مولدات السرد العربي
سعيد يقطين
كاتب مغربي
نيسان ـ نشر في 2026-11-08 الساعة 05:10
نيسان ـ عرف العرب الرواية، نوعا سرديا حديثا، بسبب التفاعل مع الرواية الغربية إما عن طريق الترجمة، أو الاطلاع عليها مباشرة. كما أن شروطا خاصة ساهمت في بروزها، ومن بينها الطباعة والوسائط الجماهيرية التي لم تتحقق إلا بدخول الاستعمار (الجريدة، المجلة، الراديو…)، والتي بدأت بنشرها مسلسلة، أو طبعها في كتاب. وبعض الأقطار العربية التي تأخرت فيها هذه الوسائط كان لذلك أثره في ظهورها. لكن العرب قبل العصر الحديث مارسوا السرد من خلال أنواع متعددة نجد لها حضورا وجذورا قبل الإسلام. يفرض علينا هذا التاريخ الطويل للسرد العربي قبل أن نبحث في أنواعه وتاريخه، الكشف عن مولداته، والشروط التي أدت إلى إنتاجه وتلقيه، وشبكة العلاقات التي تربط بين مختلف مكوناته. لا علاقة لهذه المولدات بنشأته التي لا يمكن تحديدها لارتباطها بوجود العربي في شبه الجزيرة العربية، تماما كما حصل مع الشعر العربي. إن هذه المولدات كما ظهرت متصلة بممارسة السرد في الحياة العربية قديما يمكن أن نجد بعضها مستمرا إلى الآن.
بالنظر إلى الذخيرة السردية العربية المتوفرة لدينا يمكننا التمييز بين أربعة مولدات، أو مبادئ ساهمت في إنتاج السرد، وهي على الشكل الآتي:
1. التحاكي: لا بد من الإشارة أولا إلى أن السرد فعل لغوي يقوم على أساس التواصل بين مرسل ومتلق. وأعتبر التحاكي أول المولدات لبساطته وحضوره الدائم، تماما كما هو الأمر مع اللغة التي نوظفها يوميا. ففي أي لقاء بين شخصين أو أكثر يبدأ الحديث بالسؤال عن: «ما الخبر؟»، أي عن أي جديد طارئ لأحدهما دون غيره، أو ما طرأ في المحيط المعيش فيه. وبما أن لكل شخص جديدا يمكن أن يدلي بها مخبرا غيره، يكون التناوب والتبادل حول ما يستجد من أخبار جديدة، أو يتطور عن أخبار سابقة. ولقد اعتبرنا هذا المبدأ بسيطا لاشتراك المتخاطبين حول معلومات عادية ومشتركة، ومتصلة بما يجري في الحياة اليومية.
2. التساؤل: إذا كان سؤال: «ما الخبر؟» يطرح في أي حديث طبيعي وعادي، كما رأينا في المبدأ الأول، فإن التساؤل عينه يصبح ذا خصوصية حين يتعلق الأمر هنا بالمروي له الذي يسأل الراوي الذي يمتلك معرفة تفوق ما لدى غيره من المروي لهم عن أحداث ذات بعد تاريخي أو ثقافي يتعدى المشترك بين المتخاطبين، فيحتل الراوي موقعا يعلو على الموقع الذي يحتله المروي له، عكس ما رأينا في التحاكي حيث كل راو يمكن أن يتحول إلى مروي له في الوقت ذاته.
3. التراسل: إذا كان التساؤل يتم بشكل مباشر بين الراوي والمروي له في المقام الذي يجمع بينهما (الشفاهة)، يتحقق التراسل من خلال الرسالة التي يبعث بها المروي له إلى راو ثقة، ومتميز بالمعرفة الواسعة والدقيقة في مجال معين، طالبا منه تأليف كتاب في موضوع محدد يهمه الاطلاع عليه، والاستزادة بما يمكن أن يتضمنه من معلومات ومعارف. فيكون جواب الراوي كتابا (الكتابة) يقدم فيه ما انتهت إليه معرفته بخصوصه. لا غرو إذن ان نجد بعض الأعمال السردية العربية تتأطر ضمن الرسالة.
4. الرواية: إذا كان التحاكي والتساؤل يرتبطان بالمجلس الذي نجد فيه الرواة والمروي لهم في مقام يجمع بينهم، ولكل منهم معرفة شخصية بالطرف الآخر، والتراسل، من خلال الكتابة، تبدو الرواية من خلال وجود راو يجلس إليه المروي لهم في مجلس معين. وما يجمع بينهم هو الحرفة التي يمتهنها الراوي أمام زبناء تغويهم رواياته. وكما يمكن لهذا الراوي في الساحة العمومية، أو في مقهى شعبي، أن يرتجل، يمكنه أيضا أن يقرأ من كتاب. ومع الزمن، وبعد توفر نسخ من تلك المرويات وقد عرفت طريقها إلى التدوين، سننتقل من المروي لهم إلى القارئ الذي يبتاع النسخة ويطلع عليها في مجلسه الخاص به.
تترابط هذه المولدات، وتتعدد من خلال:
1. العلاقة بين الراوي والمروي له والقارئ: في التحاكي نجد العلاقة بين الراوي والمروي له تتحقق من خلال الاشتراك في الفعل السردي، حيث يتحول كل راو إلى مروي له، عن طريق التناوب، وكلما تدخل أحد الحضور في ممارسة السرد. أما في المبدأ الثاني فيتحدد من خلال ما يكون عند الراوي من مواد سردية لا يتوفر عليها المروي له، فيكون السؤال للاستخبار أو طلب المعرفة. ويمكن أن نلاحظ الصورة نفسها في التراسل حين يكون السؤال من مروي له، والمتوجه به إلى راو يمتلك قدرات ومعارف ولغة كتابية جيدة طالبا الجواب «المكتوب» عن قضية تشغل باله، وتهم القراء بصفة عامة. وفي كل هذه المولدات نجد أنفسنا أمام علاقة مباشرة وشخصية بين الراوي والمروي له. أما في الرواية فتبدو من خلال صورة مختلفة لا تقوم فيها العلاقة بين الراوي والمروي له على أساس المعرفة الشخصية، ولكن على ركيزة التلاؤم بين ما يقوله المتكلم، ويسمعه المخاطب غير الشخصي والمعروف. ولما كان ما يقدمه الراوي في الساحة العمومية مفيدا ومثيرا، يتم تدوين ما يقدمه ليتسع لجمهور أوسع من القراء.
2. الفضاء التي يمارس فيه السرد: يبدأ السرد في التولد حيثما كان هناك أشخاص في مقام تواصلي. وقد يكون هذا الفضاء مفتوحا (المجلس الصحراوي)، أو المسجد، أو مغلوقا، ومحدود العدد (الديوان، البلاط)، أو يكون غرفة خاصة يطرح فيها المروي له سؤالا يجيب عنه الراوي كتابة. وقد يكون الفضاء فسيحا لجمهور متعدد (الساحة العمومية).
3. الوسائط: أما الوسيط فيبدو لنا من خلال الشفاهة أو الكتابة بحسب المقام الذي يمارس فيه السرد بين الراوي والمروي لهم في فضاء معين، ووفق نوع العلاقة التي تربط بينهم.
نستنتج من خلال هذه المولدات السردية العربية أننا ننتقل من الراوي إلى المروي له كلما كانت العلاقة بينهم تستند إلى الشفاهة، وهي بين أناس في مستوى واحد من التواصل والمشترك الثقافي (القبيلة)، من جهة. أو بين مستويين مختلفين من المعرفة، حيث يعرف الراوي أكثر من المروي له (السائل، والمراسل)، بغض الطرف عن موقع أي منهما (أمير، مثقف)، من جهة ثانية. أو بين راو محترف وجمهور واسع.
تنتظم هذه المولدات الأربعة بصفة عامة، وتتأطر من خلال السؤال البسيط والعادي الذي يشترك في الجواب عنه الراوي والمروي له، وهما معا في مستوى واحد (التحاكي)، أو من السؤال الخاص والمحدد والذي يتطلب معرفة مختلفة مما عند الجميع، من خلال تميز الراوي واختلافه عن المروي له (التساؤل)، أو من خلال الدعوة إلى الكتابة لتعميم المعرفة من خلال الفعل السردي (التراسل). أما في الرواية فيبدو لنا الانتقال من الراوي العليم إلى الراوي المبدع الذي «يقول»: (قال الراوي) ليس مجيبا عن سؤال، ولكن «ناظما» لمعرفة بالأخبار، التي انتقلت إليه عن طريق السماع أو القراءة، محققا انتظارات المروي لهم، وما يتطلعون إلى سماعه مما يتصل بمتخيلهم ومعرفتهم السردية.
إننا من المولدين الأول والثاني، من جهة، والمولدين الأخيرين ننتقل من «الجواب السردي» المفضي إلى الإخبار، وإشباع الفضول حول مواد سردية معينة إلى «الفعل السردي» الذي يخلق أفق انتظارات المتلقين، وقد استجمعت كل ما يتوقعونه في تحصيل الإمتاع وتعميق المعرفة. ويوظف الراوي في هذا النطاق كل ما تراكم لديه من معلومات ومعارف تتضمنها كل المواد السردية التي تراكمت من خلال تلك المولدات، مضيفا إليها تجربته الشخصية، وثقافته الخاصة. كما أننا ننتقل في الإطار نفسه من الشفاهة إلى الكتابة عبر «الجواب السردي البسيط» الذي يبدو لنا من خلال «التحاكي» إلى «الجواب السردي المركب» من خلال «التساؤل»، وهو ما يحدث أيضا من انتقال إلى «الفعل السردي» عن طريق «التراسل» و«الرواية» ( الشفاهة ـ الكتابة).
تدفعنا هذه المولدات مجتمعة إلى طرح السؤال عن طبيعة المواد الحكائية المقدمة في كل منها. ولن يكون هذا السؤال سوى مدخل للحديث عن الأنواع السردية العربية التي تتلاءم مع كل منها.
*كاتب من المغرب
بالنظر إلى الذخيرة السردية العربية المتوفرة لدينا يمكننا التمييز بين أربعة مولدات، أو مبادئ ساهمت في إنتاج السرد، وهي على الشكل الآتي:
1. التحاكي: لا بد من الإشارة أولا إلى أن السرد فعل لغوي يقوم على أساس التواصل بين مرسل ومتلق. وأعتبر التحاكي أول المولدات لبساطته وحضوره الدائم، تماما كما هو الأمر مع اللغة التي نوظفها يوميا. ففي أي لقاء بين شخصين أو أكثر يبدأ الحديث بالسؤال عن: «ما الخبر؟»، أي عن أي جديد طارئ لأحدهما دون غيره، أو ما طرأ في المحيط المعيش فيه. وبما أن لكل شخص جديدا يمكن أن يدلي بها مخبرا غيره، يكون التناوب والتبادل حول ما يستجد من أخبار جديدة، أو يتطور عن أخبار سابقة. ولقد اعتبرنا هذا المبدأ بسيطا لاشتراك المتخاطبين حول معلومات عادية ومشتركة، ومتصلة بما يجري في الحياة اليومية.
2. التساؤل: إذا كان سؤال: «ما الخبر؟» يطرح في أي حديث طبيعي وعادي، كما رأينا في المبدأ الأول، فإن التساؤل عينه يصبح ذا خصوصية حين يتعلق الأمر هنا بالمروي له الذي يسأل الراوي الذي يمتلك معرفة تفوق ما لدى غيره من المروي لهم عن أحداث ذات بعد تاريخي أو ثقافي يتعدى المشترك بين المتخاطبين، فيحتل الراوي موقعا يعلو على الموقع الذي يحتله المروي له، عكس ما رأينا في التحاكي حيث كل راو يمكن أن يتحول إلى مروي له في الوقت ذاته.
3. التراسل: إذا كان التساؤل يتم بشكل مباشر بين الراوي والمروي له في المقام الذي يجمع بينهما (الشفاهة)، يتحقق التراسل من خلال الرسالة التي يبعث بها المروي له إلى راو ثقة، ومتميز بالمعرفة الواسعة والدقيقة في مجال معين، طالبا منه تأليف كتاب في موضوع محدد يهمه الاطلاع عليه، والاستزادة بما يمكن أن يتضمنه من معلومات ومعارف. فيكون جواب الراوي كتابا (الكتابة) يقدم فيه ما انتهت إليه معرفته بخصوصه. لا غرو إذن ان نجد بعض الأعمال السردية العربية تتأطر ضمن الرسالة.
4. الرواية: إذا كان التحاكي والتساؤل يرتبطان بالمجلس الذي نجد فيه الرواة والمروي لهم في مقام يجمع بينهم، ولكل منهم معرفة شخصية بالطرف الآخر، والتراسل، من خلال الكتابة، تبدو الرواية من خلال وجود راو يجلس إليه المروي لهم في مجلس معين. وما يجمع بينهم هو الحرفة التي يمتهنها الراوي أمام زبناء تغويهم رواياته. وكما يمكن لهذا الراوي في الساحة العمومية، أو في مقهى شعبي، أن يرتجل، يمكنه أيضا أن يقرأ من كتاب. ومع الزمن، وبعد توفر نسخ من تلك المرويات وقد عرفت طريقها إلى التدوين، سننتقل من المروي لهم إلى القارئ الذي يبتاع النسخة ويطلع عليها في مجلسه الخاص به.
تترابط هذه المولدات، وتتعدد من خلال:
1. العلاقة بين الراوي والمروي له والقارئ: في التحاكي نجد العلاقة بين الراوي والمروي له تتحقق من خلال الاشتراك في الفعل السردي، حيث يتحول كل راو إلى مروي له، عن طريق التناوب، وكلما تدخل أحد الحضور في ممارسة السرد. أما في المبدأ الثاني فيتحدد من خلال ما يكون عند الراوي من مواد سردية لا يتوفر عليها المروي له، فيكون السؤال للاستخبار أو طلب المعرفة. ويمكن أن نلاحظ الصورة نفسها في التراسل حين يكون السؤال من مروي له، والمتوجه به إلى راو يمتلك قدرات ومعارف ولغة كتابية جيدة طالبا الجواب «المكتوب» عن قضية تشغل باله، وتهم القراء بصفة عامة. وفي كل هذه المولدات نجد أنفسنا أمام علاقة مباشرة وشخصية بين الراوي والمروي له. أما في الرواية فتبدو من خلال صورة مختلفة لا تقوم فيها العلاقة بين الراوي والمروي له على أساس المعرفة الشخصية، ولكن على ركيزة التلاؤم بين ما يقوله المتكلم، ويسمعه المخاطب غير الشخصي والمعروف. ولما كان ما يقدمه الراوي في الساحة العمومية مفيدا ومثيرا، يتم تدوين ما يقدمه ليتسع لجمهور أوسع من القراء.
2. الفضاء التي يمارس فيه السرد: يبدأ السرد في التولد حيثما كان هناك أشخاص في مقام تواصلي. وقد يكون هذا الفضاء مفتوحا (المجلس الصحراوي)، أو المسجد، أو مغلوقا، ومحدود العدد (الديوان، البلاط)، أو يكون غرفة خاصة يطرح فيها المروي له سؤالا يجيب عنه الراوي كتابة. وقد يكون الفضاء فسيحا لجمهور متعدد (الساحة العمومية).
3. الوسائط: أما الوسيط فيبدو لنا من خلال الشفاهة أو الكتابة بحسب المقام الذي يمارس فيه السرد بين الراوي والمروي لهم في فضاء معين، ووفق نوع العلاقة التي تربط بينهم.
نستنتج من خلال هذه المولدات السردية العربية أننا ننتقل من الراوي إلى المروي له كلما كانت العلاقة بينهم تستند إلى الشفاهة، وهي بين أناس في مستوى واحد من التواصل والمشترك الثقافي (القبيلة)، من جهة. أو بين مستويين مختلفين من المعرفة، حيث يعرف الراوي أكثر من المروي له (السائل، والمراسل)، بغض الطرف عن موقع أي منهما (أمير، مثقف)، من جهة ثانية. أو بين راو محترف وجمهور واسع.
تنتظم هذه المولدات الأربعة بصفة عامة، وتتأطر من خلال السؤال البسيط والعادي الذي يشترك في الجواب عنه الراوي والمروي له، وهما معا في مستوى واحد (التحاكي)، أو من السؤال الخاص والمحدد والذي يتطلب معرفة مختلفة مما عند الجميع، من خلال تميز الراوي واختلافه عن المروي له (التساؤل)، أو من خلال الدعوة إلى الكتابة لتعميم المعرفة من خلال الفعل السردي (التراسل). أما في الرواية فيبدو لنا الانتقال من الراوي العليم إلى الراوي المبدع الذي «يقول»: (قال الراوي) ليس مجيبا عن سؤال، ولكن «ناظما» لمعرفة بالأخبار، التي انتقلت إليه عن طريق السماع أو القراءة، محققا انتظارات المروي لهم، وما يتطلعون إلى سماعه مما يتصل بمتخيلهم ومعرفتهم السردية.
إننا من المولدين الأول والثاني، من جهة، والمولدين الأخيرين ننتقل من «الجواب السردي» المفضي إلى الإخبار، وإشباع الفضول حول مواد سردية معينة إلى «الفعل السردي» الذي يخلق أفق انتظارات المتلقين، وقد استجمعت كل ما يتوقعونه في تحصيل الإمتاع وتعميق المعرفة. ويوظف الراوي في هذا النطاق كل ما تراكم لديه من معلومات ومعارف تتضمنها كل المواد السردية التي تراكمت من خلال تلك المولدات، مضيفا إليها تجربته الشخصية، وثقافته الخاصة. كما أننا ننتقل في الإطار نفسه من الشفاهة إلى الكتابة عبر «الجواب السردي البسيط» الذي يبدو لنا من خلال «التحاكي» إلى «الجواب السردي المركب» من خلال «التساؤل»، وهو ما يحدث أيضا من انتقال إلى «الفعل السردي» عن طريق «التراسل» و«الرواية» ( الشفاهة ـ الكتابة).
تدفعنا هذه المولدات مجتمعة إلى طرح السؤال عن طبيعة المواد الحكائية المقدمة في كل منها. ولن يكون هذا السؤال سوى مدخل للحديث عن الأنواع السردية العربية التي تتلاءم مع كل منها.
*كاتب من المغرب
نيسان ـ نشر في 2026-11-08 الساعة 05:10
رأي: سعيد يقطين كاتب مغربي


