اتصل بنا
 

عن الأمل… وكلّنا فلسطين في سانتياغو دي كومبوستيلا

روائي وشاعر أردني/ فلسطيني

نيسان ـ نشر في 2026-11-05 الساعة 05:15

نيسان ـ زرتُ مدينة سانتياغو دي كومبوستيلا، في شمال غرب إسبانيا، خمس مرات خلال السنوات العشر الماضية، آخرها هذا العام؛ مرّة لحضور المهرجان السينمائي “أمل”، وما تبقّى لكتابة رواية. وفي كلّ مرّة كانت تتجدّد لأنني كنتُ أتأملها بعين جديدة: مرّة عين الكاتب، ومرّة عين الباحث عن تفاصيل شوارعها وعمرانها وتحولات فصولها، ومرّة عين المؤرخ، ومرّة عين المصوِّر، وهكذا كانت تزداد رسوخًا في ذاكرتي، وفي نفسي، بينما تعلّقي بها يزداد؛ بساحاتها وحجارتها التي تتغير ألوانها بتغيّر الفصول وطرقاتها القديمة المرصوفة بالحجر، وبكاتدرائيتها الرائعة وبحديقتها “ألاميدا”، التي أزورها يوميًّا مرة أو مرتين أثناء وجودي هناك، هذه الحديقة المطلّة على أجمل ما في المدينة.
في واحدة من هذه المرات، كما أشرت، كنتُ ضيفًا على مهرجان “أمل” (AMAL) للسينما الأوروبية العربية، وكنتُ مشدودًا لاكتشاف مساحة ثقافية أبدعتها مجموعة من الناس الذين آمنوا بأن الثقافة قادرة على أن تشقّ طرقنا إلى قلوب البشر، والمشترك البشري وهو يتحسس معانيه العميقة، وتعمل على محو ما تفسده السياسة، وأفسدته، تاريخيًّا.
في دورته العشرين، في أكتوبر 2022، كان من بين الأفلام التي عُرضت فيلم “فرحة” للمخرجة دارين سلّام. ما أثار اهتمامي ذلك السياق الذي عُرض فيه الفيلم، والاهتمام الذي أحاط به، والفعاليات التي رافقته. كان المهرجان يحتفل بدورته العشرين، وكانت عروض الأفلام جزءًا من برنامج ثقافي أوسع من الأفلام والندوات واللقاءات، افتُتح بلقاء حواري بالغ الذكاء، بعنوان “عشرون عامًا من أمل: العالم العربي للمبتدئين”، في محاولة لتقديم العالم العربي خارج الصور التي اعتادت وسائل الإعلام حشْره فيها، قدّمه الكوميدي بابلو ميخي، والباحث في العلاقات الدولية خيسوس نونييث فيلافيردي؛ لقاء ذكي استعان فيه خيسوس بالصور والفكاهة اللاذعة، مستعرضًا ومقارنًا التاريخ الثقافي الأوروبي بالتاريخ الثقافي العربي في أكثر من مجال، خلاصته أن المشترك الثقافي على ضفتي المتوسط يتطابق في مناخاته كثيرًا، وما نأخذه على العالم العربي نمارسه تاريخيًّا هنا كشكل من أشكال المُسلَّمات.
في هذه المساحة تكمن أهمية مهرجان “أمل”، الذي يقف وراءه مشروع ثقافي أوسع، تقوده مؤسسة “أراجواني (الأُرجوان)– جسر الثقافات”، التي أسهم في تأسيسها الطبيب والمنتج الفلسطيني غالب جابر إبراهيم، ابن قرية “عينابوس” الواقعة إلى الجنوب من مدينة نابلس، والذي ارتبط اسمه بالعمل على تعزيز حضور الثقافة العربية في إسبانيا. وقد انطلقت مسيرة المهرجان عام 2003، ليصبح واحدًا من أهم المنابر الأوروبية المعنية بالسينما العربية، وفضاءً للقاء بين الثقافة العربية والثقافة الإسبانية، ولإتاحة الفرصة أمام أفلام عربية مستقلة لا تجد طريقها بسهولة إلى صالات العرض التجارية. فهو لا يعرض الأفلام العربية لمجرد التعريف بها، وإنما يضعها في سياق يسمح للناس بأن يقتربوا من مجتمعاتها، ويروا تفاصيلها، ويتعرفوا إلى أسئلتها ومناخات الحياة اليومية فيها، بعيدًا عن تلك الآثار التي تخلِّفها نشرات الأخبار والدعاية المضادة لفلسطين والعالم العربي.
يتعامل المهرجان مع الثقافة العربية والسينما العربية باعتبارهما المكوِّن الحقيقي لمناخ روحي عابر للعالم العربي، وكذلك الأمر مع مثقفيه وإنتاجاتهم المعرفية، ويربط ذلك كله بقضايا أوروبية لا يمكن القفز عنها، مثل التهميش والهجرة والعنصرية، ويتجاوز أوروبا فيحتضن تلك الثقافة القادمة من أمريكا اللاتينية.
ومن الجميل أن المهرجان لم يحصر نفسه في قاعات العرض، فقد رافقت دوراته لقاءات ونقاشات وأنشطة ثقافية، ووصل الاهتمام إلى تفاصيل الحياة العربية، ومنها المطبخ، في محاولة لجعل الثقافة شيئًا يمكن الاقتراب منه عبر الصورة والكلمة واللقاء الإنساني.
لكن تبقى لفلسطين مساحتها الخاصة، في الاحتفاء بإنجازات مبدعيها في الأدب والسينما والموسيقى والفنون التشكيلية. في دورته لعام 2023، أُقيم مهرجان “أمل” تحت شعار “لا أحد في مأمن”، وافتَتح فعالياته بحوار عن فلسطين، وعروض لأفلام عربية تناولت تجارب مختلفة، من بينها الفيلم الوثائقي “فلسطين الصغيرة: يوميات حصار” لعبد الله الخطيب. وفي عام 2024، أُقيم تحت شعار “الوجود مقاومة”، وافتُتحت الدورة بفيلم “المعلم” لفرح نابلسي، وتواصل الحضور الفلسطيني من خلال “وداعًا طبريا” للينا سوالم، و”إلى أرض مجهولة” لمهدي فليفل، إلى جانب أعمال عربية وأوروبية أخرى.
في عام 2025، خطا المهرجان خطوة أبعد، حيث أُقيمت دورته الثالثة والعشرون تحت شعار “كلنا فلسطين”. وتضمنت الأفلام أعمالًا وثائقية وروائية، من بينها “هذه غزة”، و”جَنِين، جِنين”، و”الزمن الباقي”، و”ملاحظات عن النزوح”، و”المخيمات”، الذي يتناول الاحتجاجات الطلابية التضامنية مع فلسطين في الجامعات الأمريكية. فقد كان الهدف تقديم فلسطين الممتدة عبر القارات، العابرة للحدود، التي لا تتوقف عن تمسكها بالحياة وحقها، مؤمنة بقوة الضمير الإنساني وقوة ذاكرة شعبها.
في دورته الرابعة والعشرين، هذا العام، التي اختُتمت يوم الجمعة الماضي، 30 أكتوبر، عاد المهرجان إلى فلسطين بكامل برنامجه، تحت شعار “الوجود مقاومة”، بخمسة أفلام تناولت الذاكرة والهوية والحياة الفلسطينية، افتتحها الفيلم الرائع “صوت هند رجب” لكوثر بن هنية، وتواصلت مع “كلنا غزة”، و”فلسطين 36″، و”حدث ذات مرّة في غزة”، و”كل ما تبقّى منك”. وهي أفلام قائمة على تنوع موضوعاتها والقضايا التي تتناولها؛ منها الشائك فيما يطرحه، ومنها الواضح وضوح القضية التي يتناولها.
نحو ربع قرن مرّ على الانطلاقة الأولى للمهرجان، وهو عمر طويل لمهرجان يُقام في قلب أوروبا، وفي تواصله معانٍ كثيرة لذلك الإصرار على أن يظل الباب الأوروبي مُشرَعًا لفلسطين وحكايتها وحكايات الإنسان المهمَّش في عالمنا، ولقضايا بات الكثير منها محاصرًا في أكثر من مكان، أو يتمّ إغفاله عمدًا، عربيًّا وعالميًّا، دون أن نغفل ما تقوم به مهرجانات أخرى في هذا المجال، وأهمها بالتأكيد مهرجان “الأرض” في سردينيا بإيطاليا، الذي يجري الإعداد الآن لإقامة دورته الثالثة والعشرين في آذار/مارس 2027، وهو أحد أبرز المنصات العربية الأوروبية المخصّصة للسينما الوثائقية الفلسطينية بشكل خاص، ومهرجانات مثل: روتردام، ومالمو، ومرسيليا…
حافلٌ تاريخ مدينة سانتياغو دي كومبوستيلا، الشهيرة برحلة الحج ومساراتها المتعددة إلى كاتدرائية المدينة، ومن أشهر نقاط الانطلاق إليها: سان جان بييه دو بور في فرنسا، بمسافة تقارب 800 كم، وبورتو في البرتغال، بمسافة تقارب 250 كم، وساريا داخل إسبانيا، بمسافة تقارب 114 كم. ويمكن القيام بهذه الرحلة طوال العام، ويُعدّ الربيع والخريف من أنسب فتراتها.
وبعـــد:
ربما لا نعرف دائمًا إلى أين تذهب الحكايات التي نرويها، ولا من سيشاهد الأفلام التي نصنعها، ولا الأثر الذي ستتركه. لكننا نعرف أن حكاية واحدة قد تفتح بابًا في مكان بعيد، وتصبح جزءًا من ذاكرة أشخاص لم تصل أقدامهم إلى أرض فلسطين من قبل؛ وفي أزمنة المحو والنسيان والإبادة، هذا أمر كبير.
الصورة، من احتفال أقيم في المدينة في تموز/ يوليو هذا العام.

نيسان ـ نشر في 2026-11-05 الساعة 05:15


رأي: إبراهيم نصر الله روائي وشاعر أردني/ فلسطيني

الكلمات الأكثر بحثاً