حين يُستباح حارس القانون… ويصمت شهود الجريمة!
نيسان ـ نشر في 2026-11-05 الساعة 23:57
نيسان ـ ليست كل الجرائم ما تخلّفه من دماء، فبعضها يترك جرحاً أعمق في الضمير الإنساني، حين تقع الجريمة أمام العيون، ويصبح الألم مشهداً، والاستغاثة صوتاً لا يجد من يجيبه، وتغدو النجدة واجباً يتراجع أمام فضول المشاهدة.
في هذا اليوم، فقد الأردن واحداً من رجاله الذين اختاروا أن يكونوا في مقدمة الصفوف دفاعاً عن أمن الوطن وسلامة أبنائه؛ إذ ارتقى العريف جواد علي خلف السلايطة شهيداً إثر اعتداء إرهابي آثم، أثناء أدائه واجبه الرسمي في العاصمة عمّان، كما أُصيب أحد ضباط الأمن العام خلال التعامل مع المعتدي.
رحم الله جواداً، فما كان يحمل سلاحاً ليعتدي على الناس، وإنما كان يؤدي واجباً اؤتمن عليه، ويحرس أمناً ينعم به الجميع. وما أصعب أن يعود رجل الأمن إلى أهله خبراً بعد أن خرج منهم مؤدياً لواجبه، وما أثقل وقع الفقد على قلب أمٍّ وأبٍ وأسرةٍ كانت تنتظر عودته، فإذا بالخبر يطرق أبوابها حاملاً وجعاً لا تفي الكلمات بوصفه.
أولاً: حين يتحول الفكر المنحرف إلى سلاح في وجه المجتمع
إنّ أخطر ما يواجه المجتمعات ليس اختلاف الآراء، ولا تعدد الاجتهادات، وإنما ذلك الفكر الذي ينصّب نفسه حكماً على عقائد الناس، ويمنح أتباعه وهماً بالوصاية على دمائهم وأرواحهم، حتى ينتهي بصاحبه إلى الاعتقاد بأن القتل جهاد، والاعتداء بطولة، وإزهاق النفس انتصار للعقيدة.
وهنا تكمن خطورة الفكر التكفيري؛ فهو لا يبدأ دائماً بسلاح في اليد، بل قد يبدأ بفكرة فاسدة، وخطاب مشحون بالكراهية، وعقل أُغلق أمام الحوار، حتى يصبح الإنسان مستعداً لاستباحة ما حرّمه الله وصانته الشرائع والقوانين.
وقد قال الله تعالى:
﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
فأيّ انحراف أشد من أن يُتخذ الدين ستاراً لجريمة، وأن تُستباح الأرواح باسم عقيدة بريئة من أفعال أصحاب هذا الفكر؟ وأيّ جهل أعظم من أن يظن إنسان أن طريق الجنة يُعبد بسفك دماء الآمنين؟
إنّ الأوطان لا تُهددها الأفعال الإجرامية وحدها، بل يسبقها في كثير من الأحيان خطاب يهيئ العقول لتقبل الجريمة، ويجعل من التطرف منهجاً، ومن الكراهية عقيدة، ومن الاعتداء على الآخرين غاية.
ثانياً: المتفرجون… حين يغيب الإنسان عن المشهد
ولعلّ أكثر ما يستوقف الضمير في هذه الحادثة، إلى جانب فداحة الاعتداء، ما أظهرته المشاهد المتداولة من وجود أشخاص كانوا بالقرب من الواقعة، وما يثيره ذلك من تساؤلات مؤلمة حول موقف الإنسان حين يرى إنساناً آخر يتعرض للخطر.
إنّ المشهد الذي يُستحضر فيه الإنسان وهو يواجه الموت، فيما تنشغل بعض العيون بالمراقبة، لا يمكن أن يمرّ على الضمير مروراً عابراً.
لسنا هنا بصدد إصدار أحكام على أشخاص بعينهم، ولا نعلم ظروف كل من كان في المكان، ولا ما إذا كانت لديهم القدرة الفعلية على التدخل؛ فذلك أمر تقدّره الوقائع والتحقيقات. لكننا بصدد الحديث عن ظاهرة أخلاقية تستحق الوقوف عندها: كيف يمكن أن يتراجع واجب النجدة أمام الرغبة في المشاهدة والتصوير؟
يا لمرارة المشهد حين يصبح الهاتف أسرع من اليد الممتدة للإنقاذ، وحين يجد المصاب من يراقب ألمه، ولا يجد من يسأل عن حاجته إلى المساعدة!
ولعلّ في الشعر ما يختصر هذا العتاب:
إذا ما رأيتَ الموتَ يطرقُ بابَنا
فلا تجعلِ الفرجةَ أقصى مساعيكَا
فما قيمةُ العينين إن لم تُبصرا
نداءَ استغاثةِ من يمدُّ يديكَا؟
ومن لم يمدَّ الكفَّ وقتَ مصيبةٍ
فلا خيرَ في كفٍّ تُصفّقُ لآتيكَا
إنّ النجدة ليست بطولة خارقة، ولا يُطلب من الإنسان أن يعرّض نفسه لمواجهة خطر لا يقدر عليه؛ وإنما يُطلب منه ألا يتخلى عن إنسانيته، وأن يبادر بما يستطيع، من طلب النجدة، وإبلاغ الجهات المختصة، وتأمين المساعدة، دون تعريض نفسه أو الآخرين للخطر.
فليس كل من عجز عن التدخل مذنباً، ولكن من المؤسف أن تصبح اللامبالاة ثقافة، وأن يتحول وجع الآخرين إلى مادة للتصوير والتداول.
وهنا لا بد من التمييز بين المسؤولية الأخلاقية التي يفرضها الضمير، والمسؤولية القانونية التي لا تقوم إلا بتوافر شروطها وأركانها وفق القانون؛ فليس كل تقصير إنساني جريمة بالضرورة، لكن ذلك لا يعفي المجتمع من مساءلة ضميره.
ثالثاً: من منظور القانون… الاعتداء على رجل الأمن اعتداء على أمن المجتمع
إنّ رجل الأمن العام، حين يقف في موقعه الرسمي، لا يمثل ذاته وحدها، وإنما يضطلع بوظيفة عامة تتصل بحماية الأرواح والممتلكات، وصون النظام العام، وتنفيذ أحكام القانون.
ومن ثمّ، فإن الاعتداء عليه أثناء تأدية واجبه لا ينبغي النظر إليه باعتباره خصومة شخصية أو واقعة اعتداء عادية، بل باعتباره فعلاً يمسّ الوظيفة العامة، ويهدد سلامة المجتمع، وينال من الطمأنينة التي تقوم عليها حياة المواطنين.
والقانون، في جوهره، لم يوضع ليكون نصوصاً جامدة تُقرأ في الكتب، وإنما ليكون ضمانة لحقوق الناس، وسياجاً يحول دون استقواء القوي على الضعيف، أو استباحة الإنسان باسم أي فكرة أو معتقد.
ومن هنا، فإن الواجب يقتضي أن تأخذ العدالة مجراها، وأن يُحاسب كل من تثبت مسؤوليته عن هذا الاعتداء وفق أحكام القانون، بعيداً عن الانفعال أو الانتقام، وبما يكفل تحقيق العدالة وصون الحقوق.
فهيبة الدولة لا تتحقق بالغضب وحده، وإنما بإنفاذ القانون، ومحاسبة المعتدي، وحماية المجتمع من كل فكر أو سلوك يهدد أمنه واستقراره.
رابعاً: ليس الشهيد وحده من يستحق الرثاء
إنّ الشهيد جواداً لم يكن وحده في ميدان الواجب؛ فخلفه رجال يقفون في مواقعهم، يواجهون المخاطر، ويؤدون مهامهم في ظروف لا يعرف تفاصيلها كثير ممن ينعمون بالأمن والطمأنينة.
وما بين رجلٍ يخرج من بيته ليحرس بيوت الآخرين، وآخر ينتظر عودته، تتجلى حقيقة التضحية التي لا يدرك ثقلها إلا من عاش وجع الفقد.
ولذلك، فإن الوفاء للشهيد لا يكون بكلمات الرثاء وحدها، بل يكون بصيانة الصورة التي استشهد من أجلها، واحترام المؤسسة التي كان ينتمي إليها، والوقوف خلف رجال الأمن العام الذين يحملون عل
في هذا اليوم، فقد الأردن واحداً من رجاله الذين اختاروا أن يكونوا في مقدمة الصفوف دفاعاً عن أمن الوطن وسلامة أبنائه؛ إذ ارتقى العريف جواد علي خلف السلايطة شهيداً إثر اعتداء إرهابي آثم، أثناء أدائه واجبه الرسمي في العاصمة عمّان، كما أُصيب أحد ضباط الأمن العام خلال التعامل مع المعتدي.
رحم الله جواداً، فما كان يحمل سلاحاً ليعتدي على الناس، وإنما كان يؤدي واجباً اؤتمن عليه، ويحرس أمناً ينعم به الجميع. وما أصعب أن يعود رجل الأمن إلى أهله خبراً بعد أن خرج منهم مؤدياً لواجبه، وما أثقل وقع الفقد على قلب أمٍّ وأبٍ وأسرةٍ كانت تنتظر عودته، فإذا بالخبر يطرق أبوابها حاملاً وجعاً لا تفي الكلمات بوصفه.
أولاً: حين يتحول الفكر المنحرف إلى سلاح في وجه المجتمع
إنّ أخطر ما يواجه المجتمعات ليس اختلاف الآراء، ولا تعدد الاجتهادات، وإنما ذلك الفكر الذي ينصّب نفسه حكماً على عقائد الناس، ويمنح أتباعه وهماً بالوصاية على دمائهم وأرواحهم، حتى ينتهي بصاحبه إلى الاعتقاد بأن القتل جهاد، والاعتداء بطولة، وإزهاق النفس انتصار للعقيدة.
وهنا تكمن خطورة الفكر التكفيري؛ فهو لا يبدأ دائماً بسلاح في اليد، بل قد يبدأ بفكرة فاسدة، وخطاب مشحون بالكراهية، وعقل أُغلق أمام الحوار، حتى يصبح الإنسان مستعداً لاستباحة ما حرّمه الله وصانته الشرائع والقوانين.
وقد قال الله تعالى:
﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
فأيّ انحراف أشد من أن يُتخذ الدين ستاراً لجريمة، وأن تُستباح الأرواح باسم عقيدة بريئة من أفعال أصحاب هذا الفكر؟ وأيّ جهل أعظم من أن يظن إنسان أن طريق الجنة يُعبد بسفك دماء الآمنين؟
إنّ الأوطان لا تُهددها الأفعال الإجرامية وحدها، بل يسبقها في كثير من الأحيان خطاب يهيئ العقول لتقبل الجريمة، ويجعل من التطرف منهجاً، ومن الكراهية عقيدة، ومن الاعتداء على الآخرين غاية.
ثانياً: المتفرجون… حين يغيب الإنسان عن المشهد
ولعلّ أكثر ما يستوقف الضمير في هذه الحادثة، إلى جانب فداحة الاعتداء، ما أظهرته المشاهد المتداولة من وجود أشخاص كانوا بالقرب من الواقعة، وما يثيره ذلك من تساؤلات مؤلمة حول موقف الإنسان حين يرى إنساناً آخر يتعرض للخطر.
إنّ المشهد الذي يُستحضر فيه الإنسان وهو يواجه الموت، فيما تنشغل بعض العيون بالمراقبة، لا يمكن أن يمرّ على الضمير مروراً عابراً.
لسنا هنا بصدد إصدار أحكام على أشخاص بعينهم، ولا نعلم ظروف كل من كان في المكان، ولا ما إذا كانت لديهم القدرة الفعلية على التدخل؛ فذلك أمر تقدّره الوقائع والتحقيقات. لكننا بصدد الحديث عن ظاهرة أخلاقية تستحق الوقوف عندها: كيف يمكن أن يتراجع واجب النجدة أمام الرغبة في المشاهدة والتصوير؟
يا لمرارة المشهد حين يصبح الهاتف أسرع من اليد الممتدة للإنقاذ، وحين يجد المصاب من يراقب ألمه، ولا يجد من يسأل عن حاجته إلى المساعدة!
ولعلّ في الشعر ما يختصر هذا العتاب:
إذا ما رأيتَ الموتَ يطرقُ بابَنا
فلا تجعلِ الفرجةَ أقصى مساعيكَا
فما قيمةُ العينين إن لم تُبصرا
نداءَ استغاثةِ من يمدُّ يديكَا؟
ومن لم يمدَّ الكفَّ وقتَ مصيبةٍ
فلا خيرَ في كفٍّ تُصفّقُ لآتيكَا
إنّ النجدة ليست بطولة خارقة، ولا يُطلب من الإنسان أن يعرّض نفسه لمواجهة خطر لا يقدر عليه؛ وإنما يُطلب منه ألا يتخلى عن إنسانيته، وأن يبادر بما يستطيع، من طلب النجدة، وإبلاغ الجهات المختصة، وتأمين المساعدة، دون تعريض نفسه أو الآخرين للخطر.
فليس كل من عجز عن التدخل مذنباً، ولكن من المؤسف أن تصبح اللامبالاة ثقافة، وأن يتحول وجع الآخرين إلى مادة للتصوير والتداول.
وهنا لا بد من التمييز بين المسؤولية الأخلاقية التي يفرضها الضمير، والمسؤولية القانونية التي لا تقوم إلا بتوافر شروطها وأركانها وفق القانون؛ فليس كل تقصير إنساني جريمة بالضرورة، لكن ذلك لا يعفي المجتمع من مساءلة ضميره.
ثالثاً: من منظور القانون… الاعتداء على رجل الأمن اعتداء على أمن المجتمع
إنّ رجل الأمن العام، حين يقف في موقعه الرسمي، لا يمثل ذاته وحدها، وإنما يضطلع بوظيفة عامة تتصل بحماية الأرواح والممتلكات، وصون النظام العام، وتنفيذ أحكام القانون.
ومن ثمّ، فإن الاعتداء عليه أثناء تأدية واجبه لا ينبغي النظر إليه باعتباره خصومة شخصية أو واقعة اعتداء عادية، بل باعتباره فعلاً يمسّ الوظيفة العامة، ويهدد سلامة المجتمع، وينال من الطمأنينة التي تقوم عليها حياة المواطنين.
والقانون، في جوهره، لم يوضع ليكون نصوصاً جامدة تُقرأ في الكتب، وإنما ليكون ضمانة لحقوق الناس، وسياجاً يحول دون استقواء القوي على الضعيف، أو استباحة الإنسان باسم أي فكرة أو معتقد.
ومن هنا، فإن الواجب يقتضي أن تأخذ العدالة مجراها، وأن يُحاسب كل من تثبت مسؤوليته عن هذا الاعتداء وفق أحكام القانون، بعيداً عن الانفعال أو الانتقام، وبما يكفل تحقيق العدالة وصون الحقوق.
فهيبة الدولة لا تتحقق بالغضب وحده، وإنما بإنفاذ القانون، ومحاسبة المعتدي، وحماية المجتمع من كل فكر أو سلوك يهدد أمنه واستقراره.
رابعاً: ليس الشهيد وحده من يستحق الرثاء
إنّ الشهيد جواداً لم يكن وحده في ميدان الواجب؛ فخلفه رجال يقفون في مواقعهم، يواجهون المخاطر، ويؤدون مهامهم في ظروف لا يعرف تفاصيلها كثير ممن ينعمون بالأمن والطمأنينة.
وما بين رجلٍ يخرج من بيته ليحرس بيوت الآخرين، وآخر ينتظر عودته، تتجلى حقيقة التضحية التي لا يدرك ثقلها إلا من عاش وجع الفقد.
ولذلك، فإن الوفاء للشهيد لا يكون بكلمات الرثاء وحدها، بل يكون بصيانة الصورة التي استشهد من أجلها، واحترام المؤسسة التي كان ينتمي إليها، والوقوف خلف رجال الأمن العام الذين يحملون عل
نيسان ـ نشر في 2026-11-05 الساعة 23:57
رأي: المحامي فيصل ماجد الربطه


