفت»…
ولم يكن عبثاً أنها انحازت إلى صفّ بولسونارو الابن، على غرار ما فعلت مع أبيه في دورات انتخاب سابقة؛ ليس لأنّ مصالحها الاستثمارية هائلة وفلكية في بلد أقرب إلى منجم مفتوح لا تنضب ثرواته ومعادنه الثمينة، فحسب؛ بل كذلك لأنّ أمثولة دا سيلفا، سليل مهن الفقراء والكادحين من ماسحي الأحذية وباعة الخضروات وعمال الورشات، صنعت أمثولة انتصارات رئاسية أربعة في سياقات بالغة الصعوبة والعرقلة ومناخات العداء والاستعداء. برامجه بصدد الإصلاحات الاجتماعية، مثل معالجته لمشكلات الاحتباس الحراري وصيانة غابات الأمازون، كانت تعكّر صفو عمالقة النهب والاستغلال والاحتكار، من جهة أولى؛ ولم تكن، من جهة ثانية، أقلّ تعكيراً في ملفات السياسة العالمية والنظام الدولي واختراق أجندات تقاسم الاستقطاب من جانب القوى العظمى.
دا سيلفا كان، وهو يواصل حتى الساعة موقع، واجهة المقاومة بالأصالة عن بلده البرازيل، وكذلك بالنيابة عن غالبية قصوى من بلدان «الجنوب الكوني»؛ هذه التي تُرغم على سداد أبهظ أثمان اختلال غير عادل للأدوار والمحاصصات والثروات. كما تُجبر على لعب دور صنبور الطاقة ومنجم الموادّ الخام وسوق الاستهلاك في آن، إذ لا غنى عنها لكي تدور آلة الاقتصاد الدولي، ولكي يعرف الكبار أفضل طرائق استثمار موارد الأرض، وأفضل سبل التنعّم بها. الأخطر، ربما، أنّ الحيلة تنطلي أحياناً على بعض هذه الدول، فتواصل البقاء في صفّ الضحية، متوهمة أنها تلعب دور شريك في صناعة نظام العلاقات الدولية، أو صناعة التاريخ ليس أقلّ!
ولقد انطلت وتنطلي هذه الحيلة على العديد من دول الجنوب التي توهمت، هنا أيضاً، أنّ دورها في صناعة التاريخ إنما ينحصر في مكافحة ما يُسمّى «الإرهاب الدولي» (بالنيابة عن الكبار الذين يستهدفهم الإرهاب بهذا القدر أو ذاك)؛ وفي الحدّ من انتشار التكنولوجيا النووية (بالنيابة عن النادي النووي الذي يحتكر الكبار حقّ الانتساب إليه)؛ وفي فرض الرقابة الذاتية الصارمة على إنتاج «أسلحة الدمار الشامل» (وهذه، بدورها، ينبغي أن تُحصر بين مزدوجات، لأنه لم يعد يُعرف لها أيّ معنى دلالي ملموس، أو متساوٍ). ولعلّ أفضل سبيل ناجع لاكتشاف الحيلة لا يتطلب أكثر من مراقبة ظواهر مثل حروب الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي المشتركة، أو حروب الرسوم الجمركية التي تخوضها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو الشروخ المتزايدة في صفوف أحلاف مثل الأطلسي، أو غزو روسيا في أوكرانيا، أو الانفجارات في قلب مجتمعات الشباب والعمال والطبقات الوسطى هنا وهناك في أوروبا…
يحقّ للرئيس البرازيلي لويس إناسيو لولا دا سيلفا تسجيل ظفر انتخابي صاعق عن طريق هزيمة عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي، الـMeta خصوصاً، التي ساندت منافسه فلافيو بولسونارو
غير بعيد عن حال المقاومة هذه ما يدأب عليه دا سيلفا من مقاومة منهجية في وجه سلسلة من منظومات داخلية صيغت لصالح الكبار وحدهم، في مؤسسات كبرى تنتهي أسماؤها دائماً بصِفة «الدولي»: مجلس الأمن الدولي، صندوق النقد الدولي، البنك الدولي. المقارعة هنا لا تدور حول «الجنوب» في أيّ معنى موازٍ لـ «الشمال»، على نحو تناحري تناقضي عدائي صرف؛ بقدر ما تخصّ التمثيل السياسي الفعلي والفاعل لثُلثَي البشرية، الآن بالذات حين تكون الصين الشعبية عضواً غير منتسب في نادي الـ G-7، بالمعنى الاقتصادي أولاً، ثم بالمعنى الجيو ـ سياسي ثانياً. ولقد اتضح، ويتضح، الدور الخجول الذي تلعبه الصين الشعبية في خلخلة التوازنات الغربية داخل مجلس الأمن الدولي، كما في مثال الحصار السابق على العراق؛ كما اتضح، ويتضح أكثر فأكثر، الدور غير المتواضع الذي لعبته الصناعات التكنولوجية الصينية في تسخين حروب التبادل وتقاسم مغانمها في آن معاً.
وبوصفها أمثولة مقاومة في ميدان شائك وحاسم مثل الاقتصاد، محلياً كان أم قارّياً أم عالمياً، فإنّ نهج دا سيلفا في البرازيل يمثّل تنبيهاً مفتوحاً، صاخب النبرة أحياناً لحسن الحظ، كي تتذكر دول الجنوب أنّ الاقتصاد الدولي معتلّ من الرأس حتى أخمص القدمين، من روسيا إلى اليابان إلى أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، قبل الصومال والإكوادور والهند والأرجنتين ومصر؛ وأنّ العمالقة، هنا تحديداً، يريدون من الضحية أن تقدّم المزيد من القرابين. ما يتوفر من إحصائيات حديثة، صادرة عن «برنامج الأمم المتحدة للتنمية» مثلاً، يسجّل نتيجة كبرى مفادها أنّ البون الشاسع بين الدول الغنية المصنّعة والدول النامية لم يعد مجحفاً فحسب؛ بل بات وحشياً وهمجياً، على شاكلة العولمة ذاتها: «العالم اليوم مسرح لاستقطاب جلي حادّ على الصعيد الاقتصادي، سواء في المستوى الوطني أم العالمي (…) وإذا تواصلت الاتجاهات الراهنة فإن التباينات الاقتصادية بين الدول المصنعة والدول النامية لن تكون مجحفة فحسب، بل غير إنسانية أيضاً».
ولأنّ دا سيلفا سليل فقراء البرازيل، والقارّة والعالم قاطبة استطراداً، ونسبة الفقر في بلده بلغت 20.9% في عام 2024؛ فإنّ إعادة انتخابه لولاية رئاسية رابعة تتقاطع، مباشرة أغلب الظنّ، مع المؤشر الدولي لمستوى «الفقر متعدد الأبعاد» الذي وصل في سنة 2026 إلى 1,2 مليار آدمي، والزيادة مضطردة ومتسارعة منذ اعتماد مؤشر العام 2010. وعلى قدم المساواة، لأنّ خصمه المنهزم الذي لم يتردد في الفرار إلى الحاضنة الأمّ في البيت الأبيض، كان يمثل في آن معاً عمالقة الرأسمالية، والليبرالية المتوحشة، واليمين، واليمين المتطرف، والرايات التي ظلت تُرفع خلال حملاته الانتخابية كانت أعلام الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب علم البرازيل؛ فإنّ انتصار دا سيلفا يظلّ حمّال أبعاد شتى عابرة للبرازيل وأمريكا اللاتينية، سياسية واجتماعية ـ اقتصادية وثقافية وعقائدية؛ كفاحية في كلّ حال، وأمثولة مقاومة.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي
وقد يحقّ للبعض أن يستخلص دلالات خاصة من وراء وقوع الحالتين في بلدين ينتميان إلى ما بات يستحق توصيف «الجنوب الكوني»، بديل مسميات مثل «العالم الثالث» الآفلة مثلاً؛ وكذلك في نظامين، وربما حزبين سياسيين («العدالة والتنمية» في تركيا، و»العمال» في البرازيل) على مسافات نأي اجتماعية ــ اقتصادية وإيديولوجية ليست البتة ضئيلة؛ فضلاً، ثالثاً، عن جوار إقليمي متباين، بين الشرق الأوسط وعتبات آسيا، وأمريكا اللاتينية وباحات الولايات المتحدة. المشترك، في المقابل، جدير بالملاحظة والتعقب، خاصة في ضوء أدوار التدخل السافر التي بدأت تنخرط فيها شركات الميديا والتواصل الاجتماعي العابرة للقارات.
وكما هو معروف، يتجمع هؤلاء العمالقة في صفّ الـGAFAM، مختصرات الأحرف الأولى اللاتينية من أسماء شركات «غوغل» و»أبل» و»فيسبوك» و»أمازون» و»مكروسوفت»، وأبرز المؤشرات على سطوتها الكونية أنّ حجمها في البورصة العالمية يقترب من 3250 مليار دولار أمريكي. على أصعدة المنافسة مع عمالقة آخرين، في ميادين إنتاج رأسمالية عالمية أخرى لا علاقة لها بالتكنولوجيا الرقمية، هنا المعطيات: «إكسون موبايل» 362,53 مليار، مقابل 809.51 مليار لدى «أبل»؛ و»جنرال إلكتريك» 348,45، مقابل 730,91 لدى «غوغل ألفابيت»؛ ومجموعة «فايزر» للأدوية 192,05 مقابل 691,3 لدى «مكروسوفت»…
ولم يكن عبثاً أنها انحازت إلى صفّ بولسونارو الابن، على غرار ما فعلت مع أبيه في دورات انتخاب سابقة؛ ليس لأنّ مصالحها الاستثمارية هائلة وفلكية في بلد أقرب إلى منجم مفتوح لا تنضب ثرواته ومعادنه الثمينة، فحسب؛ بل كذلك لأنّ أمثولة دا سيلفا، سليل مهن الفقراء والكادحين من ماسحي الأحذية وباعة الخضروات وعمال الورشات، صنعت أمثولة انتصارات رئاسية أربعة في سياقات بالغة الصعوبة والعرقلة ومناخات العداء والاستعداء. برامجه بصدد الإصلاحات الاجتماعية، مثل معالجته لمشكلات الاحتباس الحراري وصيانة غابات الأمازون، كانت تعكّر صفو عمالقة النهب والاستغلال والاحتكار، من جهة أولى؛ ولم تكن، من جهة ثانية، أقلّ تعكيراً في ملفات السياسة العالمية والنظام الدولي واختراق أجندات تقاسم الاستقطاب من جانب القوى العظمى.
دا سيلفا كان، وهو يواصل حتى الساعة موقع، واجهة المقاومة بالأصالة عن بلده البرازيل، وكذلك بالنيابة عن غالبية قصوى من بلدان «الجنوب الكوني»؛ هذه التي تُرغم على سداد أبهظ أثمان اختلال غير عادل للأدوار والمحاصصات والثروات. كما تُجبر على لعب دور صنبور الطاقة ومنجم الموادّ الخام وسوق الاستهلاك في آن، إذ لا غنى عنها لكي تدور آلة الاقتصاد الدولي، ولكي يعرف الكبار أفضل طرائق استثمار موارد الأرض، وأفضل سبل التنعّم بها. الأخطر، ربما، أنّ الحيلة تنطلي أحياناً على بعض هذه الدول، فتواصل البقاء في صفّ الضحية، متوهمة أنها تلعب دور شريك في صناعة نظام العلاقات الدولية، أو صناعة التاريخ ليس أقلّ!
ولقد انطلت وتنطلي هذه الحيلة على العديد من دول الجنوب التي توهمت، هنا أيضاً، أنّ دورها في صناعة التاريخ إنما ينحصر في مكافحة ما يُسمّى «الإرهاب الدولي» (بالنيابة عن الكبار الذين يستهدفهم الإرهاب بهذا القدر أو ذاك)؛ وفي الحدّ من انتشار التكنولوجيا النووية (بالنيابة عن النادي النووي الذي يحتكر الكبار حقّ الانتساب إليه)؛ وفي فرض الرقابة الذاتية الصارمة على إنتاج «أسلحة الدمار الشامل» (وهذه، بدورها، ينبغي أن تُحصر بين مزدوجات، لأنه لم يعد يُعرف لها أيّ معنى دلالي ملموس، أو متساوٍ). ولعلّ أفضل سبيل ناجع لاكتشاف الحيلة لا يتطلب أكثر من مراقبة ظواهر مثل حروب الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي المشتركة، أو حروب الرسوم الجمركية التي تخوضها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو الشروخ المتزايدة في صفوف أحلاف مثل الأطلسي، أو غزو روسيا في أوكرانيا، أو الانفجارات في قلب مجتمعات الشباب والعمال والطبقات الوسطى هنا وهناك في أوروبا…
يحقّ للرئيس البرازيلي لويس إناسيو لولا دا سيلفا تسجيل ظفر انتخابي صاعق عن طريق هزيمة عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي، الـMeta خصوصاً، التي ساندت منافسه فلافيو بولسونارو
غير بعيد عن حال المقاومة هذه ما يدأب عليه دا سيلفا من مقاومة منهجية في وجه سلسلة من منظومات داخلية صيغت لصالح الكبار وحدهم، في مؤسسات كبرى تنتهي أسماؤها دائماً بصِفة «الدولي»: مجلس الأمن الدولي، صندوق النقد الدولي، البنك الدولي. المقارعة هنا لا تدور حول «الجنوب» في أيّ معنى موازٍ لـ «الشمال»، على نحو تناحري تناقضي عدائي صرف؛ بقدر ما تخصّ التمثيل السياسي الفعلي والفاعل لثُلثَي البشرية، الآن بالذات حين تكون الصين الشعبية عضواً غير منتسب في نادي الـ G-7، بالمعنى الاقتصادي أولاً، ثم بالمعنى الجيو ـ سياسي ثانياً. ولقد اتضح، ويتضح، الدور الخجول الذي تلعبه الصين الشعبية في خلخلة التوازنات الغربية داخل مجلس الأمن الدولي، كما في مثال الحصار السابق على العراق؛ كما اتضح، ويتضح أكثر فأكثر، الدور غير المتواضع الذي لعبته الصناعات التكنولوجية الصينية في تسخين حروب التبادل وتقاسم مغانمها في آن معاً.
وبوصفها أمثولة مقاومة في ميدان شائك وحاسم مثل الاقتصاد، محلياً كان أم قارّياً أم عالمياً، فإنّ نهج دا سيلفا في البرازيل يمثّل تنبيهاً مفتوحاً، صاخب النبرة أحياناً لحسن الحظ، كي تتذكر دول الجنوب أنّ الاقتصاد الدولي معتلّ من الرأس حتى أخمص القدمين، من روسيا إلى اليابان إلى أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، قبل الصومال والإكوادور والهند والأرجنتين ومصر؛ وأنّ العمالقة، هنا تحديداً، يريدون من الضحية أن تقدّم المزيد من القرابين. ما يتوفر من إحصائيات حديثة، صادرة عن «برنامج الأمم المتحدة للتنمية» مثلاً، يسجّل نتيجة كبرى مفادها أنّ البون الشاسع بين الدول الغنية المصنّعة والدول النامية لم يعد مجحفاً فحسب؛ بل بات وحشياً وهمجياً، على شاكلة العولمة ذاتها: «العالم اليوم مسرح لاستقطاب جلي حادّ على الصعيد الاقتصادي، سواء في المستوى الوطني أم العالمي (…) وإذا تواصلت الاتجاهات الراهنة فإن التباينات الاقتصادية بين الدول المصنعة والدول النامية لن تكون مجحفة فحسب، بل غير إنسانية أيضاً».
ولأنّ دا سيلفا سليل فقراء البرازيل، والقارّة والعالم قاطبة استطراداً، ونسبة الفقر في بلده بلغت 20.9% في عام 2024؛ فإنّ إعادة انتخابه لولاية رئاسية رابعة تتقاطع، مباشرة أغلب الظنّ، مع المؤشر الدولي لمستوى «الفقر متعدد الأبعاد» الذي وصل في سنة 2026 إلى 1,2 مليار آدمي، والزيادة مضطردة ومتسارعة منذ اعتماد مؤشر العام 2010. وعلى قدم المساواة، لأنّ خصمه المنهزم الذي لم يتردد في الفرار إلى الحاضنة الأمّ في البيت الأبيض، كان يمثل في آن معاً عمالقة الرأسمالية، والليبرالية المتوحشة، واليمين، واليمين المتطرف، والرايات التي ظلت تُرفع خلال حملاته الانتخابية كانت أعلام الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب علم البرازيل؛ فإنّ انتصار دا سيلفا يظلّ حمّال أبعاد شتى عابرة للبرازيل وأمريكا اللاتينية، سياسية واجتماعية ـ اقتصادية وثقافية وعقائدية؛ كفاحية في كلّ حال، وأمثولة مقاومة.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي
نيسان ـ نشر في 2026-10-30 الساعة 03:50
رأي: صبحي حديدي كاتب عربي

