اتصل بنا
 

من استعادة المبادرة إلى مسؤولية الفعل… الفاشية في إسرائيل لم تهزم

كاتب فلسطيني

نيسان ـ نشر في 2026-11-06 الساعة 04:01

نيسان ـ منذ لحظة إغلاق صناديق الاقتراع وانتشار خبر حجم مشاركة المواطنين العرب في الانتخابات الإسرائيلية التي انتهت الثلاثاء الماضي، سارع نتنياهو وحلفاؤه وأبواقهم في الإعلام، إلى التشكيك في النتائج المرتقبة؛ وشرع بترديد الادعاءات عن تزوير الانتخابات وسرقتها من قبل الأحزاب والمصوتين العرب. وكانت هذه خطته الاحترازية، المعدّة مسبقّا، لنزع الشرعية عن نتائج الانتخابات عموما، التي كان يتوقع أنها ستكون في غير صالح معسكره، ونزع شرعية تصويت المواطنين العرب تمهيدّا لإقصائهم نهائيا عن حقهم في المشاركة السياسية وحرمانهم من فرصة التأثير على شكل الحكومة ومؤسسات الحكم في الدولة اليهودية، التي تحددها الأحزاب المنتخبة في البرلمان الإسرائيلي الكنيست. إنه التجسيد الفعلي لقانون القومية، الذي اعتمدته حكومة نتنياهو، الرامي إلى ترسيخ مبدأ «الفوقية اليهودية».
بات واضحّا اليوم أن من أهم نتائج مشاركة المواطنين العرب بنسبة ناهزت
الـ 80% أنها كانت عاملا حاسما في منع حدوث سيناريو سياسي بالغ الخطورة، وهو استعادة معسكر نتنياهو لقوته البرلمانية الحالية، وتمكينه، بشكل تلقائي، من تشكيل حكومته التي كانت ستكمل مشروعها، السياسي والاجتماعي، الذي بدأته في ولاياتها السابقة. لقد أعلن وزراء حكومة نتنياهو أنهم عازمون على إنجاز «مشروع إصلاح» النظام القائم، وهو التعبير الذي استعملوه في تسمية عملية انقلابهم على منظومة الحكم، وتصميمهم على إحكام سيطرتهم على جميع المؤسسات التي لم ينجحوا بالسيطرة الكاملة عليها، رغم إحرازهم انتصارات كاملة على بعضها، ولانتصارات جزئية على ما تبقى منها؛ وأهمّ هذه المؤسسات الباقية هي: المنظومة العسكرية وقيادة الجيش، ومكتب المستشار القضائي للحكومة، وجهاز المخابرات العامة، وجهاز القضاء، خاصة المحكمة العليا، ومكتب مراقب الدولة، والمنصات الاعلامية التابعة للقطاعَيْن العام والخاص، والنقابات العمّالية الكبرى، ومجلس التعليم الأعلى، وغيرها من المؤسسات السيادية المسؤولة عن حياة المواطنين وعن تأمين حقوقهم وواجباتهم.
ولكيلا تبقى هذه المسألة مجرد سيناريو مفترض، أقرأ تداعيات الأحداث منذ اللحظة الأولى التي أطلق فيها نتنياهو إشارة بدء الصيد من «مسدسه»، لتبدأ فرقُه الجاهزة بالانقضاض على فرائسها، المواطنين العرب؛ فتقوم فرق الشرطة باقتحام البيوت واعتقال مواطنين من أهل النقب واتهامهم بالتورط بمخالفات تزوير ودفع رشوات انتخابية. ثم تتلقف وسائل الإعلام الفاسدة الخبر وتدفع به إلى صدارة الأحداث، من دون التحقق من صحته، أو الوقوف مثلا على أن الشرطة بدأت هجومها بناء على طلب من مكتب رئاسة الحكومة، وأنها اقتحمت البيوت بطريقة ترهيبية في ساعة الفجر، من دون أن تتزود بالأوامر القضائية والقانونية اللازمة. وكما يليق في عمليات التلفيق المبيّت، وقبل ظهور نتائج التحقيق، أو سماع موقف المحاكم، يبدأ وزراء نتنياهو بتضخيم الخبر والحديث عن ظاهرة رشوة ممنهجة ومثبتة غرضها تسهيل تدخلات دول أجنبية معادية، بهدف التأثير على نتائج الانتخابات، وراحوا يطالبون لجنة الانتخابات المركزية بإعلان بطلان النتيجة في المدن والقرى العربية وبإلغاء نتائج الانتخابات.
بدأت المنصات ووسائل الدعاية الفاشيّة، المتخصصة ببث الافتراءات الدموية وسمومها العنصرية، بترديد هذا المطلب بكثافة شرسة والطعن في شرعية الإنجاز الديمقراطي، الذي أرساه المواطنون العرب بحكمة وبوعي وبإصرار، وبتلفيق تهمة دموية مفبركة ضد مجتمع كامل والحديث عن أفراده كمجرمين، تماما كما كان يحصل في دول ذاقت مجتمعاتها وبال هذه الفريات الدموية، خاصة المجتمعات اليهودية التي لوحقت في أوروبا في ثلاثينيات القرن الماضي وبعدها. بعد انتهاء لجنة الانتخابات المركزية من عملية إحصاء صناديق الاقتراع وفحص جميع الشكاوى التي وردت إليها، والانتهاء من جميع مراحل التدقيق التي يقتضيها القانون، قام رئيسها القاضي سولبرغ يوم الاربعاء الفائت، بتسليم النتائج الرسمية لرئيس الدولة هيرتسوغ، الذي شرع بمقابلة الأحزاب الفائزة ليسمع من كل حزب على حدة، وبضمنهم القائمتان العربيتان، المشتركة والإسلامية الموحدة، عن مرشحهم المقترح لتركيب الحكومة. وتشير المعطيات والتوقعات إلى أنه سيختار المرشح جادي آيزنكوت، ورغم الانتقال إلى هذه المرحلة، ما زال حزب الليكود وحلفاؤه في الحكومة يثيرون قضية تزوير الانتخابات، يساندهم في ذلك، كما يبدو، رئيس جهاز المخابرات، الذي أعلن عن نيته استدعاء أربعة من رؤساء وقادة الأحزاب العربية للتحقيق معهم بهذه الشبهة. وأعلنت المستشارة القضائية للحكومة، غالي مهراب – ميارة، معارضتها الفورية لطلبه الذي وصفته بغير القانوني، إذ لا يمكن لدولة ديمقراطية أن تقبل التحقيق مع عضو كنيست دون تدعيمه بالبينات الكافية مسبقا.
من أهم نتائج مشاركة المواطنين العرب أنها كانت عاملا حاسما في منع حدوث سيناريو سياسي بالغ الخطورة، وهو استعادة معسكر نتنياهو لقوته البرلمانية الحالية، وتمكينه، من تشكيل حكومته
ماذا كان سيحدث لو لم تقف في وجه هذه المحاولة الشيطانية والمؤامرة الدموية بعض المؤسسات والأجهزة الإسرائيلية الرسمية، والشخصيات اليهودية التي استوعبت جميعها أنهم يقفون أمام لحظة تاريخية فارقة ستحدد مآلاتها لا مصير المواطنين العرب في الدولة وحسب، بل مصائرهم أيضا، فالقضية لن تتوقف عند إلغاء نتيجة هذه الانتخابات، بل ستنقلهم جميعا إلى جحيم دولة جديدة. لقد بدأت رواية نتنياهو تتصدع في مساء التاسع والعشرين من أكتوبر، عندما أبرزت الصحافة الإسرائيلية الرئيسية بتزامن واحد، بيانا صادرا عن جهاز المخابرات العامة (الشاباك)، وفيه تأكيدان واضحان: الأول، رفض التشكيك بنزاهة التصويت في المجتمع العربي؛ والثاني، التأكيد أن التحقيق الجاري الذي يدور حول شبهات عينية، لن توثر نتائجه، في جميع الأحوال، على نتيجة الانتخابات العامة. كان هذا البيان لافتا لتسديده أولى الصفعات لرواية نتنياهو ومعسكره، ولأنه كشف عن عمق الهوة القائمة بين رئيس الجهاز زيني المحسوب على رجالات نتنياهو المقربين، وبعض المسؤولين الكبار في الجهاز، الذين يرفضون تسخير طاقات الجهاز في خدمة حزب، أو معسكر سياسي معيّن، ولأغراض خارجة عن ولاية الجهاز وأهداف عمله. ثم جاءت مواقف المستشارة القضائية لتمنع انهيار جميع السدود، ولتقف مدافعة عن مكانة وشرعية المواطنين العرب، وتلاها في هذا الموقف رئيس لجنة الانتخابات القاضي سولبرغ الذي كاد أن يقع في شِباك الفرية، إلا أنه استوعب أن هناك فرقا بين الحاجة للتحقيق في شكوى فردية عينية والمشاركة في الترويج لدمغ شرعية مجتمع كامل ونسف نزاهة أفراده، فأعلن احترامه لتصويتهم وبارك حجم مشاركتهم اللافتة.
لن أعدد جميع الجهات السياسية والمؤسسات والشخصيات والإعلاميين الذين انبروا لصد محاولة نزع الشرعية عن نتيجة الانتخابات، وأشادوا بدور المجتمع العربي، معلنين اعترافهم بضرورة العمل اليهودي العربي من أجل الوقوف في وجه القوى الفاشية التي لم تهزم في هذه الانتخابات، بل قد تكون خسرت المعركة فقط.
كم تغويني الحاجة للعودة إلى تاريخ أوروبا في المئوية السابقة، كي نتعلم ما لم تتعلمه في هذه الأيام ضحية تلك الحقبة؛ لكنني لن أفعل في هذه العجالة، لا سيما ونحن ما زلنا في قلب العاصفة. فلنتخيل الآن ماذا كان سيحصل لو بقيت الألوف المؤلفة من أهلنا في بيوتها وتركت الصناديق لتملأها أصوات عواء الذئاب الجائعة، وتبقى في صبيحة اليوم التالي حكومة الموت هذه ونحن والكارثة؟ وماذا لو كانت الحكومة المنصرفة قد نجحت في السيطرة على جميع المؤسسات التي وقفت لها بالمرصاد؟ ماذا لو كان جهاز المخابرات العامة كله أداة طيّعة في يد نتنياهو وحزبه، ويخططون معه كيف ينتقمون لاعدائه العرب ولحلفائهم من اليهود وكيف يسقطون الدولة القائمة؟ وماذا كان سيحصل لو لم تتصدّ المستشارة القانونية لمطالبة رئيس الجهاز، ويتم اعتقال قيادات الأحزاب العربية وزجها في أقبية الظلمة والظلم، ومن هناك كانت تبدأ وتنتهي الحكاية؟
يحق لنا كمواطنين يعيشون على الريح «كعشرين مستحيل» أن نفرح في هذه الأيام قليلا وقد اخترنا «للحياة سبيلا»، فلنفرح اليوم ونمضي كي نلتقي حلفاءنا اليهود ونواجه أمرنا معهم غدا، فنحن نحب الحياة وسنبقى «نسرق من دودة القز خيطًا لنبني سماء لنا، ونسيّج هذا الرحيلا، ونفتح باب الحديقة كي يخرج الياسمين إلى الطرقات نهارا جميلا». نحن لم نهزم في السابع والعشرين من أكتوبر، لكننا لم ننتصر فيه أيضا، كما إن الفاشيين لم ينتصروا فيه، لكنهم لم يهزموا فيه أيضا ! وسنبقى نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا.
كاتب فلسطيني
القدس العربي

نيسان ـ نشر في 2026-11-06 الساعة 04:01


رأي: جواد بولس كاتب فلسطيني

الكلمات الأكثر بحثاً