وحش اللغة!
نيسان ـ نشر في 2026-11-07 الساعة 05:22
نيسان ـ ما زالت موسوعة «وحوش القرن الحادي والعشرين» التي يشرف عليها جمع من الباحثين والخبراء، في طور الإعداد، ولم تكتمل أو تنشر بعد. ولا يْعْرف الكثير عن منهجيتها ومقاربتها لموضوع غامض ومعقّد. لكن ما هو مؤكد أن واحدة من أبوابها مخصّصة لوحش، اسمه باللاتينية (Monstrum Arabicus) ومع أن للاسم وقع قروسطيّ وقد يظن القارئ أن هذا الوحش كائن خرافي، إلا أنه موجود في زمننا الحاضر. قد لا يرى بالعين المجردة، لكن من السهل تتبع آثاره ورصد تأثيره في العالم، وفي شماله «المتحضّر» بالتحديد. كما أن الذعر الذي يولده ويوقعه هذا الوحش حقيقي وملموس بما لا يقبل الشك.
ليس من السهل وصف شكل هذا الوحش بالتفصيل، لأنه مضلّل ومراوغ، ودائم التحول. لكن يمكننا أن نخمّن أنه يمتلك عدداً من الأذرع التي تطابق حروف اللغة العربية الثمانية والعشرين. ماذا عن أول ظهور لهذا الوحش؟ لا إجابة دقيقة أو وافية، فتاريخه معقد وسلالته موضع جدل. لكن يمكن أن يحاجّ المرء أن الحادي عشر من سبتمبر، وحروب الإرهاب ضد الإرهاب وخطابها أحدثت تحوّلاً مهمّاًَ أدى إلى مسخ الوحش في هيئته الحالية.
وضعت الطبقة الحاكمة، والنخب، والإعلام السائد، في الولايات المتحدة، هجمات الحادي عشر من سبتمبر في سياق «صدام الحضارات» وطرحت تفسيرات ثقافويّة تشتت الأنظار والفهم بعيداً عن تاريخ سياسي وماض قريب، لتحيل إلى أرشيف الاستشراق وترسانته المترسّخة. وبذلك أصبحت الثقافة بحد ذاتها أفق الجريمة وحيزها الذي يجب الإحاطة به واختراقه ومراقبته. وبما أن اللغة العربية هي لغة القرآن والنصوص التي يقتبس وينهل منها أولئك الذين يمارسون الإرهاب، ويدعون إلى الجهاد في خطاباتهم وبياناتهم، فلا بد أن العنف كامن في «جوهر» اللغة. وبالتالي كان من اللازم تصنيفها هدفاً استراتيجياً والنظر إليها كأداة وسلاح في المعركة. وهذا ما حدث رسمياً في 2006، حيث أعلن جورج بوش، الرئيس آنذاك، عن إطلاق «مبادرة اللغة للأمن القومي» وتوجيه وزراء الخارجية والتعليم والدفاع ومدير الأمن القومي بإعداد خطة لتنمية القدرات اللغوية وزيادة عدد الأمريكيين الذين يتعلّمون ما صنّفته المبادرة باللغات الأجنبية ذات الأهمية الاستراتيجية، مثل العربية والصينية والروسية والهندية والفارسية. وهناك تناقض، فمن ناحية هناك نزعة واضحة ورغبة في فك الشيفرات وتفكيك وترجمة كل ما يمكن ترجمته للوصول إلى «جوهر» ثقافة الإرهاب، التي لا بد من السيطرة عليها. ومن ناحية أخرى، لا بد من التعمية حتى يظل هذا «الجوهر»، المتخيّل بالطبع، الذي لا وجود له أصلاً، عصياً على الفهم، وكل هذا لحراسة الحدود الوهمية والخيالية التي تعيد إنتاج خطاب صراع الحضارات.
تصاعدت صيحات اليمينيين والعنصريين الذين يعانون من رهاب الإسلام الذي تفاقم وتغوّل في زمن ترامب، الذي كان قد استهل حملته الانتخابية الأولى بالقول «الإسلام يكرهنا»
من الجدير بالذكر أن مجلة «ذا نيويوركر» العريقة نشرت في عدد 7 يونيو2018، دراسة عن شعر»داعش» أنجزها أكاديميان، أحدهما متخصص في الدراسات الإسلامية، والآخر في الأدب العربي، وكانت بعنوان «خطوط القتال: تريدون أن تفهموا الجهاديين؟ اقرأوا شعرهم» وأكد الباحثان أن «من المستحيل فهم ما سمياه الجهاديّة (Jihadism) وأهدافها واستمرارها وجاذبيتها لمن تجندهم، من دون النظر إلى ثقافتها». بعد سنوات طويلة لم تنشر فيها مقالة واحدة عن الشعر العربي الحديث، أفردت هذه المجلة الليبرالية العريقة صفحات لدراسة شعر «داعش». وأزعم أنه يمكن فهم وتحليل السياق الذي نشأت فيه «داعش» وتمددت من دون قراءة سطر واحد من شعر الدواعش!
وهناك أمثلة كثيرة على تجريم وشيطنة اللغة العربية، منها إجبار طالب عراقي كان على متن طائرة في مطار لوس أنجلس في أبريل عام 2016 على النزول منها وتولى بعدها ضباط مكتب التحقيقات الفدرالية (الإف بي آي) التحقيق معه وتفتيشه. والسبب كان أن أحد الركاب سمعه يتحدث على الهاتف مع عمّه ويقول «إن شاء الله». كنتُ مسافراً من برلين إلى نيويورك قبل سنوات، فطلبتْ موظفة الأمن الألمانية في مطار برلين أن أفتح الحاسوب الذي كان معي وفعلت. كنت يومها أراجع مخطوطة أنجزتها قبل إرسالها إلى الناشر وكان الملف مفتوحاً. حين رأت الموظفة النص المكتوب بالحروف العربية يملأ الشاشة، نادت زميلها وقالت بقلق، بالألمانية: «أرابش!». جاء زميلها ونظر إلى الشاشة وهز كتفيه. لا بد من الاعتراف بأن موسوعة الوحوش التي ذكرتها في الفقرة الأولى هي من نسج الخيال، ولا وجود لها، ولا لوحش اللغة العربية الذي ابتدعنا له اسماً لاتينياً. لكن هناك من يؤمنون بوجود هذا الوحش ويحذّرون من خطره المرعب. وهذا ما حدث في الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة، بعد نجاح المرشح المصري – الأمريكي، عبد الرحمن السيد، في الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان. تصاعدت صيحات اليمينيين والعنصريين الذين يعانون من رهاب الإسلام الذي تفاقم وتغوّل في زمن ترامب، الذي كان قد استهل حملته الانتخابية الأولى بالقول «الإسلام يكرهنا». وكما هو متوقّع، فإن انتصار السيد ليصبح أول سيناتور مسلم في تاريخ الولايات المتحدة، يشكّل صدمة وضربة قاصمة لليمين العنصري المتطرف، (والجناح المحافظ في الحزب الديمقراطي كذلك).
كتبت لورا لومر، اليمينية المتطرفة، على منصة إكس: «أرجو أن يتعلم الجميع العربية». والافتراض هو أن أي مرشح مسلم هو حصان طروادة سيخترق الأسوار ويفتحها على مصراعيها أمام غزو ثقافي كاسح (هذا ما كتبه البعض بعد أن أصبح ممداني عمدة نيويورك). وعبّر آخرون وأخريات في الأيام الماضية عن غضبهم واستيائهم من سماع عبارات «إن شاء الله» و «الحمد لله». وسخر الآلاف على منصات التواصل الاجتماعي من رهاب هؤلاء ومن عنصرية لومر. بغض النظر عمّا ستسفر عنه سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، وتبعات التحولات في المشهد السياسي في الولايات المتحدة، فيجب ألا يغض المرء النظر عن كل هؤلاء الوحوش.
كاتب عراقي
القدس العربي
ليس من السهل وصف شكل هذا الوحش بالتفصيل، لأنه مضلّل ومراوغ، ودائم التحول. لكن يمكننا أن نخمّن أنه يمتلك عدداً من الأذرع التي تطابق حروف اللغة العربية الثمانية والعشرين. ماذا عن أول ظهور لهذا الوحش؟ لا إجابة دقيقة أو وافية، فتاريخه معقد وسلالته موضع جدل. لكن يمكن أن يحاجّ المرء أن الحادي عشر من سبتمبر، وحروب الإرهاب ضد الإرهاب وخطابها أحدثت تحوّلاً مهمّاًَ أدى إلى مسخ الوحش في هيئته الحالية.
وضعت الطبقة الحاكمة، والنخب، والإعلام السائد، في الولايات المتحدة، هجمات الحادي عشر من سبتمبر في سياق «صدام الحضارات» وطرحت تفسيرات ثقافويّة تشتت الأنظار والفهم بعيداً عن تاريخ سياسي وماض قريب، لتحيل إلى أرشيف الاستشراق وترسانته المترسّخة. وبذلك أصبحت الثقافة بحد ذاتها أفق الجريمة وحيزها الذي يجب الإحاطة به واختراقه ومراقبته. وبما أن اللغة العربية هي لغة القرآن والنصوص التي يقتبس وينهل منها أولئك الذين يمارسون الإرهاب، ويدعون إلى الجهاد في خطاباتهم وبياناتهم، فلا بد أن العنف كامن في «جوهر» اللغة. وبالتالي كان من اللازم تصنيفها هدفاً استراتيجياً والنظر إليها كأداة وسلاح في المعركة. وهذا ما حدث رسمياً في 2006، حيث أعلن جورج بوش، الرئيس آنذاك، عن إطلاق «مبادرة اللغة للأمن القومي» وتوجيه وزراء الخارجية والتعليم والدفاع ومدير الأمن القومي بإعداد خطة لتنمية القدرات اللغوية وزيادة عدد الأمريكيين الذين يتعلّمون ما صنّفته المبادرة باللغات الأجنبية ذات الأهمية الاستراتيجية، مثل العربية والصينية والروسية والهندية والفارسية. وهناك تناقض، فمن ناحية هناك نزعة واضحة ورغبة في فك الشيفرات وتفكيك وترجمة كل ما يمكن ترجمته للوصول إلى «جوهر» ثقافة الإرهاب، التي لا بد من السيطرة عليها. ومن ناحية أخرى، لا بد من التعمية حتى يظل هذا «الجوهر»، المتخيّل بالطبع، الذي لا وجود له أصلاً، عصياً على الفهم، وكل هذا لحراسة الحدود الوهمية والخيالية التي تعيد إنتاج خطاب صراع الحضارات.
تصاعدت صيحات اليمينيين والعنصريين الذين يعانون من رهاب الإسلام الذي تفاقم وتغوّل في زمن ترامب، الذي كان قد استهل حملته الانتخابية الأولى بالقول «الإسلام يكرهنا»
من الجدير بالذكر أن مجلة «ذا نيويوركر» العريقة نشرت في عدد 7 يونيو2018، دراسة عن شعر»داعش» أنجزها أكاديميان، أحدهما متخصص في الدراسات الإسلامية، والآخر في الأدب العربي، وكانت بعنوان «خطوط القتال: تريدون أن تفهموا الجهاديين؟ اقرأوا شعرهم» وأكد الباحثان أن «من المستحيل فهم ما سمياه الجهاديّة (Jihadism) وأهدافها واستمرارها وجاذبيتها لمن تجندهم، من دون النظر إلى ثقافتها». بعد سنوات طويلة لم تنشر فيها مقالة واحدة عن الشعر العربي الحديث، أفردت هذه المجلة الليبرالية العريقة صفحات لدراسة شعر «داعش». وأزعم أنه يمكن فهم وتحليل السياق الذي نشأت فيه «داعش» وتمددت من دون قراءة سطر واحد من شعر الدواعش!
وهناك أمثلة كثيرة على تجريم وشيطنة اللغة العربية، منها إجبار طالب عراقي كان على متن طائرة في مطار لوس أنجلس في أبريل عام 2016 على النزول منها وتولى بعدها ضباط مكتب التحقيقات الفدرالية (الإف بي آي) التحقيق معه وتفتيشه. والسبب كان أن أحد الركاب سمعه يتحدث على الهاتف مع عمّه ويقول «إن شاء الله». كنتُ مسافراً من برلين إلى نيويورك قبل سنوات، فطلبتْ موظفة الأمن الألمانية في مطار برلين أن أفتح الحاسوب الذي كان معي وفعلت. كنت يومها أراجع مخطوطة أنجزتها قبل إرسالها إلى الناشر وكان الملف مفتوحاً. حين رأت الموظفة النص المكتوب بالحروف العربية يملأ الشاشة، نادت زميلها وقالت بقلق، بالألمانية: «أرابش!». جاء زميلها ونظر إلى الشاشة وهز كتفيه. لا بد من الاعتراف بأن موسوعة الوحوش التي ذكرتها في الفقرة الأولى هي من نسج الخيال، ولا وجود لها، ولا لوحش اللغة العربية الذي ابتدعنا له اسماً لاتينياً. لكن هناك من يؤمنون بوجود هذا الوحش ويحذّرون من خطره المرعب. وهذا ما حدث في الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة، بعد نجاح المرشح المصري – الأمريكي، عبد الرحمن السيد، في الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان. تصاعدت صيحات اليمينيين والعنصريين الذين يعانون من رهاب الإسلام الذي تفاقم وتغوّل في زمن ترامب، الذي كان قد استهل حملته الانتخابية الأولى بالقول «الإسلام يكرهنا». وكما هو متوقّع، فإن انتصار السيد ليصبح أول سيناتور مسلم في تاريخ الولايات المتحدة، يشكّل صدمة وضربة قاصمة لليمين العنصري المتطرف، (والجناح المحافظ في الحزب الديمقراطي كذلك).
كتبت لورا لومر، اليمينية المتطرفة، على منصة إكس: «أرجو أن يتعلم الجميع العربية». والافتراض هو أن أي مرشح مسلم هو حصان طروادة سيخترق الأسوار ويفتحها على مصراعيها أمام غزو ثقافي كاسح (هذا ما كتبه البعض بعد أن أصبح ممداني عمدة نيويورك). وعبّر آخرون وأخريات في الأيام الماضية عن غضبهم واستيائهم من سماع عبارات «إن شاء الله» و «الحمد لله». وسخر الآلاف على منصات التواصل الاجتماعي من رهاب هؤلاء ومن عنصرية لومر. بغض النظر عمّا ستسفر عنه سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، وتبعات التحولات في المشهد السياسي في الولايات المتحدة، فيجب ألا يغض المرء النظر عن كل هؤلاء الوحوش.
كاتب عراقي
القدس العربي
نيسان ـ نشر في 2026-11-07 الساعة 05:22
رأي: سنان أنطون


