اتصل بنا
 

حاجة إقليمنا المضطرب إلى تفاهمات دوله

سياسي سوري معارض

نيسان ـ نشر في 2026-11-01 الساعة 04:54

نيسان ـ توحي التحرّكات والاتصالات الأخيرة، الإقليمية والدولية التي تتمحور حول الحرب في منطقة الخليج، بوجود رغبة لدى قوى إقليمية ودولية مؤثرة في تهدئة الأوضاع، والبحث عن التوافقات الممكنة عوضاً عن تصعيد الأمور ودفعها نحو انفجارات كبرى لن تكون في مصلحة استقرار المنطقة ومستقبل شعوبها. بل ستؤذي الجميع، وستكون لها انعكاسات سلبية على الاقتصاد العالمي الذي يواجه أصلا جملة تحدّيات ومصاعب كبرى، تتردد أصداؤها في دول أوروبية عديدة على شكل احتجاجات ومظاهرات وأزمات سياسية واجتماعية.
فعلى إثر الاجتماع الهام الذي انعقد في أنقرة بين دول آر 4 (السعودية، تركيا، مصر، باكستان) ودول إي 3 (بريطانيا، فرسنا، ألمانيا)، وذلك بناء على دعوة من وزير خارجية تركيا حقان فيدان، زار وفد مشترك، ضمّ الأمير خالد بين سلمان وزير دفاع السعودية، ورئيس المخابرات التركية إبراهيم كالن، بالإضافة إلى رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، طهران حيث التقى بالمسؤولين الإيرانيين، في مقدمتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نفسه، ومحسن رضائي الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي؛ وكان محور اللقاءات بموجب ما أعلن، هو متابعة التواصل، ومعالجة الخلافات بالطرق الدبلوماسية.
وعلى الأرجح، لم تكن خطوة زيارة طهران من قِبل هذا الوفد الإقليمي رفيع المستوى بمعزل عن التفاهمات مع الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة؛ إذ تقاطعت الزيارة مع الحراك الدبلوماسي الأمريكي الأخير، والمتمثل في الرسالة الخاصة والسرية التي وجهها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، داعياً فيها إلى إيجاد إطار للتفاهم والوصول إلى اتفاق يمنع التصعيد العسكري. وتتلاقى هذه الرغبة مع توجهات الدول الأوروبية، وروسيا، والصين؛ نظراً لشعور العواصم الكبرى بحتمية إيجاد مخرج ينهي تفاعلات عرقلة إمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية في الممرات الاستراتيجية، وتحديداً في مضيقي هرمز وباب المندب. إذ تدرك هذه القوى أن استمرار التهديدات في تلك الممرات سيُلقي بظلاله على الاقتصاد الدولي ما لم تُعالج الجذور السياسية للأزمة بالتوافقات الضرورية بين مختلف أطراف الصراع.
إلا أنه، وعلى الرغم من ترحيب الرئيس الإيراني ووزير خارجيته بمبادرة الوفد الإقليمي، واصلت قوات الحوثي قصف مناطق عديدة في السعودية بالصواريخ والمسيرات. ومن المعروف والمؤكد أن جماعة الحوثي لا تحرّك ساكناً، ولا تفعل شيئاً من دون إرادة وتوجيهات القيادة الإيرانية خاصة في الحرس الثوري. وهذا ما يشير إلى وجود تباينات جوهرية، وخلافات عميقة بين مراكز القوى في منظومة الحكم في إيران.
وفي سياق الخطوات والتحركات الرامية إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة، كانت مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع قناة دجلة العراقية عشية زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على رأس وفد كبير إلى دمشق، حيث اجتمع مع الشرع والمسؤولين السوريين، وتم تناول جملة قضايا أمنية واقتصادية تهم البلدين. وفي سياق هذا الحدث، كانت زيارة الزيدي ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى مقام السيدة زينب والجامع الأموي لافتة من جهة التوقيت والرسائل التي نقلتها إلى الداخل العراقي والسوري أيضاً.
ونحن هنا لا نأتي بشيء جديد إذا ما قلنا إن العلاقة التكاملية السليمة بين سوريا والعراق، العلاقة القائمة على المصالح الوطنية المشتركة للشعبين الجارين الشقيقين، تعد ركيزة الاستقرار في المنطقة، وهي تعد ضمانة لتحصين البلدين أمام تدخلات القوى الإقليمية التي لديها مشاريع توسعية خاصة بها، تكون عادة على حساب مصالح الدول الأخرى وشعوبها.
فالعراق يمتلك ثروة نفطية وغازية كبيرة، ولديه موارد زراعية تؤهله لأن يكون مصدراً لا مستورداً للكثير من المحاصيل المطلوبة في الأسواق العالمية. وسوريا تمتلك هي الأخرى الموارد الكثيرة خاصة في مجالات النفط والزراعة والأسمدة وغيرها، ولديها خبرات صناعية زراعية تجارية رائدة تميّز بها السوريون تاريخياً، ويمكن الاستفادة من هذه الخبرات ضمن مشاريع اقتصادية كبرى مشتركة بين البلدين، ستفتح مجال العمل أمام الشباب في البلدين. الأمر الذي سيقطع الطريق أمام أصحاب المشاريع التوسعية الذين يستغلون ظروف أولئك الشباب، ويجنّدونهم ضمن فصائل متعددة الولاءات والرايات، تكون مجرد أدوات ضمن مشاريعهم التي لا تتقاطع مع مصلحة البلدين ومستقبل أجيالهما المقبلة. كما أن الساحل السوري سيكون بموجب التكامل الاقتصادي المطلوب مستقبلا بين البلدين بمثابة بوابة العراق على العالم، وهو الأمر الذي سيعود بالفوائد الجمة على شعبي البلدين.
غير أن المطلوب لتحقيق هذا التكامل، الذي سيعود بالنفع على المنطقة بأسرها وليس فقط على البلدين المعنيين، هو تحرّر قيادة البلدين من ضغوط قوى دولية وإقليمية لا يروق لها ظهور قوة إقليمية وازنة تستطيع أن تكون ركناً من أركان الحسابات الإقليمية، يساهم في تجاوز وضعية الاختلال التي تعاني منها المعادلات الإقليمية. ومسؤولية الحكومة العراقية في هذا المجال هي أكبر، ومهمتها أصعب. فهي تعاني من ضغوط كبيرة من جانب القوى والفصائل العراقية الخاضعة للتوجيهات والأوامر المباشرة الإيرانية؛ وهي قوى ما زالت، بناء على حساباتها الخاصة، وبموجب شروط وظروف تشكيلها، تسبح في فلك النظام الإيراني، ولم تقرر بعد الالتزام بالمشروع الوطني العراقي الذي سيمنحها المزيد من القوة، وسيمكّنها من توظيف امكاناتها لصالح شعبها وبلدها في المقام الأول، ومن دون أن تتحوّل إلى قوة معادية لهذه الجهة أو تلك سواء في الإقليم أو على المستوى الدولي.
كل هذه التحرّكات والخطوات ستظل مجرد محاولات أولية استطلاعية، لا تمتلك المقوّمات المطلوبة الكافية كي تتحول إلى سياسات إقليمية مستدامة، تساهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وتحسن إدارة الموارد الطبيعية والبشرية المتوفرة والارتقاء بها إلى مرحلة توفير الشروط التي لا استغناء عنها للنهوض بالمنطقة، ما لم يتخلَّ النظام الإيراني عن نهجه التوسعي القائم على بناء الأذرع المرتبطة به في دول المنطقة. أذرع يستخدمها للتدخل في شؤون الدول والمجتمعات المجاورة، بل وتهديدها عبر تكليف الأذرع المعنية بتوجيه الضربات إلى داخل الدول التي يعتبرها النظام الإيراني قوى معادية له، تمنعه من تحقيق أهدافه التوسعية. وستظل كل الأحاديث التي تدور حول إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة والنظام المذكور في سبيل إنهاء الحرب، ورفع القيود عن حركة ناقلات النفط والسفن التجارية، وحل المشكلات العالقة بين الطرفين، مجرد أدوات لكسب الوقت وتضليل الداخل والأتباع.
ومن الواضح في هذا المجال أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين المتضاربة تعكس واقع عدم حسم مسألة القيادة الفعلية في إيران. من هي الجهة صاحبة القرار ضمن النظام المعني؟ هل هي مراكز عديدة تتكامل وظائفها وتعبر القرارات المعلنة عن توافقاتها؟ أم أن هناك قوى متشددة تريد فرض رؤاها الإيديولوجية بغض النظر عن مآلاتها، وأخرى براغماتية بل وحتى إصلاحية تعمل على وضع حدٍّ لمحنة الشعب الإيراني ومعاناته عبر تحويل إيران إلى قوة إقليمية طبيعية متفاعلة بصورة إيجابية مع محيطها الإقليمي، منفتحة على المجتمع الدولي، مستعدة لبناء الشراكات الاقتصادية والبحثية والعلمية في مختلف الميادين لصالح الشعب الإيراني وشعوب المنطقة جميعها؟
ولكن إيران ليست وحدها المسؤولة عن الاضطراب الذي تعاني منه منطقتنا؛ فإسرائيل بحكومتها اليمينية المتشددة التي لم تحدد الانتخابات البرلمانية الأخيرة مستقبلها بصورة واضحة، هي الأخرى مسؤولة، وذلك بمساعيها المستمرة من أجل القضاء على فكرة حل الدولتين الذي اعتمده المجتمع الدولي في قراراته الأممية الخاصة بمعالجة قضية الشعب الفلسطيني الذي يتعرض بصورة يومية للعدوان من قبل المستوطنين اليهود وتحت سمع وبصر الحكومة، بل وبتشجيع واضح سافر من قبل وزراء هذه الحكومة. ومن المعروف أن النظام الإيراني قد استغل منذ بدايات تأسيسه الموضوع الفلسطيني ليكون ورقة بيده، وذلك بالتنسيق مع نظام حافظ الأسد في حينه، وكان الهدف هو إضفاء هالة من القداسة على مشروعه الإقليمي التوسعي الذي الحق أضراراً جسيمة بدول المنطقة ومجتمعاتها.
لن تستقر منطقتنا من دون المعالجة السلمية العادلة لقضاياها العالقة المزمنة (ويشار هنا بصورة خاصة إلى القضيتين الفلسطينية والكردية) وذلك وفق حلول واقعية مقبولة تخدم الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة، وتؤسس لمقدّمات النهوض والازدهار الإقليمي لصالح جميع شعوبها من دون أي استثناء أو تمييز.
*كاتب وأكاديمي سوي
القدس العربي

نيسان ـ نشر في 2026-11-01 الساعة 04:54


رأي: عبدالباسط سيدا سياسي سوري معارض

الكلمات الأكثر بحثاً