هذا هو صاحب الفتنة الكبرى المنتظرة
نيسان ـ نشر في 2026-11-01 الساعة 14:06
نيسان ـ في زمن تتقاذفه أمواج الفوضى العارمة، وتتخبط فيه البشرية في ليل حالك من الضياع، تتفق الكلمة الخالدة لجميع الشرائع السماوية وتجتمع على حتمية موعودة؛ إنها رصْدُ أعظم فتنة تجوب الأرض، حين يخرج المسيح الدجال عابثاً بعقول الخليقة.
وهناك، في مشهد سريالي ينفطر له القلب، يبلغ السخف الإنساني ذروته؛ إذ ترى الجموع الغفيرة من الحمقى يتهافتون خلف أحمق أضل منهم، يصدقون إفكَه المبين، ويمضون يدافعون عنه بأموالهم ودمائهم، غير مبصرين لوهمهم ولا حاصدين سوى السراب.
وأمام هول هذا المشهد العبثي المفجع، توشك أن تصرخ بيقين دامغ: لهذا.. مهما يكن من دَمامة الخلقة، وفُحش الكذب، وبشاعة الزيف في عُرْضِ الدجال، فلا تعجب.. فستجد دوماً من يتبعه، بل وبكثرة.
فمن هو هذا المسيح الدجال؟
الصحيح من أقوال أهل العلم : أن المسيح الدجال بشرٌ ؛ دلّ على ذلك عدّة أدلة ؛ منها :
1- حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه : أن رسول الله ﷺ قال : ” بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ؛ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يَنْطُفُ أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً ؛ قلْتُ : مَنْ هذا ؟ قالُوا : ابْنُ مَرْيَمَ ؛ ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ ؛ فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ جَعْدُ الرَّأْسِ ؛ أَعْوَرُ الْعَيْنِ ؛ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ؛ قَالُوا : هَذَا الدَّجَّالُ ؛ أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ؛ ابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ ” . صحيح البخاري (7128).
فقوله ﷺ : ” فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ…” ؛ دليل على أنه رجلٌ من الرّجال.
2- حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه قال : ذكر رسولُ الله ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيه ورَفَّعَ ؛ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِى طَائِفَةِ النَّخْلِ ؛ فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيه ؛ عَرَفَ ذَلِك فِينَا ؛ فقال : ” مَا شَأْنُكُمْ ؟” قُلْنَا : يا رَسُولَ اللَّهِ ؛ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضْتَ فِيه ورَفَّعْتَ ؛ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِى طَائِفَةِ النَّخْلِ . فَقَال : ” غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِى عَلَيْكُمْ ؛ إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ ؛ وإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ ؛ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ ؛ واللَّهُ خَلِيفَتِي على كُلِّ مُسْلِمٍ ؛ إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ ؛ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ ؛ كَأَنِّى أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ ؛ فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ ؛ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ …”. صحيح مسلم (2937).
والشاهد من الحديث قوله ﷺ : ” إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ…”.
3- وأيضاً : حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها الطويل وفيه : قال ﷺ : ” أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ ؟” قالُوا : اللَّهُ ورسُولُهُ أَعْلَمُ . قال : ” إِنِّي واللَّهِ ما جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلاَ لِرَهْبَةٍ ؛ ولَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيّ كَانَ رَجُلاً نَصْرَانِيًّا ؛ فَجَاءَ فَبَايَعَ وأَسْلَمَ ؛ وحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِى كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ ؛ حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِى سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ ؛ مع ثَلاَثِينَ رَجُلاً مِنْ لَخْمٍ وجُذَامَ ؛ فَلَعِبَ بِهِمُ المَوْجُ شَهْرًا فِى الْبَحْرِ ؛ ثُمَّ أَرْفَئُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فى الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ؛ فَجَلَسُوا فِى أَقْرُبِ السَّفِينَةِ ؛ فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ ؛ لاَ يَدْرُونَ ما قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ ؛ فقَالُوا : وَيْلَكِ ما أَنْتِ ؟ فقالَتْ : أَنَا الْجَسَّاسَةُ . قالوا : وما الْجَسَّاسَةُ ؟ قالت : أَيُّهَا الْقَوْمُ ؛ انْطَلِقُوا إِلى هذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ ؛ فإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ . قال : لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلاً ؛ فَرِقْنَا مِنْها أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً . قَال : فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ ؛ فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا ؛ وأَشَدُّهُ وِثَاقًا ؛ مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلى عُنُقِهِ ؛ ما بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ قُلْنَا : وَيْلَكَ مَا أَنْتَ ؟ قَال : قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِى …”. الحديث في صحيح مسلم (2924).
والشاهد من الحديث : قول تميم الداري رضي الله عنه : ” فإذا فِيه أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا…” .
وهو يدلُّ أيضاً : على أنه موجود الآن في تلك الجزيرة .
– قال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله : “… وهذا الحديث يدل على وجود الدّجال ؛ وأنه موثّق بتلك الجزيرة ، وأنه يَخرج في آخر الزمان عندما يُؤذن له بالخروج ، وهو مخصِّص لحديث : ” أنه لن يأتي مائةُ سنة ؛ وهناك على ظَهْرٍ الأرض نفسٌ ” ، فيكون هذا الحديث مخصصاً للجسّاسة ، والدجال من ذلك ، وأنه موجود ، وسيخرج في آخر الزمان ، فيكون ما جاء في حديث الجساسة والدجال ؛ مستثنى من عموم ذلك الحديث ”.
– وكذا قال الشيخ الألباني في تعليقه على حديث : ” ما من نفسٍ منفوسة ” : ما من نصٍّ عام ؛ إلا وقد خصص ، وهذا من ذاك ،… اهـ .
4- عَنْ عبادة بن الصامت أنه حدثهم : أن رسول الله ﷺ قال : ” إِنِّى قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ ؛ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لاَ تَعْقِلُوا ؛ إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ ؛ أَفْحَجُ جَعْدٌ ؛ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ ؛ لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ وَلاَ جَحْرَاءَ ؛ فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ ؛ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ” . رواه أبو داود (4320) وأحمد في المسند (22764) وصححه الألباني .
والشاهد : قوله ﷺ : ” إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ ؛ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ ”.
والأفْحَج : هو الذي إذا مشى باعد بين رجليه . والعين الحَجراء : هي الغائرة .
قال المُناوي : ” الدَّجال آدميٌ يخرجُ آخر الزمان ؛ يبتلي اللهُ عباده به ؛ ويقدره على أشياء تُدهش العقول ؛ وتحير الألباب ؛ يغترّ بها الرُّعاع ؛ ويثبت اللهُ من سَبَقت له السعادة . وخالف في خروجه ؛ شذوذٌ من الخوارج والجهمية ؛ وبعض المعتزلة ؛ وما زعموه ؛ تردُّه الأخبار المفيدة للقطع ” . فيض القدير (3/537) .
5 – عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّم ذَكَرَ الدَّجَّالَ ؛ فَقَال : ” أَعْوَرُ هِجَانٌ أَزْهَرُ جُفَالٌ , كَأَنَّ رَأْسَهُ أَصَلَةٌ ؛ أَشْبَهُ النَّاسِ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ , ولَكِنَّ الْهُلَّكَ كُلَّ الْهُلَّكِ ؛ أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ” . رواه أحمد (2148), ابن حبان (6796), الطبراني (11711) وصححه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
الشاهد : قوله ﷺ : ” أَشْبَهُ النَّاسِ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ …”.
قال الشيخ الألباني رحمه الله : والحديث صريح في أن الدجال الأكبر من البشر ؛ له صفات البشر ، لا سيما وقد شُبه به عبد العزى بن قطن ، وكان من الصحابة … فالدجال من البشر ؛ وفتنة أكبر من ذلك ؛ كما تضافرت على ذلك الأحاديث الصحيحة ، نعوذ بالله منه “. موسوعة الألباني في العقيدة (9/250) باب الدجال من البشر.
– وكونه من البشر : هو قول الجمهور ؛ من الصحابة فمن بعدهم ؛ فهو قول عمر بن الخطاب, وعبد الله بن عمر, وجابر بن عبد الله , وأبو ذر رضي الله عنهم أجمعين , وهو قول ابن بطال ؛ والبيهقي ؛ وابن كثير ؛ وشيخ الإسلام ابن تيمية ؛ والشوكاني وغيرهم.
وقد أختلف أصحاب هذا القول – وهو أنه بشر – على قولين:
1- أنه ابن صياد .
2- أنه صاحب الجسَّاسة.
– أما من قال : إن ابن صياد هو المسيح الدجال ؛ فهم : عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وأبو ذر ؛ رضي الله عنهم أجمعين ، وكانوا يقطعون بذلك ، وتابعهم على هذا جماعة من أهل العلم كابن بطّال – كما في فتح الباري (13/325)- والقرطبي الذي قال في تذكرته : الصحيح أنّ ابن صياد هو الدجال . التذكرة (815) .
وكذلك ظاهر كلام النووي يشير إلى ميله للقول بأن ابن صياد هو الدجال . شرح مسلم للنووي (18/48)
وكذا مال الشوكاني رحمه الله إلى أنّ ابن صياد هو الدجال ؛ في نيل الأوطار (8/16-22) .
واستدلوا لذلك بالآتي :
1-عن محمد بن المنكدر قال رأيت جابر بن عبد الله يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصَّائِدِ الدَّجَّالُ ؛ قلتُ : تَحْلِفُ بِاللَّهِ ؟! قال : إِنِّي سمعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلى ذلِك عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ . كما في صحيح البخاري (7355).
ولعل هذا كان على حسب ما ظهر لهم من صفاته ، فأمره كان ملتبساً ، وكانوا يظنون أنه الدجال ، والرسول ﷺ لم يجزم بأمره بشيء أول الأمر ، ثم بعد ذلك جاءه البيان أنه غيره ؛ وأنه إنما يأتي في آخر الزمان ؛ كما صرح به في حديث تميم .
وأما قسَمُ بعض الصحابة بالله أنه ابن صياد ؛ فهو على غالب ظنهم ، وليس بيقين.
2- عن عبد الله بن عمر قالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَرَرْنَا بِصِبْيَانٍ فِيهِمُ ابْنُ صَيَّادٍ ؛ فَفَرَّ الصِّبْيَانُ وَجَلَسَ ابْنُ صَيَّادٍ ؛ فَكَأَنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ كَرِهَ ذَلِكَ ؛ فقال لَهُ النَّبِي ﷺ : ” تَرِبَتْ يَدَاكَ ؛ أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ ؟ ” فَقَال : لا ؛ بلْ تَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ذَرْنِي يا رسُولَ اللَّهِ ؛ حتَّى أَقْتُلَهُ ؛ فقال رسُولُ اللَّهِ ﷺ : ” إِنْ يَكُنِ الَّذِي تَرَى ؛ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ ” . صحيح مسلم (2924) .
3- عن نافع قال : لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَائِدٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ ؛ فَقَال لَهُ قَوْلاً أَغْضَبَهُ ؛ فانْتَفَخَ حَتَّى مَلأَ السِّكَّةَ ؛ فَدَخَل ابنُ عُمَرَ علَى حَفْصَةَ ؛ وقَدْ بَلَغَهَا ؛ فقَالَتْ لَهُ : رَحِمَكَ اللَّهُ ؛ ما أَرَدْتَ مِنِ ابْنِ صَائِدٍ ؛ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال : ” إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا ” . صحيح مسلم (2932).
4- عن عبد الله بن مسعود قال : واللهِ ؛ لَأَنْ أَحْلِفَ تِسْعًا ؛ أَنَّ ابنَ صَيَّادٍ هو الدَّجَّالُ ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً ؛ أَنَّهُ لَيس بِهِ . مشكل الأثار (7/387) وسنده صحيح .
5 -عن جابر قال : فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ . رواه أبو داود (4334) وهو صحيح .
– والقول الثاني : وهو الأصح : قولُ من قال : أنّ ابن صياد ؛ ليس هو الدجال ، وإنما ابن صياد كان دجالٌا من الدَّجاجلة ، ولكنه ليس هو الدجال الأكبر ، وذلك أن الدجال الأكبر ؛ هو ما جاء ذكره في حديث الجسّاسة السابق في صحيح مسلم ؛ وهو الذي يخرج في آخر الزمان .
وثبت عن النبي ﷺ أَنَّهُ قَال فِي صفة الدَّجَّال أنه : ” أَعْوَرُ هِجَانٌ ؛ أزْهَرُ جُفَالٌ , كَأَنَّ رَأْسَهُ أَصَلَةٌ ؛ أَشْبَهُ النَّاسِ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ ” . ولم يثبت أن أبن صياد كان كذلك.
– قال البيهقي في كتاب ” البعث والنشور” : اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافًا كثيرًا ؛ هل هو الدجال ؟ قال : ومَنْ ذهب إلى أنه غيره ؛ احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة الذي ذكره مسلم .
قال : ويجوز أنْ توافق صفة ابن صياد صفة الدجال ؛ كما ثبت في الصحيح أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن . وكان أمر ابن صياد فتنة ابتلى الله تعالى بها عباده ، فعصم الله تعالى منها المسلمين ، ووقاهم شرّها.
قال : وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ لقول عمر ، فيحتمل أنه ﷺ كان كالمتوقف في أمره ، ثم جاءه البيان أنه غيره ؛ كما صرح به في حديث تميم ” .انتهى
– وقال شيخ الإسلام : ” … وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية ؛ مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي ﷺ وكان قد ظنّ بعض الصحابة أنه الدّجال ؛ وتوقف النبي ﷺ في أمره ؛ حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال ؛ لكنه كان مِنْ جنس الكهان ” . الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (1/321).
– وقال الحافظ ابن كثير : ” قال بعض العلماء : إنّ ابن صياد كان بعض الصحابة يظنه الدجال ، وهو ليس به ؛ إنما كان رجلاً صغيراً … والمقصود أنّ ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعاً ، وذلك لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية ؛ فإنه فيصل في هذا المقام ” . النهاية لابن كثير (1/54).
– وقال ابن كثير أيضًا : “وقد قدمنا أنّ الصحيح أن الدجال غير ابن صياد ، وأن ابن صياد كان دجالًا من الدجاجلة ، ثم تيب عليه بعد ذلك ، فأظهرَ الإسلام ، والله أعلم بضميره وسريرته ، وأما الدجال الأكبر ؛ فهو المذكور في حديث فاطمة بنت قيس الذي روته عن رسول الله ﷺ عن تميم الداري ، وفيه قصة الجساسة ، ثم يؤذن له في الخروج في آخر الزمان “. المصدر السابق (1/59).
– ومال الحافظ ابن حجر إلى ذلك في فتح الباري (13/326) ؛ وكذا البرزنجي في الإشاعة (219) .
– وقال شمس الدين السفّاريني : ” وحاصل كلام الحافظ ابن حجر ؛ أن الأصح أنّ الدجال غير ابن صياد ؛ ووافقه في الإشاعة ، وإنْ وافقه ابن صياد في كونه أعور ؛ ومن اليهود وأنه ساكن في يهودية أصبهان “. لوامع الأنوار (2/108).
الخلاصة : يتضح مما سبق أن الدجال من بني آدم ؛ وليس هو ابن صياد ولا هو شيطان ؛ وأنه حي موجود الآن ، وذلك منذ بعثة الرسول ﷺ .
وأنه مربوط موثق بالحديد وثاقاً شديداً ، ومحبوس في دير بجزيرة من جزائر البحر ؛ كما جاء في خبر تميم الداري رضي الله عنه المتقدم.
– وقد جعل الله تعالى لخروج الدجال أمَارَات ، فيما ذكر في حديث تميم من جفاف بحيرة طبرية ، وجفاف عين زغر ، وعدم إثمار نخل بيسان .
– أما مَنْ الذي حبس الدجال في تلك الجزيرة ؟ فلم يرد في ذلك دليل شرعي صحيح .
هذا وقد أُمرنا بالاستعاذة من فتنة الدجال ؛ فروى مسلم ( 588 ) : عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ” إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ ؛ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ”.
وهناك، في مشهد سريالي ينفطر له القلب، يبلغ السخف الإنساني ذروته؛ إذ ترى الجموع الغفيرة من الحمقى يتهافتون خلف أحمق أضل منهم، يصدقون إفكَه المبين، ويمضون يدافعون عنه بأموالهم ودمائهم، غير مبصرين لوهمهم ولا حاصدين سوى السراب.
وأمام هول هذا المشهد العبثي المفجع، توشك أن تصرخ بيقين دامغ: لهذا.. مهما يكن من دَمامة الخلقة، وفُحش الكذب، وبشاعة الزيف في عُرْضِ الدجال، فلا تعجب.. فستجد دوماً من يتبعه، بل وبكثرة.
فمن هو هذا المسيح الدجال؟
الصحيح من أقوال أهل العلم : أن المسيح الدجال بشرٌ ؛ دلّ على ذلك عدّة أدلة ؛ منها :
1- حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه : أن رسول الله ﷺ قال : ” بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ؛ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يَنْطُفُ أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً ؛ قلْتُ : مَنْ هذا ؟ قالُوا : ابْنُ مَرْيَمَ ؛ ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ ؛ فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ جَعْدُ الرَّأْسِ ؛ أَعْوَرُ الْعَيْنِ ؛ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ؛ قَالُوا : هَذَا الدَّجَّالُ ؛ أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ؛ ابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ ” . صحيح البخاري (7128).
فقوله ﷺ : ” فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ…” ؛ دليل على أنه رجلٌ من الرّجال.
2- حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه قال : ذكر رسولُ الله ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيه ورَفَّعَ ؛ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِى طَائِفَةِ النَّخْلِ ؛ فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيه ؛ عَرَفَ ذَلِك فِينَا ؛ فقال : ” مَا شَأْنُكُمْ ؟” قُلْنَا : يا رَسُولَ اللَّهِ ؛ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضْتَ فِيه ورَفَّعْتَ ؛ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِى طَائِفَةِ النَّخْلِ . فَقَال : ” غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِى عَلَيْكُمْ ؛ إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ ؛ وإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ ؛ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ ؛ واللَّهُ خَلِيفَتِي على كُلِّ مُسْلِمٍ ؛ إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ ؛ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ ؛ كَأَنِّى أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ ؛ فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ ؛ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ …”. صحيح مسلم (2937).
والشاهد من الحديث قوله ﷺ : ” إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ…”.
3- وأيضاً : حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها الطويل وفيه : قال ﷺ : ” أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ ؟” قالُوا : اللَّهُ ورسُولُهُ أَعْلَمُ . قال : ” إِنِّي واللَّهِ ما جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلاَ لِرَهْبَةٍ ؛ ولَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيّ كَانَ رَجُلاً نَصْرَانِيًّا ؛ فَجَاءَ فَبَايَعَ وأَسْلَمَ ؛ وحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِى كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ ؛ حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِى سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ ؛ مع ثَلاَثِينَ رَجُلاً مِنْ لَخْمٍ وجُذَامَ ؛ فَلَعِبَ بِهِمُ المَوْجُ شَهْرًا فِى الْبَحْرِ ؛ ثُمَّ أَرْفَئُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فى الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ؛ فَجَلَسُوا فِى أَقْرُبِ السَّفِينَةِ ؛ فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ ؛ لاَ يَدْرُونَ ما قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ ؛ فقَالُوا : وَيْلَكِ ما أَنْتِ ؟ فقالَتْ : أَنَا الْجَسَّاسَةُ . قالوا : وما الْجَسَّاسَةُ ؟ قالت : أَيُّهَا الْقَوْمُ ؛ انْطَلِقُوا إِلى هذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ ؛ فإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ . قال : لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلاً ؛ فَرِقْنَا مِنْها أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً . قَال : فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ ؛ فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا ؛ وأَشَدُّهُ وِثَاقًا ؛ مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلى عُنُقِهِ ؛ ما بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ قُلْنَا : وَيْلَكَ مَا أَنْتَ ؟ قَال : قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِى …”. الحديث في صحيح مسلم (2924).
والشاهد من الحديث : قول تميم الداري رضي الله عنه : ” فإذا فِيه أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا…” .
وهو يدلُّ أيضاً : على أنه موجود الآن في تلك الجزيرة .
– قال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله : “… وهذا الحديث يدل على وجود الدّجال ؛ وأنه موثّق بتلك الجزيرة ، وأنه يَخرج في آخر الزمان عندما يُؤذن له بالخروج ، وهو مخصِّص لحديث : ” أنه لن يأتي مائةُ سنة ؛ وهناك على ظَهْرٍ الأرض نفسٌ ” ، فيكون هذا الحديث مخصصاً للجسّاسة ، والدجال من ذلك ، وأنه موجود ، وسيخرج في آخر الزمان ، فيكون ما جاء في حديث الجساسة والدجال ؛ مستثنى من عموم ذلك الحديث ”.
– وكذا قال الشيخ الألباني في تعليقه على حديث : ” ما من نفسٍ منفوسة ” : ما من نصٍّ عام ؛ إلا وقد خصص ، وهذا من ذاك ،… اهـ .
4- عَنْ عبادة بن الصامت أنه حدثهم : أن رسول الله ﷺ قال : ” إِنِّى قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ ؛ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لاَ تَعْقِلُوا ؛ إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ ؛ أَفْحَجُ جَعْدٌ ؛ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ ؛ لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ وَلاَ جَحْرَاءَ ؛ فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ ؛ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ” . رواه أبو داود (4320) وأحمد في المسند (22764) وصححه الألباني .
والشاهد : قوله ﷺ : ” إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ ؛ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ ”.
والأفْحَج : هو الذي إذا مشى باعد بين رجليه . والعين الحَجراء : هي الغائرة .
قال المُناوي : ” الدَّجال آدميٌ يخرجُ آخر الزمان ؛ يبتلي اللهُ عباده به ؛ ويقدره على أشياء تُدهش العقول ؛ وتحير الألباب ؛ يغترّ بها الرُّعاع ؛ ويثبت اللهُ من سَبَقت له السعادة . وخالف في خروجه ؛ شذوذٌ من الخوارج والجهمية ؛ وبعض المعتزلة ؛ وما زعموه ؛ تردُّه الأخبار المفيدة للقطع ” . فيض القدير (3/537) .
5 – عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّم ذَكَرَ الدَّجَّالَ ؛ فَقَال : ” أَعْوَرُ هِجَانٌ أَزْهَرُ جُفَالٌ , كَأَنَّ رَأْسَهُ أَصَلَةٌ ؛ أَشْبَهُ النَّاسِ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ , ولَكِنَّ الْهُلَّكَ كُلَّ الْهُلَّكِ ؛ أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ” . رواه أحمد (2148), ابن حبان (6796), الطبراني (11711) وصححه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
الشاهد : قوله ﷺ : ” أَشْبَهُ النَّاسِ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ …”.
قال الشيخ الألباني رحمه الله : والحديث صريح في أن الدجال الأكبر من البشر ؛ له صفات البشر ، لا سيما وقد شُبه به عبد العزى بن قطن ، وكان من الصحابة … فالدجال من البشر ؛ وفتنة أكبر من ذلك ؛ كما تضافرت على ذلك الأحاديث الصحيحة ، نعوذ بالله منه “. موسوعة الألباني في العقيدة (9/250) باب الدجال من البشر.
– وكونه من البشر : هو قول الجمهور ؛ من الصحابة فمن بعدهم ؛ فهو قول عمر بن الخطاب, وعبد الله بن عمر, وجابر بن عبد الله , وأبو ذر رضي الله عنهم أجمعين , وهو قول ابن بطال ؛ والبيهقي ؛ وابن كثير ؛ وشيخ الإسلام ابن تيمية ؛ والشوكاني وغيرهم.
وقد أختلف أصحاب هذا القول – وهو أنه بشر – على قولين:
1- أنه ابن صياد .
2- أنه صاحب الجسَّاسة.
– أما من قال : إن ابن صياد هو المسيح الدجال ؛ فهم : عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وأبو ذر ؛ رضي الله عنهم أجمعين ، وكانوا يقطعون بذلك ، وتابعهم على هذا جماعة من أهل العلم كابن بطّال – كما في فتح الباري (13/325)- والقرطبي الذي قال في تذكرته : الصحيح أنّ ابن صياد هو الدجال . التذكرة (815) .
وكذلك ظاهر كلام النووي يشير إلى ميله للقول بأن ابن صياد هو الدجال . شرح مسلم للنووي (18/48)
وكذا مال الشوكاني رحمه الله إلى أنّ ابن صياد هو الدجال ؛ في نيل الأوطار (8/16-22) .
واستدلوا لذلك بالآتي :
1-عن محمد بن المنكدر قال رأيت جابر بن عبد الله يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصَّائِدِ الدَّجَّالُ ؛ قلتُ : تَحْلِفُ بِاللَّهِ ؟! قال : إِنِّي سمعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلى ذلِك عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ . كما في صحيح البخاري (7355).
ولعل هذا كان على حسب ما ظهر لهم من صفاته ، فأمره كان ملتبساً ، وكانوا يظنون أنه الدجال ، والرسول ﷺ لم يجزم بأمره بشيء أول الأمر ، ثم بعد ذلك جاءه البيان أنه غيره ؛ وأنه إنما يأتي في آخر الزمان ؛ كما صرح به في حديث تميم .
وأما قسَمُ بعض الصحابة بالله أنه ابن صياد ؛ فهو على غالب ظنهم ، وليس بيقين.
2- عن عبد الله بن عمر قالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَرَرْنَا بِصِبْيَانٍ فِيهِمُ ابْنُ صَيَّادٍ ؛ فَفَرَّ الصِّبْيَانُ وَجَلَسَ ابْنُ صَيَّادٍ ؛ فَكَأَنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ كَرِهَ ذَلِكَ ؛ فقال لَهُ النَّبِي ﷺ : ” تَرِبَتْ يَدَاكَ ؛ أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ ؟ ” فَقَال : لا ؛ بلْ تَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ذَرْنِي يا رسُولَ اللَّهِ ؛ حتَّى أَقْتُلَهُ ؛ فقال رسُولُ اللَّهِ ﷺ : ” إِنْ يَكُنِ الَّذِي تَرَى ؛ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ ” . صحيح مسلم (2924) .
3- عن نافع قال : لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَائِدٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ ؛ فَقَال لَهُ قَوْلاً أَغْضَبَهُ ؛ فانْتَفَخَ حَتَّى مَلأَ السِّكَّةَ ؛ فَدَخَل ابنُ عُمَرَ علَى حَفْصَةَ ؛ وقَدْ بَلَغَهَا ؛ فقَالَتْ لَهُ : رَحِمَكَ اللَّهُ ؛ ما أَرَدْتَ مِنِ ابْنِ صَائِدٍ ؛ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال : ” إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا ” . صحيح مسلم (2932).
4- عن عبد الله بن مسعود قال : واللهِ ؛ لَأَنْ أَحْلِفَ تِسْعًا ؛ أَنَّ ابنَ صَيَّادٍ هو الدَّجَّالُ ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً ؛ أَنَّهُ لَيس بِهِ . مشكل الأثار (7/387) وسنده صحيح .
5 -عن جابر قال : فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ . رواه أبو داود (4334) وهو صحيح .
– والقول الثاني : وهو الأصح : قولُ من قال : أنّ ابن صياد ؛ ليس هو الدجال ، وإنما ابن صياد كان دجالٌا من الدَّجاجلة ، ولكنه ليس هو الدجال الأكبر ، وذلك أن الدجال الأكبر ؛ هو ما جاء ذكره في حديث الجسّاسة السابق في صحيح مسلم ؛ وهو الذي يخرج في آخر الزمان .
وثبت عن النبي ﷺ أَنَّهُ قَال فِي صفة الدَّجَّال أنه : ” أَعْوَرُ هِجَانٌ ؛ أزْهَرُ جُفَالٌ , كَأَنَّ رَأْسَهُ أَصَلَةٌ ؛ أَشْبَهُ النَّاسِ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ ” . ولم يثبت أن أبن صياد كان كذلك.
– قال البيهقي في كتاب ” البعث والنشور” : اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافًا كثيرًا ؛ هل هو الدجال ؟ قال : ومَنْ ذهب إلى أنه غيره ؛ احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة الذي ذكره مسلم .
قال : ويجوز أنْ توافق صفة ابن صياد صفة الدجال ؛ كما ثبت في الصحيح أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن . وكان أمر ابن صياد فتنة ابتلى الله تعالى بها عباده ، فعصم الله تعالى منها المسلمين ، ووقاهم شرّها.
قال : وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ لقول عمر ، فيحتمل أنه ﷺ كان كالمتوقف في أمره ، ثم جاءه البيان أنه غيره ؛ كما صرح به في حديث تميم ” .انتهى
– وقال شيخ الإسلام : ” … وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية ؛ مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي ﷺ وكان قد ظنّ بعض الصحابة أنه الدّجال ؛ وتوقف النبي ﷺ في أمره ؛ حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال ؛ لكنه كان مِنْ جنس الكهان ” . الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (1/321).
– وقال الحافظ ابن كثير : ” قال بعض العلماء : إنّ ابن صياد كان بعض الصحابة يظنه الدجال ، وهو ليس به ؛ إنما كان رجلاً صغيراً … والمقصود أنّ ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعاً ، وذلك لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية ؛ فإنه فيصل في هذا المقام ” . النهاية لابن كثير (1/54).
– وقال ابن كثير أيضًا : “وقد قدمنا أنّ الصحيح أن الدجال غير ابن صياد ، وأن ابن صياد كان دجالًا من الدجاجلة ، ثم تيب عليه بعد ذلك ، فأظهرَ الإسلام ، والله أعلم بضميره وسريرته ، وأما الدجال الأكبر ؛ فهو المذكور في حديث فاطمة بنت قيس الذي روته عن رسول الله ﷺ عن تميم الداري ، وفيه قصة الجساسة ، ثم يؤذن له في الخروج في آخر الزمان “. المصدر السابق (1/59).
– ومال الحافظ ابن حجر إلى ذلك في فتح الباري (13/326) ؛ وكذا البرزنجي في الإشاعة (219) .
– وقال شمس الدين السفّاريني : ” وحاصل كلام الحافظ ابن حجر ؛ أن الأصح أنّ الدجال غير ابن صياد ؛ ووافقه في الإشاعة ، وإنْ وافقه ابن صياد في كونه أعور ؛ ومن اليهود وأنه ساكن في يهودية أصبهان “. لوامع الأنوار (2/108).
الخلاصة : يتضح مما سبق أن الدجال من بني آدم ؛ وليس هو ابن صياد ولا هو شيطان ؛ وأنه حي موجود الآن ، وذلك منذ بعثة الرسول ﷺ .
وأنه مربوط موثق بالحديد وثاقاً شديداً ، ومحبوس في دير بجزيرة من جزائر البحر ؛ كما جاء في خبر تميم الداري رضي الله عنه المتقدم.
– وقد جعل الله تعالى لخروج الدجال أمَارَات ، فيما ذكر في حديث تميم من جفاف بحيرة طبرية ، وجفاف عين زغر ، وعدم إثمار نخل بيسان .
– أما مَنْ الذي حبس الدجال في تلك الجزيرة ؟ فلم يرد في ذلك دليل شرعي صحيح .
هذا وقد أُمرنا بالاستعاذة من فتنة الدجال ؛ فروى مسلم ( 588 ) : عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ” إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ ؛ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ”.


