جثث مكدّسة بمستشفيات بغداد: روائح تعبق بالمحيط وتجّار موت
نيسان ـ العربي الجديد ـ نشر في 2016-02-02 الساعة 11:15
مع اتساع دائرة العنف التي تضرب المدن العراقية مخلّفة عشرات القتلى في اليوم الواحد في بعض الأحيان، برزت مشكلة تكدّس الجثث مجهولة الهوية في المستشفيات الحكومية في بغداد لعدّة أيام أو حتى أسابيع دون التعرف عليها لأسباب عدّة أبرزها اختفاء معالم الضحية، أو عدم قدرة ذويهم على القدوم لبغداد وتسلمهم. يأتي ذلك وسط متاجرة الفاسدين بهذه الجثث، سواء لبيعها لذويها، أو للمتاجرة في أعضائها.
عراقيون يشترون جثث قتلاهم
وشكت العشرات من العائلات القاطنة في محيط المستشفيات الرئيسية بالعاصمة، كمستشفى اليرموك والطب العدلي وعدنان والشعلة والكاظمية والصدر وابن سينا، من انبعاث روائح تلك الجثث، ووصولها الى منازلهم، خصوصاً في أوقات الظهيرة والليل مع انقطاع التيار الكهربائي، مطالبين بإيجاد حل عاجل للمشكلة.
وعلى الرغم من كون العنف ودوامة القتل بالعراق مستمرة منذ 13 عاماً، إلا أن خلافا بين البلدية التي كانت تقوم بنقل الجثث الى مقابر بالنجف وكربلاء ودفنها هناك، من جهة، وبين إدارة تلك المستشفيات، من جهة ثانية، كان سبباً في تراكم تلك الجثث.
وفي العادة، فإن الجثث تعود لضحايا يتم اختطافهم وقتلهم لدوافع طائفية من قبل جماعات مسلحة متطرفة تنشط في بغداد ويتهم "الحشد الشعبي" بالوقوف وراءها. ولا تزال المستشفيات العراقية تعتمد على ثلاجات لحفظ الموتى استوردها العراق من ألمانيا بموجب عقد وقع في العام 1983. وهي ثلاجات صغيرة نسبياً، ولا تستوعب معدل القتل اليومي بالبلاد. وعلى الرغم من حصول وزارة الصحة على أكثر من 50 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية، إلا أنها لم تفكر بحلّ تلك المشكلة.
وبحسب المدير العام لدائرة الطب العدلي ببغداد زيد علي عباس، فإن دائرته تسلمت خلال شهر يناير/كانون الثاني الماضي عدداً من الجثث يفوق قدرة ثلاجات حفظ الموتى على استيعابها، وقد عثرت عليهم الشرطة في أماكن متفرقة من بغداد. ويضيف عباس لـ"العربي الجديد" أن الثلاجة الواحدة لدينا تتسع لست عشرة جثة فقط، ومجموع ما لدينا من ثلاجات هو تسعة فقط وهو عدد غير كاف لمثل وضع نتسلم فيه عشرات الجثث التي لا نعرف عنها شيء ولا تمتلك أي دلاله لتسليمها الى ذويها".
ويتابع "نضطر عندها لوضع 90 جثة في كل ثلاجة بشكل مكدّس، وهناك بعض الجثث تبقى لمدة شهر كامل دون أن يتعرف عليها أحد أو يأتي ذويها لاستلامها، ما يضطرنا إلى دفنها"، مشيراً إلى أن قلة الدعم تقف عائقاً وتحول دون شراء ثلاجات جديدة تكفي لأعداد الجثث التي نتسلمها في الدائرة.
وظهرت في الفترة الأخيرة بشكل محدود ظاهرة "الوشم" بين الشبان، إذ يلجأون الى كتابة أسمائهم على الأذرع أو الكتف ضمن حلقة تشاؤم من الوضع الحالي، وإمكانية أن ينتهي الحال بهم في ثلاجة موتى ولا يتم التعرف عليهم من ذويهم.وبحسب مصادر رفيعة في وزارة الصحة العراقية، فإن 618 جثة مجهولة الهوية تتواجد حالياً في ثلاجات الموتى بمستشفيات بغداد مضى على بعضها أكثر من شهر دون التعرف عليها وتعرضت للاهتراء بسبب انقطاع التيار الكهربائي وسوء الحفظ.
ويقول مسؤول عراقي في الوزارة في حديث لـ"العربي الجديد" إن "تلك الجثث يتم العثور عليها من قبل الشرطة والجيش أو المواطنين بأشكال مختلفة، منها ما يتم العثور عليه في الساحات العامة أو مكبات النفايات، ومنها ما يأتي بعد الانفجارات بالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة وتكون ممزقة وعبارة عن أشلاء، ومنها ما يأتي من ساحات المعارك اليومية مع تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)".
ويضيف المسؤول نفسه أن "تلك الثلاجات، مع الأسف، ضمت السني والشيعي في مكان واحد، واعتبر البعض ذلك رسالة للعراقيين أن مصيرنا واحد وأن آلة العنف والحقد والإرهاب لا تميز بين العراقيين بالنهاية".


