هل تُجدي الانتخابات في المجتمعات المتأزّمة؟
نيسان ـ نشر في 2026-11-07 الساعة 05:22
نيسان ـ مما استقر عليه الفكر الليبرالي منذ زمن أن كل النزاعات والمشكلات بين الدول يمكن معالجتها بالمفاوضات، وأن كل الخلافات والمشكلات داخل الدول يمكن معالجتها بالانتخابات. ولأن هذا من المسلّمات في عموم الديمقراطيات فإنه يؤدي في بعض الحالات إلى عقد انتخابات لا جدوى منها، وفي حالات أخرى إلى عقد انتخابات لا تفتح طريقا لبدء حل المشكلات، بل إنها تزيد الأوضاع سوءا والمشكلات تعقيدا… ومن الانتخابات ما قتل أو أصاب بالشلل! وأكثر ما يقع هذا إنما هو في الدول التي يمنح دستورها الرئيس أو رئيس الوزراء سلطة حل البرلمان إذا هو رأى أنه ماض في عرقلة سياسات الحكومة (إما بسبب سيطرة المعارضة عليه أو بسبب عدم ضمان ولاء نواب الأغلبية الحكومية) أو إذا ظن أن في إمكانه، بعقد انتخابات جديدة، إنهاء سيطرة المعارضة، أو الفوز بأغلبية برلمانية مستأنَفة تكون أوسع من الأغلبية الحكومية القائمة.
أمريكا منقسمة إلى شعبين متباغضين، وأن من مفكريها وروائيّيها من يتوقع فاجعة الحرب الأهلية في مدى غير بعيد
ولهذا حدث في بعض هذه الدول أن أوقع بعض الرؤساء أنفسهم في مآزق لا مخرج منها. فقد غنِم شيراك عند فوزه بالرئاسة عام 1995 أغلبية برلمانية كاسحة (472 مقعدا من أصل 577) منبثقة من الانتخابات التشريعية لعام 1993، وعمل منذئذ مع رئيس حكومة قدير ومحترم هو خِلّه الوفي آلان جوبي. ولكن رغم استثنائية هذه الأغلبية البرلمانية، التي لا يمكن أن يحلم بها في الأوضاع السياسية السائدة الآن في جميع الديمقراطيات أي رئيس دولة أو حكومة، فإن شيراك ظن أن في وسعه الفوز بأغلبية أوسع! ولهذا قرر عام 1997 حل البرلمان الموالي له والمجازفة بعقد انتخابات جديدة. مجازفة كانت نتيجتها الخسران المبين، أي فوز المعارضة اليسارية بأغلبية مريحة (334 مقعدا) واضطرار شيراك إلى «مساكنة» رئيس الحكومة الاشتراكي آلان جوسبان خمس سنين كاملة حتى 2002. كان ذلك درسا كفيلا بردع أي رئيس آخر عن تكرار المجازفة التي لا داعي لها أصلا. ولكن، كما قال أسلافنا، ما أكثر العِبَر وما أقل الاعتبار! لهذا فإن السيناريو ذاته تكرر عام 2024 مع الرئيس ماكرون. صحيح أن أغلبيته البرلمانية كانت نسبية هشة لا تتجاوز 250 مقعدا، ولكنه وقع فريسة فرط التفاؤل لما تذرع بنتائج انتخابات البرلمان الأوروبي (التي فاز فيها اليمين المتطرف الفرنسي بأكثرية 31 بالمائة) ليحل الجمعية الوطنية الفرنسية ظنا منه أنه سيفوز هذه المرة بأغلبية واسعة تيسّر له الحكم على هواه النيولبرالي، فإذا به يفقد كل سلطة تقريبا وإذا ببلاده تصاب بالشلل السياسي وتغرق في فوضى «اللا-محكوميّة» التي قد تبقى متخبطة فيها لسنوات وسنوات.
واللا-محكومية (التي ليست الاضطرابات وأعمال الشغب العنيفة إلا أحد مظاهرها) هي فقد الأنظمة القدرة على سياسة مجتمعاتها أو، وهذا هو الأخطر، عدم قابلية المجتمعات للحكم والسَّوْس أصلا بسبب من إِعْضال مشكلاتها وتفاقم الكراهية بين مكوّناتها. ولا تنحصر هذه الظاهرة المفزعة في بعض دول أوروبا، بل إنها أخذت تشمل مناطق أخرى، مثلما أظهرت انتخابات البرازيل الأخيرة. صحيح أن فوز الرئيس لُولا بولاية جديدة خبر يَسُرّ لأنه يكسر موجة النجاح التي اجتاح بها اليمين اللا-ليبرالي، الحليف لترامب، عددا من دول أمريكا اللاتينية. ولكن حزب بولسونارو المتطرف قد فاز بأكثرية الأصوات في كل من مجلسي النواب والشيوخ، مما يقلص هامش حرية حركة حكومة لولا ويعرقل قدرتها على الحكم، بما في ذلك استمرارها في تنفيذ سياسات حماية غابات الأمازون التي يقترن مصير البشرية بمصيرها لأنها بمثابة الرئة لكوكب الأرض. أما السبب الأهم لدخول البرازيل في برزخ اللا-محكومية فهو أن البلاد منقسمة نصفين، بل شعبين، يُبغض كل منهما الآخر. فالموالون لبولسونارو لا يعترفون بفوز لولا ولا يُقِرّون له بالشرعية لأنهم يصدقون من الأباطيل الفاقعة ونظريات المؤامرة السخيفة ما يصدقه شعب «الماغا» المسبّح بحمد ترامب.
أما أكثر الدول تمثيلا لظاهرة اللا-محكومية فهي دولة العنصرية الصهيونية المنقسمة شعبين منتميين لكوكبين مختلفين، بدليل إِزْمان الانسداد السياسي والشلل البرلماني، وعدم اجتماع كلمة القوم إلا على شن الحروب ومزيد الهروب إلى الأمام. ورغم أن اندحار الحزب الجمهوري، الذي باع روحه للسامريّ الترامبي وعجله الذهبي، في الانتخابات النصفية قبل أيام حدث مهم ينبئ بإمكان تصحيح السياسات الأمريكية وإمكان تحرير واشنطن من نير الهيمنة الصهيونية، فإن الحقيقة أن أمريكا منقسمة هي أيضا إلى شعبين متباغضين، وأن من مفكريها وروائيّيها من يتوقع فاجعة الحرب الأهلية في مدى غير بعيد.
كاتب تونسي
القدس العربي
أمريكا منقسمة إلى شعبين متباغضين، وأن من مفكريها وروائيّيها من يتوقع فاجعة الحرب الأهلية في مدى غير بعيد
ولهذا حدث في بعض هذه الدول أن أوقع بعض الرؤساء أنفسهم في مآزق لا مخرج منها. فقد غنِم شيراك عند فوزه بالرئاسة عام 1995 أغلبية برلمانية كاسحة (472 مقعدا من أصل 577) منبثقة من الانتخابات التشريعية لعام 1993، وعمل منذئذ مع رئيس حكومة قدير ومحترم هو خِلّه الوفي آلان جوبي. ولكن رغم استثنائية هذه الأغلبية البرلمانية، التي لا يمكن أن يحلم بها في الأوضاع السياسية السائدة الآن في جميع الديمقراطيات أي رئيس دولة أو حكومة، فإن شيراك ظن أن في وسعه الفوز بأغلبية أوسع! ولهذا قرر عام 1997 حل البرلمان الموالي له والمجازفة بعقد انتخابات جديدة. مجازفة كانت نتيجتها الخسران المبين، أي فوز المعارضة اليسارية بأغلبية مريحة (334 مقعدا) واضطرار شيراك إلى «مساكنة» رئيس الحكومة الاشتراكي آلان جوسبان خمس سنين كاملة حتى 2002. كان ذلك درسا كفيلا بردع أي رئيس آخر عن تكرار المجازفة التي لا داعي لها أصلا. ولكن، كما قال أسلافنا، ما أكثر العِبَر وما أقل الاعتبار! لهذا فإن السيناريو ذاته تكرر عام 2024 مع الرئيس ماكرون. صحيح أن أغلبيته البرلمانية كانت نسبية هشة لا تتجاوز 250 مقعدا، ولكنه وقع فريسة فرط التفاؤل لما تذرع بنتائج انتخابات البرلمان الأوروبي (التي فاز فيها اليمين المتطرف الفرنسي بأكثرية 31 بالمائة) ليحل الجمعية الوطنية الفرنسية ظنا منه أنه سيفوز هذه المرة بأغلبية واسعة تيسّر له الحكم على هواه النيولبرالي، فإذا به يفقد كل سلطة تقريبا وإذا ببلاده تصاب بالشلل السياسي وتغرق في فوضى «اللا-محكوميّة» التي قد تبقى متخبطة فيها لسنوات وسنوات.
واللا-محكومية (التي ليست الاضطرابات وأعمال الشغب العنيفة إلا أحد مظاهرها) هي فقد الأنظمة القدرة على سياسة مجتمعاتها أو، وهذا هو الأخطر، عدم قابلية المجتمعات للحكم والسَّوْس أصلا بسبب من إِعْضال مشكلاتها وتفاقم الكراهية بين مكوّناتها. ولا تنحصر هذه الظاهرة المفزعة في بعض دول أوروبا، بل إنها أخذت تشمل مناطق أخرى، مثلما أظهرت انتخابات البرازيل الأخيرة. صحيح أن فوز الرئيس لُولا بولاية جديدة خبر يَسُرّ لأنه يكسر موجة النجاح التي اجتاح بها اليمين اللا-ليبرالي، الحليف لترامب، عددا من دول أمريكا اللاتينية. ولكن حزب بولسونارو المتطرف قد فاز بأكثرية الأصوات في كل من مجلسي النواب والشيوخ، مما يقلص هامش حرية حركة حكومة لولا ويعرقل قدرتها على الحكم، بما في ذلك استمرارها في تنفيذ سياسات حماية غابات الأمازون التي يقترن مصير البشرية بمصيرها لأنها بمثابة الرئة لكوكب الأرض. أما السبب الأهم لدخول البرازيل في برزخ اللا-محكومية فهو أن البلاد منقسمة نصفين، بل شعبين، يُبغض كل منهما الآخر. فالموالون لبولسونارو لا يعترفون بفوز لولا ولا يُقِرّون له بالشرعية لأنهم يصدقون من الأباطيل الفاقعة ونظريات المؤامرة السخيفة ما يصدقه شعب «الماغا» المسبّح بحمد ترامب.
أما أكثر الدول تمثيلا لظاهرة اللا-محكومية فهي دولة العنصرية الصهيونية المنقسمة شعبين منتميين لكوكبين مختلفين، بدليل إِزْمان الانسداد السياسي والشلل البرلماني، وعدم اجتماع كلمة القوم إلا على شن الحروب ومزيد الهروب إلى الأمام. ورغم أن اندحار الحزب الجمهوري، الذي باع روحه للسامريّ الترامبي وعجله الذهبي، في الانتخابات النصفية قبل أيام حدث مهم ينبئ بإمكان تصحيح السياسات الأمريكية وإمكان تحرير واشنطن من نير الهيمنة الصهيونية، فإن الحقيقة أن أمريكا منقسمة هي أيضا إلى شعبين متباغضين، وأن من مفكريها وروائيّيها من يتوقع فاجعة الحرب الأهلية في مدى غير بعيد.
كاتب تونسي
القدس العربي
نيسان ـ نشر في 2026-11-07 الساعة 05:22
رأي: مالك التريكي


